يعتبر أبو بكر محمد بن زكريا الرازي أعظم طبيب في العصور الوسطى . وإن نبوغه وكثرة مؤلفاته الطبية لتجعلنا ندعوه بحق جالينوس العرب ، ولن أحاول في هذا المقال مناقشة آرائه الفلسفية والدينية ، ولكني سأعتي بعرض بعض مؤلفاته الطبية وتحديد ما نقله إلي العربية من آراء جالينوس وأبقراط .
إن ما وصلنا عن حياة الرازي قليل جداً بالقياس إلي مكانته العلمية ، وفضلا عن ذلك فإن في كثير من الروايات عنه غموضاً واضطرابا . ولد بالري حوالي عام ٢٥١ هـ (٨٦٥ م ) ، وهناك درس الرباضيات والفلك والفلسفة والأدب والكيمياء ، وكانت عنايته في أول الأمر موجهة إلى الكيمياء فنبغ فيها ؛ وكان أول من أدخل المستحضرات الكيميائية بين المفردات الطبية . ونحن لا نعرف عنه أي نشاط في الطب قبل الثلاثين من عمره ، إذ ظل إلي ذلك الوقت من حياته مغرما بالموسيقى . وقد درس الفلسفة مع يحيى بن عدي ؛ وأثرت نظرياته الفلسفية في كثير من رجال الشيعة ؛ وهاجم المعتزلة ، واعتقد أن التوفيق بين الدين والفلسفة أمر محال . وقد لخص كثيرا
من معتقداته الدينية في كتابه " نقد الأديان " . ولا يهمنا في هذا المقال شرح آرائه فيها وراء الطبيعة ، غير أننا نورد ما قاله القاضي صاعد في كتابه التعريف بطبقات الأمم في صدد موقف الرازي من الدين ، قال صاعد : " إن الرازي لم يوغل في العلم الإلهي ولا فهم غرضه الأقصى ، فاضطرب لذلك رأيه ، وتقلد آراء سخيفة وانتحل مذاهب خبيثة ، وذم أقواماً لم يفهم عنهم ولا اهتدى لسبيلهم " (1)
دير الرازي بمارستان الري ، وتقلد وظيفة رئيس أطبائه
ولما ذاع صيته قلده عضد الدولة بن بويه وظيفة رئيس أطباء البيمارستان العضدي ببغداد . وقد قيل إن الرازي نفسه هو الذي اختار الموضع الذي شيد عليه ، وكان ذلك بين عامى 903 و 907 م
ترك الرازي ثروة من الكتب الطبية قل أن ينفرد يمثلها طبيب ، فقد ذكر صاحب الفهرست ما يقرب من ١٤١ كتابا من مؤلفاته ؛ وذكر ابن أبي أصييعة ما يقرب من 232 ؛ كتابا ولسوء الحظ أن معظم هذا التراث القسم قد عفا والدرس ، وسأصف بشيء من الاختصار بعض موسوعاته الطبية التي أودع فيها ما نقله إلي العرب من الطب اليوناني .
(1) كتاب الحاوي : ويسمى الجامع الحاصر لصناعة
الطب ، وقد جمع فيه كل ما وجده متفرقا عن الامراض والأدوية ؛ فهو موسوعة طبية تحصر أغلب آراء أبقراط وجالينوس . ويقول ابن أبي أصبيعة إن ابن العميد كان له الفضل في إظهار هذا الكتاب . فقد بذل دنانير كثيرة لاخت الرازي حتى أخرجت له مسوداته وقام على ترتيب فصوله وتنسيق مادته (1) . ولا يمكن أن تكون معلوماتنا عن هذا الكتاب دقيقة ، إذ لا توجد منه في العالم نسخة كاملة . ويعتقد الدكتور براون أن نصف هذا الكتاب قد فقد نهائياً ، وما يوجد منه موزع في مكتبات أوروبا
فثلاثة أجزاء منه في مكتبة المتحف البريطاني بلندن ، وثلاثة في البودليان بأكسفورد ، وخمسة بالأسكوريال بأسبانيا ،
وبعض مختصرات منه في مكتبة الدولة الألمانية (2) . ولا يمكننا أن نحصر بالضبط أقسام الكتاب وترتيب فصوله ، فما يذكره صاحب الفهرست يخالف ما يذكره المترجمون الذين قاموا بنقله إلى اللغة اللاتينية . وليس ذلك بغريب ،
فالمؤلف لم يقم على ترتيب فصوله . وقد ذاع هذا الكتاب في العصور الوسطى ، وكان يدرس في كلية الطب بجامعة باريس ١٣٩٥ م ، وترجم إلي اللغة اللاتينية في مدينة البندقية عام ١٥٠٠ و ١٥٠٦ م .
(3) الكتاب المنصوري : صنفه للأمير منصور بن إسحاق بن اسماعيل صاحب خراسان وما وراء النهر . وهو في عشرة أقسام ؛ يبحث القسم الأول في شكل أعضاء الجسم ؛ ويقول العالم فريند إنه مأخوذ عن أبقراط وجاليتوس . ويبحث القسم الثاني في تعرف مزاج الأبدان وهيئتها ، وهو مأخوذ عن De Humoribus لأبقراط و De Temperamentis لخالينوس . ويبحث القسم الثالث في الأغذية ، وقد اعتمد في كتابته على كتاب De Diceta لأبقراط وDe Alime ntorum iacultatibus لجالينوس . أما القسم الرابع
فموضوعه وسائل حفظ الصحة ، وهو مأخوذ عن De Sanitnte tuenda خالينوس . أما القسم الخامس فقد تعرض فيه لدراسة أمراض الجلد وأدوات الزينة ، وهو مأخوذ عن كتاب De Compositione Medicame. ntorum secundum locos- ويبحث القسم السادس في الأغذية ، وهو مأخوذ عن مصادر يونانية مختلفة.
وقد عالج في القسم السابع صناعة الجبر والجراحات والقروح . وفي الثامن السموم ، أما التاسع فهو امتع هذه الأقسام ، وقد جمع فيه كل ما وجده متفرقا عن الأمراض وعلاجها ، وقد ذاعت شهرته في العصور الوسطى ، وكان يسمى Nonus Almansoris وهو مأخوذ عن كتاب De Morbis لابقراط ، وكتابي De Compositione medicamentorum secundum locos el De locis afiectis لجالينوس (1)
وقد قام الشراح في العصور الوسطى بكتابة تعليقات كثيرة على هذا القسم ، وكان يدرس في جامعة تيبنحن Tubingen بألمانيا في أواخر القرن الخامس عشر . وقد ترجم إلى اللغة اللاتينية ، ونشر ككتاب قائم بذاته ، وعليه تعليقات الشراح في مدينة البندقية عام ١٤٩٧ م ، وقد نشر ريسكا عام ١٧٧٦ م بمدينة هلا Halle بألمانيا النص العربي ومعه الترجمة اللاتينية
أما القسم العاشر من الكتاب المنصوري فيبحث في الحميات ، وقد اعتمد الرازي في كتابته على كتاب De Crisibus- لجالينوس .
من هذا العرض السريع لمحتويات كتابي الحاوي والمنصوري يتضح أن الطب اليوناني هو المعين الأول الذي نهل منه الرازي ، وأن معظم مؤلفاته الطبية ترجع إلي أصول يونانية
البحث بقية

