الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 670 الرجوع إلى "الثقافة"

ترجمة عن الأدب اليوناني القديم :, محكمة مينوس

Share

تقديم :

حدثنا التاريخ أن ظروفا جمعت بين هانبال وسكيبو القائد الروماني الذائع الصيت ، فسأل الأخير الأول : " من انبغ القادة ؟ " فأجاب هانيبال : " الإسكندر  فابتسم سكيبيو ساخرا وقال : " إذا من أنبغهم لو لم أقهرك ؟ " فأجاب هانيبال على الفور : " أنا " - وستعرض الآن ذلك الحوار الفني الممتع الذي أنطق فيه لوسيان الأديب المؤرخ أبطال تلك الحروب القديمة بعد مماتهم ، وكيف فضل مينوس الإسكندر على هانيبال وسكيبو .

الإسكندر ألست تري أيها الإفريقي أن التاريخ يؤثرني عليك لأنني أبذك نبوغا وعبقرية . هانيبال : كذبت ، فأنا الذي أبذك نبوغا وعبقرية . الإسكندر اذا هيا تحتحكم إلي مينوس . مينوس : من أنتما ؟ .

الإسكندر ، هذا هانيبال القرطاجني وأنا الإسكندر ابن فيليب المقدوني . . مينوس : ما أشهركما حقا ! ! ولكن علام الخصام بينكما ؟

الإسكندر اننا نختصم على الرياسة ، فهو يزعم أنه يفضلني في قيادة الجيوش وجمعها ، أما أنا فأردد ما يعلمه الناس جميعا بأنني لا أءذ هذا الرجل في فن القتال فحسب ، بل وجميع الرجال السابقين له والذين أولموا بهذا الفن .

مينوس : إذا ليدلي كلاكما بحجته في تأييد وجهة نظره ، وليبدأ هانيبال أولا .

هانيبال : ليس من العدل يا مينوس أن يفضلني

الإسكندر لأنه يعرف اللغة اليونانية ، فها أنا قد تعلمتها هنا في عالم الأموات . وإن أجدر الناس بالأطراء في نظري لهو ذلك الرجل الذي بدأ حياته شيئا شيئا منسيا ، ولكنه بالرغم من ذلك استطاع أن يقوي نفسه بنفسه فتفوق على أترابه ، وفرض عليهم عبقريته فأضحى أهلا بأن يسوس مقاليدهم ، وهذا وصف لحالي ، فقد دخلت أيبيريا مع حفنة من الرجال ، ومع أنني بدأت حياتي العسكرية ضابطا بسيطا تحت إمرة أخي ، فقد كنت أكثر الضباط استحقاقا لأرفع الرتب والنياشين لأني كنت انبغهم ، فقد كنت  على حد قولهم - من استولى على أبييريا وأسر جميع سكانها ، ولما انتصرت على بلاد الغال الغربية وعبرت جبالها الثماء غزوت الأقطار التي حول نهر إلبو ، وجعلت أكثر البلدان بابا بلقعا ، ووضعت يدي على سهل لمبارديا في إيطاليا ، ومن ثم توغلت في الداخل حتى اقتربت من أبواب العاصمة بعد أن سفكت دماء ألوف عديدة من الرجال في يوم واحد ، حتى أضحي لزاما علينا أن نحصى خواتيمهم بالويبة ونلقي بأجسادهم في الماء لكي نعبر فوقها الأنهار . .

بيد أنني قمت بجميع هذه الأعمال دون أن أدعي بأنني ابن آمون ، أو أزعم للجيش أنني إله قدير أو أحدث الناس عن الطيف المبارك الذي زار والدتي في نومها . . نعم لقد زعم الإسكندر كل هذه المزاعم مع أنه كان يحارب الميديين الذين جبلوا على القرار والإدبار والتسليم الوشيك لكل من أوتي قدرا ضئيلا من الشجاعة . . أما أنا فقد اعترفت بمعدني البشري ونار الحرب مستعرة بيني وبين أذكى القادة وأشجع الجنود .

لقد ورث الإسكندر تاج الملك عن أبيه وواتاه الحظ الطيب فاتسع ملكه وزاد نفوذه كثيرا ، ولكنه عندما

هزم دارا في إسوس وانتصر عليه في أربلا ثار على تقاليد أجداده وحسب نفسه إلها جديرا بالعبادة ، واتخذ لنفسه في الحياة الدنيا أسلوبا فارسيا ، طارحا بأسلوب اليوناني عرض الحائط . وأقبح من هذا فإنه اعتاد قتل الأصدقاء، على موائد الشراب والقبض عليهم لتقطع المفصلة رؤسهم أما أنا فقد وزعت العدل على أبناء وطني توزيعا مرضيا ، وأسرعت إلى تلبية ندائهم وعرضت نفسي على الوطن مخلصا عندما هجم الأعداء بأسطولهم الضخم على شمال إفريقيا ، بل ولم أحمل لهم في قلبي ضغينة أو بغضا يوم حكموا بإدنائي .

تلك هي النواحي التي أقول إنني بذذت الإسكندر أما إذا فضل الإسكندر على لأنه يحمل فوق كتفيه رأسا متوجا فريما أرضي هذا العمل أهل مقدونيا لأنهم يقدمون هذه التفاهات . . ولكن الشئ الذي لا ريب فيه أن التفاهات لا يمكن أن تكون أساسا عادلا لتفضيل الإسكندر على قائد نبيل اعتمد على حكمته في كثير من الأحبان وعلى حظه في القليل منها .

مينوس : هذا دفاع مجيد لاغبار عليه ، ولا يمكن أن يصدر عن إفريقي ، فما رأيك ، أيها الإسكندر ، في هذه المزاعم والأقاويل ؟ !

الإسكندر أيها الحكم ، ليس ضروريا أن أدفع عن نفس ما افتراه على هذا الوقح الجسور ، إذ يكفي أن تدرك من شهرتي إلي أي الملوك ينتمى الإسكندر . وإلى أي لون من المصوص ينتمى هذا الرجل ، وحسبي أن تعرف إن كنت قد تفوقت عليه في قليل أم كثير ، لقد عركت الحياة وأنا مازلت شابا يافعا ، إذ ورثت مملكة مضطربة ، وانتقمت لوالدي من سافكى دمه ودمرت طيبة فالقيت بذلك الرعب في قلوب اليونانيين فانتخبوني قائدا لهم ؛ غير أني لم أكتف بعرش مقدونيا وما تركه لي أبي من البلدان ، بل عقدت النية على امتلاك العالم برمته وان أصير له السيد المطاع ؛ لهذا غزوت آسبا بزمرة من الجنود وقهرت حشد سكانها في موقعة كبرى بالقرب من نهر جرانيكوش ، واستوليت على ليديا وأبونيا وفريحيا وغيرها من البدان التي مررت عليها . ثم تقدمت إلي إسوس حيث كان ينتظرني دارا وعشرات الألوف من الجنود .

أما عن هذه الأعمال وما أسفرت عنه وما ترتب عليها فأنت به أعلم العالمين ؛ ولعلك تذكر أني أرسلت إليك ذات يوم عددا كبيرا من القتلى حتى إن رجل القارب اعترف وقتذاك بضيق قاربه ، واضطر اكثر القتلي إلي إقامة الرموث لأنفسهم ، ولقد أنجزت هذا المشروع مجازفا بحياتي غير عابيء بالجروح التي ستلحقني . هذا وإن كنت لا اشتهي أن أحدثك بما حدث لي في صور وأريلا ؛ ولكن مما لا ريب فيه أنني تقدمت حتى وصلات إلى الهند وجعلت المحيط الهندي حدا لامبراطوريتي بعد أن قهرت أصحاب الفيلة ووضعت يدي علي بوروس ، وزيادة على ما تقدم فإني عبرت نهر السين ونزلت بإمكينيا وانتصرت على فرسانها في موقعة كبرى . هذا فضلا عن أني احسنت معاملة الصحاب وانزلت بالأعداء العذاب الأليم . . وللناس العذر إن حسبوني إلها ، فلقد دفعتهم أعمالي الجليلة إلى  انزالي في نفوسهم منزلة الإله القدير . .

وفي ختام حياتي ذهبت روحي إلي بارئها وكنت ملكا معززا مكرما . أما هو فقد مات منفيا في قصر بروسياس كأن الآلهة رأت أن تجازيه على خبثه ودهائه المنكر وعلى وحشيته وفظاظته . . بيد أنني ان اتحدث إليك عن الأسلوب الذي اتبعه هذا الرجل في فتح إيطاليا ، لأنه لا ينطوي على شئ من النظام أو الصراحة ، بل على كل معاني الخبت والخيانة والغدر ؟ ومن الغريب أن هذا الفاجر يعرب على انغماسي في الترف كأنه نسي أعماله في كبوا ، وكيف تخلف عن القتال ليستتمتع ببعض العاهرات هناك ؛ ويهمني أن تعرف أنه لولا إيماني بتفاهة شأن الأقطار العربية لما توانيت في إثبات أنه من المستطاع الاستيلاء على إيطاليا بغير قتال والتغلب على إفريقيا والتقدم على أرض جادبرا ؛ ولكنني كنت أثق دائما بأنها لا تستحق مني هجوما لما كانت تعانيه هذه البلاد من ذل ومسكنة بجيرانها على الاعتراف فورا بسيادة أى مهاجم مهما كانت قوته ، أو شجاعته .

هذا هو دفاعي ، فأصدر حكمك يا مينوس ، لأني أكتفي مشيرا إلى هذا القدر اليسير من أعمالي الكثيرة . سكيبو : هل لمينوس أن يؤجل حكمه إلى ما بعد الإستماع إلي

( البقية على الصفحة التالية )

مينوس ؛ ومن تكون أيها الرجل الطيب ؟ ومن أي أقطار الدنيا تنتمي ؟ وماذا تريد أن تقول ؟ .

سكيبيو : أنا سكيبو فائد روما الذي دمر قرطاجة بعد أن قهر الإفريقيين في مواقع عظيمة . مينوس : وماذا تريد أن تقول ؟

سكبيو : إنني لا أرتفع إلى مكانة الإسكندر ولكنني افوق هانيبال لأنني تعقبت آثاره وانتصرت عليه ، وأجبرته

على الفرار ، ويدهشني كيف يقارن هذا السفيه نفسه بالإسكندر ويدعي السيادة عليه ، في الوقت الذي أري أنه من واجبي أن أقر شخصيا بأفضليته على

مينوس : صدقت با سكيبيو . إذا ليكن الإسكندر أولكم ، ولكن أنت من بعده . وليكن هانيبال - إن شئت - ثالثكم ، على أن تعترفا بأنه لا يستأهل منا الاحتقار .

اشترك في نشرتنا البريدية