نشر الأستاذ خليل هنداوى فى "الثقافة" المنيرة فصلين عن فن ترغنيف وفلسفته الإنسانية كما درسهما كاتب السير المشهور " أندريه موروا " . وهذا الفصل الذي أنشره اليوم تنمة واجبة لما تقدم به الأستاذ هنداوى ، لخصت فيه سيرة ترغنيف وروح عصره كما صورهما أندريه موروا في أكثر من ثلثي كتابه.
كانت البلاد الروسية في مفتتح القرن التاسع عشر ما تزال - في ظل الحكم القيصرى - تنوء تحت أثقال الأقطاع والاستعباد وشتى ضروب العسف والتشكيل وكان الأمراء والنبلاء وكبار الموظفين والملاك يمتصون دماء الملايين من الفلاحين ، حتى نخاع العظم ، من ورائهم الحكومة تساندهم وتنتصر لهم ، وتسن القوانين ، وتضع الشرائع التي تخدم أغراضهم وتعزز مصالحهم . كان الواحد من هؤلاء الأسياد لا يملك الأرض وحدها ، بل عملك معها أيضاً ألفاً أو ألفين من «النفوس » ، أو حتى خمسة آلاف في كثير من الأحيان، عبيداً أرفاء لا شأن لهم فى تصريف أمورهم ، ولا رأى يجهرون به ، ولا حق لهم في الحياة إلا الحق الذي يريده لهم السيد صاحب الاقطاع . وقد جرت العادة إذ ذاك أن يبيع الاقطاعي أرقاءه من الفلاحين، دون أن يضطره ذلك إلى بيع أراضيه : «كان الفلاح عبداً ، لسيده مطلق الحرية ، وله الحق في أن يجلده وبشكل به ويساوم عليه ويبيعه ؛ وكان من حق سيده عليه أن يهلك الفلاح نفسه ليدر عليه أخلاف الرزق ويتيح له أسباب البلهنية والرقاه جميعاً » ولم يكن تعاقب القياصرة على دست الحكم ليغير شيئاً من هذا الوضع ، أو يطامن قليلا من شدة عتوه وجبروته ، بل إن منهم من زاد في استشراء هذا الظلم ؛ فان «كاترين الكبيرة مثلا قد سنت من القوانين ، ووضعت من الشرائع ما كان من شأنه أن يؤكد حقوق الملاك ويزيد في قوة
سلطتهم ، ويمكن لهم فى رقاب عبيدهم وأرقائهم وكذلك كان شأن الروسيا في عهد القيصر اسكندر الأول في مفتتح القرن التاسع عشر ، فقد كان هذا القيصر يعتقد أن الله قد اتخذه أداة يعاقب بها شر الطاغية نابليون ؟ وقد بلغ من شدة تعصبه وهذيانه التصوفى السخيف أنه غدا ينظر إلى كل معارضة - بالغة ما بلغت - كأنها عروق وزندقة يستحقان أشد العقاب ، وكان أعظم مابوغر صدره اعتقاده بأنه ضحية بريئة لقدر رعيته الجاحدة.
هذا من ناحية ؛ ومن ناحية أخرى فإن الفكر كان ممتهناً أيما امتهان ، وحرية الفكر لا وجود لها مطلقاً وكان تدريس العلوم على إطلاقها ممنوعاً في المدارس والجامعات. وكانت دراسة الأدب مقصورة على النظر في التوراة ، على اعتبار أنها أسمى وأروع ما وصل إليه الإبداع الأدبي الرفيع. وكان لزاماً على أستاذ الاقتصاد السياسي أن باقي في روع طلابه ويؤكد في أذهانهم تفوق الفضائل التي تحيل المتاع المادى إلى متاع روحى خالص ! وفي كلية الطب لم يكن التشريح مسموحاً به قط . ورغم هذا كله فقد وجدت في هذه البلاد التي سلب شعبها كل حرية ، وكل حق في التفكير الإنساني الصحيح ، طبقة مثقفة من بعض النبلاء تلقى أفرادها التعليم على أيدى مدرسين فرنسيين ، فقرأوا ( فولتير ) و ( روسو ) و ديدرو ) وتشيعوا بهذه الثقافة الحرة التي كان يذيعها جماعة «الإسكلوبديين واتصلوا اتصالاً وافياً بثقافة القرن
الثامن عشر الفرنسي ، ولمسوا أهداف هذه الثقافة الخطرة وتبينوا دواعيها وأغراضها. وقد ساعد أيضاً على إنماء هذا التنبه رجوع الضباط الروسيين الذين طاردوا نابليون إلى جانب الجيوش الخليفة، فتعرفوا إلى أوربا وعاشوا في باريس ثم عادوا من فرنسا وقد تفتحت عيونهم ووقت قلوبهم مظاهر هذه الحرية الرائعة التي ظفر بها الشعب الفرنسي ؛ فتأصلت النقمة في قلوبهم وروعتهم صور الظلم والاضطهاد في بلادهم وأقض مضاجعهم ما شاهدوه في قراهم من استعباد الفلاحين وتجارة الرقيق وإزال أفظع العقوبات الجسدية في هؤلاء الأرقاء المانعين ، فكان من أثر هذا كله أن شاعت الحركات العدائية وتألفت الجمعيات السرية في أنحاء البلاد جميعاً لإذاعة الأفكار والمبادئ التحريرية الجديدة. وإذا كان الحكم الفردي المطلق ممكناً في مجتمع يرتضي مبدأ هذا الحكم ولا يعارض فيه ، فإنه يغدو مستحيلا أو على الأقل غير ثابت في مجتمع يلمس قريباً جداً منه مثلا الحضارة أخرى مختلفة حققت للمفرد كثيراً من أسباب سعادته وحريته.
وهكذا كانت الروسيا - عند مولد ترغنيف عام ۱۸۱۸ - بلاداً يسودها الحكم الاستبدادي وموطناً للرق والإذلال والعبودية ، بعيث فيها الفساد ويتحكم أمراؤها ونبلاؤها ووجهاؤها وقاب فلاحيها وحياة جماهيرها الشعبية ، في حين كانت أوربا - وقد تحررت نهائياً وإلى الأبد من وبلات ومظالم عهدها الإقطاعي تنظر إلى هذه البلاد الثلجية الموغلة في متاهات جهلها ووحشيتها المروعة في كثير من الدهش والعجب.
وإذا كان هذا الوضع أكبر نذير بالثورة والتمرد مما عرفته الروسيا بعد ذلك ، فقد كان من ناحية أخرى أكبر مساعد على خلق وتكوين كبار الروائيين والقصصيين ، لأن العواطف تكون في مثل هذه الأوضاع الاجتماعية شديدة القوة والعتو، والشهوات وحشية خارقة ، والانقلابات مباغتة مروعة .
ينتمى إيفان ترغنيف في طبيعة مولده ونشأته إلى هذه الطبقة المترفعة من الإقطاعيين. ولو ذهبنا نتقصى أصول منبته لوجدنا أن أحد أجداده جاء إلى الروسيا من أقاصى آسيا حوالي عام ١٤٠٠ متطوعاً في الجيش الروسي، وقد توارث أبناؤه وأحفاده من بعده مناصب هامة في الجيش والحكومة ، وكان منهم حكام وقضاة في الأقاليم ، فاثروا وامتلكوا الأراضى والضياع والارقاء ؛ ولكن صروف الدهر قلبت لهذه الأسرة ظهر المجن ؛ وما كان يطل القرن الثامن عشر حتى كانت أسرة ترغنيف قد افتقرت بعد غنى وشحب مجدها وتقلص ظل سلطانها ، ولم تعد تملك من الأرض والمتاع إلا النزر اليسير، ومن الأرقاء إلا عدداً ضئيلا لا يعدوا مائة نفس ؛ ولم يكن أبوه «سرج إيفانوفتش » أكثر من فارس برتبة ضابط في إحدى فرق الخيالة حين التق بالآنسة وفارفارا بتروفنا لو تفنوف ) Varvara Petrovna Loutovinov فاقترن بها . كان والده - رغم هيبته العسكرية ورغم ما يبدو من قوته وشدة أسره وارتفاع قامته وجبروت مظهره الخارجي - أقرب في دقة مزاجه ورقة إحساسه إلى الروح الانثوية ، يزيده صلة بهذه الروح جماله الرائع وفتون عينيه الزرقاوين الهادئتين الحالمتين ودقة شفتيه الشهويتين الساحرتين ونضارة شبابه الريان، يناقض فى هذا كله زوجته التي تكبره بست سنوات ، والتي تدل ميولها وجرأتها على ما تنطوي عليه نفسها من منازع الرجولة وقوة الشكيمة ، ورثت من أسرتها حب الفتك والإجرام وقسوة القلب وشدة المراس ؛ وكانت تركب الخيل وتغدو إلى الصيد والقنص، وقد عاشت قبل أن تتعرف إلى زوجها حياة مربية ، وكانت يوماً من الأيام خليلة لأحد أقاربها ، ولكنها كانت إلى هذا كله مثقفة موهوبة تحب الفن والأدب ولا تخلو من بعض الجمال الشائع، وتمتلك ثروة طائلة وأراضي وضياعاً بأسرها وعدداً عظيا من الفلاحين الأرقاء. وكان هذا وحده هو الذى أغرى سرج ترغنيف على الاقتران بها ، بعد أن لاحقته
مدة طويلة يحبها وإلحاحها ، ونصبت له الشباك ووضعت في طريقه المغريات جميعا .
.ورث إيفان ترغليف» عن والده هذه المظاهر المتناقضة، والتقت فى نفسه منازع القوة والعتو بأسباب اللين والرقة والضعف ؛ فكان له من ذلك ضرب من المزاج الفريد لعله كان من أعظم الحوافز التي دفعت به إلى صناعة القلم ، وقوة الإبداع والخلق القصصى .
قضى ترغنيف " طفولته كلها في قصر والديه بالريف الروسي ، وتلقي تعليمه الإبتدائي على مدرسين خصوصيين ، وشاهد من أسباب الخصام بين والديه ما ظل أثره عالقا في ذهنه طيلة حياته كلها . ورأي أباه يغازل خادمات القصر ويتخذ منهن عشيقات له ، فنثور ثائرة الزوجة ، وتنتقم لنفسها بمعاقبة الخدم والإمعان في إذلال الفلاحين الآرقاء وأمتهانهم ، ولا تهدأ ثائرتها من بعد إلا إذا تكك بأولادها وأذاقتهم من العذاب ؛ ولكن " ترغنيف " احتفظ في أعماق نفسه ، إلي جانب هذه الصور القاتمة في حداثته بمفاتن الطبيعة في الريف الروسي ، واستقرت صور آجامها المزهرة ، ومروجها السريعة ، وهضابها الخالية ، وسهولها الخصبة ، وسفوح تلالها الحضيلة ، وجناتها الفواحة بالعطر ، وأغاريد طيرها ، ووسوسات عيونها وسواقيها . . استقرت هذه الصور كلها في ذاكرته ، وكان لها من بعد في قصصه وأعماله الابتداعية جميعا أبعد الأثر . وفي عام ١٨٢٧ انتقلت الأسرة إلي " موسكو " حيث راح " ترغنيف " يواصل تحصيله في إحدي جامعاتها . وقد سحرته موسكو بمظهرها الشعري الغريب ، وفتنته قباب كنائسها الذهبية ، وازدهفت قلبه شوارعها وساحاتها المغمورة بالثلوج ؛ وكان إذ ذاك ، وقد بلغ الرابعة عشرة من عمره ، فتي هادئا ، سلس القياد ، ضعيف البنية ، يحب الشعر والأدب ، وتشي سيماؤه بمسحة من الحلم القرير وكان في كثير من الأحيان يشترك فيما يثيره زملاؤه الطلاب من ألوان الجدل في غرفهم حول أكواب الشاي ؛ فيتناولون
في أحاديثهم أخطر المسائل ، وبصفون النيلاء والاقطاعين بالثمور الفانكة والتعابين السلامة ، ثم ينتثنون إلي الجدل في أصول الدين ، وفي مستقبل بلادهم ، وفي معنى الحقيقة والإنسانية . وهذه صور عرف " ترغني " كيف يستغلها في أعماله القصصية فيما بعد . ثم رحلت الأسرة من في " موسكو " إلي مدينة " بترسبورغ " ودخل ترغني جامعتها ، وكان التعليم يسير فيها وفقا للأصول الجرمانية ، فأولع " غيته " وقرأ الفيلسوف الألماني " هيغل " وأغرم بالغبيان ، ثم استفاقت شهوانه وكانت له علاقات غرامية مع بعض خادمات أسرته الجميلات ؛ وكان قد بلغ الثامنة عشرة حين مات أبوه ، فأرسلته أمه إلي إحدي جامعات برلين بأنسانها ، حيث التقي بطائفة من شباب الروس المتحررين ، فأثرت أفكارهم ومبادئهم باتجاه تفكيره تأثيرا قوبا ، فانحاز إليهم وانصل اتصالا وثيغا بواحد منهم على الخصوص اسمه " باكون " وكان هذا نائما على الوضع الاجتماعي بالروسيا ، فأبغض القيبصر وتمرد على أبيه ، وأشرك أخوانه الثلاث عيوله العنيفة . وكان من أثر هذا الاتصال أن أحب ترغني إحدي الأخوات الثلاث حبا عاصفا لم يلبث أن ابتردت حدته ، فانصرف عنها بعد أن ملأ فلها بأسا وحسرة . ثم اتصل بعد ذلك بخائطة كانت تشتغل عند أمه واستولدها طفلة قام على رعايتها وتربيتها من بعد ، واناح لها أن تنشأ في كنف اليسر والدعة ، واعترف بأبوته لها .
وقد رغب ترغنيف في يوم من الأيام أن يكون أستاذا للفلسفة في إحدي جامعات الروسيا ، ولكنه سرعان ما انصرف عن هذا العزم ووقف حياته من ثم على الخلق والابتداع القصصي . وقد اتيح له في شبابه ان يتصل بفريقين كانا يتزعمان الحركة الفكرية في الروسيا ، احدهما محافظ بدعو إلى الأخذ بفضائل العنصر السلاقي ، ولا يجد إمكانا للخلق والإبداع إلا في الاتصال بنقاء وبساطة الروح الروسية اتصالا يكون الفن ويكون التفكير خير
مظهر له. وكان كل ما يمت إلى الحياة الروسية بسبب من الأسباب مقدساً فى رأى هذا الفريق إلى حد الاعتقاد بأن لا بد أن تصبح الروسيا المنار الهادي الذي تسترشد بنوره الانسانية المعذبة في سيرها المتخبط ! أما الفريق الثاني فهو الذي كان يدعو إلى تجديد الحياة الروسية ، ووجوب اتصالها بالغرب اتصالا تكون الثورة على القديم في الفن والأدب والفكر ، ويكون تجديد المجتمع وإصلاح وجوه الحياة جميعاً خير مظهر له. وكان ترغنيف بطبيعة ثقافته واطلاعه الواسع على آداب الغرب ، أميل إلى الأخذ بآراء الفريق الأخير، إلا أنه كان في ذلك كثير الحذر، غير واضح الفرض ، فأغضب الجيل الثائر وحسبه المحافظون من أنصارهم ، ولم يكتسب في الحالين إلا النقمة والكراهية في كثير من الأحيان
وفى شتاء عام ١٨٤٣ - ١٨٤٤ تعرف ترغنيف بممثلة الأوبرا الشهيرة ( بولين فياردو » خلال مجيئها بصحبة فرقة الأوبرا الايطالية إلى بترسبورغ. ولم تكن هذه الفنانة بارعة الجمال، إلا أنها كانت تملك صوتاً عبقرى النبرات ولها في فن الغناء قدرة معجبة. أحبها « ترغنيف » حباً نادر المثال ، وظل هذا الحب العاطفة الوحيدة التي ملأت قلبه حتى يوم وفاته ؛ ورغم أنها كانت متزوجة ولا مطمع الترغيف في أن ينتزعها من زوجها ومن وسطها وحياتها الفنية المضطربة ، فانه ظل متغول القلب بها وحدها طيلة حياته كلها. وقد عاش في كنفها كحبيب وصديق ، وبق أتبع لها من ظلها في تنقلاتها العديدة في أنحاء أوربا ، وعهد إليها بابنته لتربيها وتثقفها ، واكتفى بالحرمان، وعرف كيف يرتفع بحبه إلى أعلى ذرى التضحية ؛ وكان كلما تركها عائداً إلى موطنه ، لا يلبث أن يسوى مشاكله ويملأ عينيه من مفاتن بلاده، ويتصل بروحها اتصالا يحفزه إلى الخلق والابداع، حتى يسارع بالعودة إلى ظل الحبيبة والصديقة الوفية التي لم تستطع امرأة أخرى أن تنازعها مكانها في قلب ترغنيف خلال حياته الطويلة.
أثناء إقامته في فرنسا بين على ١٨٤٧ و ١٨٥٠ نشر ترغنيف أول أعماله القصصية ، فسرعان ما أصاب النجاح وفاز بالاعجاب واهتمام الأوساط الأدبية كلها ، وتعلمت العيون إلى هذا الفن الجديد الذي يحمله ترغنيف إلى الأدب الروسي ؛ وكان أشد ما أثار الإعجاب هو أن أشخاصه يتسمون بالطابع الروسى الأصيل، فكان الأسياد الذين يصورهم والاقطاعيون والفلاحون جميعاً روسيين» لحما ودماً ؛ إلى جانب هذا قدرة فائقة على تصوير الطبيعة الروسية تصويراً قلما استطاع كاتب آخر أن يبلغ فيه الشأو الذى بلغه ترغنيف ، كما أن قصصه هذه كانت تحمل في تضاعيفها لوناً من النقد الحق والتعريض المستتر بالنظام الاقطاعي ؛ فكان هذا سبباً من الأسباب التي أذاعت شهرته ومكنت له الحب والوفاء في نفوس قرائه جميعاً . وفى عام ١٨٥٠ ترك ترغنيف فرنسا عائداً إلى الروسيا ، ولم يكد يستقر به المقام حتى توفيت أمه ، فاقتسم هو وأخوه الثروة والضياع والأراضى ؛ وكانت قرية «سباسكوبي » من نصيب إيفان، وهى القرية التي شاهدت طفولته والتي ظلت مفاتن الطبيعة من حولها أشد ما علق بذهنه منها وقد أخذ على ترغنيف أنه لم يبادر إلى تحرير أرقائه من الفلاحين ، رغم ميوله الديمقراطية ، إلا أن ما ركز في طبعه من كراهية العمل الحاسم السريع قعد به عن أداء هذا الواجب حيال ضميره وشعوره الإنسانى ؛ وكان أكبر ما يعزيه أن هؤلاء الفلاحين كانوا يتصرفون محصول أراضيه تصرف المالك أو تصرف المنتقم الذي يشفى حقده أن يلحق الخسائر بأموال سيده ومتاعه جميعاً. وظلت حياة ترغنيف من ثم موزعة بين أسفاره وتنقلاته في أوربا وعودته الحين بعد الحين إلى موطنه. وقد مكث في فرنسا معظم أيامه ، وكان كبار أدبائها أمثال فلوبير وزولا و موبسان و جورج ساند وغيرهم أصدقاء له لا يفترقون وكانوا معجبين به أشد الإعجاب ، يقدرون نبوغه وآراءه في الفن وشؤون الفكر تقديراً بعيد المدى . وقد اتصل
بمعاصره " تولستوى" إلا أنه لم يقدر لهما أن يصبحا صديقين لاختلافهما في الطبع والمبادئ وتباين نظرهما إلى الحياة. ويروى أنهما كانا يشتبكان بمبارزة على أثر خصام وقع بينهما ، غير أن كلا منهما كان يعجب بالآخر ويقدر عبقريته ؛ ولم يعودا إلى الوئام والمصافاة إلا في أخريات أيام ترغنيف. وظل ترغنيف طوال حياته دائباً على الخلق والإبداع حتى وافاه أجله في اليوم الثالث من سبتمبر عام ۱۸۸۳ بعد أن شاهد تحرير الرق في بلاده - وكان ذلك عام ١٨٦١ - وبعد أن خلف الروسيا تفوز بأسباب التمرد وعوامل الثورة والنقمة .
ولنلق الان نظرة سريعة على اعمال ترغنيف القصصية وقته . إن اشهر رواياته هي : " دمتري رودين ، اباء وابناء ، دخان ، وأحد أوكار النبلاء " وغيرها كثير من قصص صغيرة وأعمال اخري متفرقة .
إن ترغنيف قبل كل شيء فنان يرقب ويلاحظ ويصور ، ولا يمكن أن يكون صاحب رسالة إصلاحية معينة وظروف حياته كلها تبرر هذا. فنحن نخطى إذا أردنا أن ننظر إليه من غير زاوية الفن ؛ وإلى هذا السبب وحده يرجع فتور ترغنيف حيال ما كان يتفاعل به مجتمعه من مختلف عوامل التحفز والتطلع إلى القضاء على أسباب الذل والامتهان ومظالم الحكم المطلق وهو في حياته وفى أعماله القصصية لم يستطع أن يرضى الناقمين المتمردين من الشباب ودعاة الإصلاح، لا لتناقض أو اختلاف بينه وبينهم ، إنما لأن ميوله كقصاص وفنان كانت تضطره أن يقف بعيداً عن الصراع فيكتفي بالمشاهدة والمراقبة والتصوير ؛ فشخوصه في قصصه إما أنهم يمثلون حقيقة الفرد الروسي سواء كان سيداً اقطاعياً أو فلاحاً . العبيد ، أو أنهم في أحيان أخرى يصورون جيلين متناقضين في الطباع والميول والرغبات جميعاً ، فلم يكن ينحاز لفريق دون آخر ولا يتشيع لناحية دون أخرى كلهم عنده
سواء ، يؤدون مهمتهم على أحسن ما يكون الأداء على مسرح هذا الوجود. وقد لقي بسبب هذا كله كثيراً من العنت والإرهاق، فلم يحفل شيئاً وظل يتابع سيره إلى النهاية . ومهما يكن من آراء بعض النقاد ، فإن إيفان وترغنيف كان ولا ريب أقدر من استطاع أن ينقل إلينا ألواناً حية رائعة من مهد من عهود الحياة في الروسيا بكل متناقضاته الاجتماعية والنفسية والخلقية جميعاً. كما أنه كان من خير وأحذق المصورين للطبيعة الروسية بكل مفاتنها ومختلف صور الجمال فيها. وأخص ما يمتاز به فن ترغنيف هو أنه وافى» إلا أنه يتفرد إلى جانب واقعيته بضرب شعرى فان . وقد استطاع ترغنيف أن يمزج بين العنصرين بقوة وحذق ونجح إلى حد بعيد في إضفاء حلة رائعة من عناصر الحلم والشعر على حقائق الحياة الواقعية . ولم يكن لترغنيف فلسفة خاصة في الحياة : إلا أنه لم يكن ناقماً عليها ولم يقف منها موقف الإنكار ؛ بل كان يرتضيها ويحبها بكل ألوان خيرها وشرها ، أسعد ما يكون بتصوير مظاهرها جميعاً وحتى فى ساعات غضبه و نقمته ، وفى اللحظات التي كانت تاق في روعه أن الحياة حقيرة تافهة، وأن الوجود عبث وباطل ، وأن الشر أقوى فى الدنيا من الخير والقبح أغلب فيها من الجمال ... في هذه اللحظات كان ترغنيف دائماً ذلك الفنان الذى لا هم له إلا تسجيل هذه الصور وهذه المظاهر جميعاً فى حب وإقبال الفنان العريق الذى لا يدين لشيء ما خلا فنه وقوى الخلق والابداع الكامنة فيه
إن عالم ترغنيف يزخر بالنفوس الحائرة والضمائر القلقة والشخصيات المستسلة لأحكام القضاء والقدر القائمة بما هى فيه من خير أو شر ولكنه يحبها جميعاً ولا يرى في تناقضها وتباينها إلا معنى من معانى هذه الحياة القائمة على التناقض الذي هو في الواقع من الاتساق فيها ومصدر الخلق والإبداع جميعاً . (يافا - فلسطين)

