" خرجت الامبراطورية العثمانية من الحرب العظمي أمة مهزومة ، منهوكة القوي ، محطمة الموارد ، مقطعة الأوصال ! فقدت ولايتها غير التركية واحتلت جيوش الدول المتحالفة عاصمة بلادها وزحفت الجيوش اليونانية إلى الأناضول ليتم القضاء على ما بقى من كيانها . ففي تلك الساعة الرهيبة الحرجة قام كمال أتاتورك بحركته الجريئة التى أتخذت الموقف وغيرت مجري التاريخ ونفخ في قومه بروحا استثار الكامن من عزائمهم وهممهم وعظم روح المقاومة تنظيما بارعا فطرد الجبوش التفسيرة على بلاده وطهر أرض الوطن من القوي الأجنبية وكفل لبلاده استقلالا تاما اعترفت ( الدول وجعل من هذه الأمة المهزومة أمة عزيزة يخفى بأسيا ويخطب ودها . ولم تقف جهوده وجهود أنصاره من بعده عند ذلك بل كان نجاحهم في وقت السلم أبهر وأروع ، فقد خلق من تركيا القليرة المفككة أمة موحدة الهدف منظمة النهضة حسنة الإنتاج تكاد تستغنى بمواردها الخاصة عمن سواها . وتقضي علي ما بقي من ظل للنفوذ الأجنبي في شئون الاقتصاد وخطا خطوات واسعة في إصلاح الأحوال الصحية وقصر التعليم وترقبته . وسير هو ومن من خلفه دفة سياستها الخارجية بحكمة ومهارة فارتفع شأنها الدولى وأمنت العدوان من كل الجوانب " .
لا يعرف الجمهور المصري عن تركيا الحديثة إلا القليل . وقد يكون هذا القليل الذي عرفه مما صرفه عن تتبع أحوالها وتعرف ما صارت إليه أمورها في السنوات العشرين
الأخيرة ، وهي الفترة التي مضت منذ تم لها الفوز في حرب الاستقلال الذي طردت به المغير على بلادها وطهرت أرض الوطن من الجيوش الأجنبية التى كانت تحتل عاصمتها .
جل ما نعلمه أن كمال أناتورك طرد الخليفة ومحا الخلافة وأنه قضى على رجال الدين ونفوذهم وأنه حل الأوقاف المرصودة علي النكايا وبعض المؤسسات الدينية وضمها لأملاك الدولة . وأليس الشعب القبعات الأوربية وجعل اللغة التركية نكتب بالحروف اللاتينية ونص في الدستور على أن حكومته لا دينية ، وترك الأفراد أحرارا في أمور دينهم معتبرا أن الدين علاقة خاصة بين العبد وربه ، واستحدث قوانين جديدة تجري عليها الأحكام بين الناس مستقاة من التشريع الأجنبي . وبدت في كل نصرفاته نزعة قوية بارزة نحو صبغ بلاده بالصبغة الغربية وقطع كل خيط يربطها بالحياة الشرقية .
وهذا الذي عرفناه عنه ، كان تغييرا تنفر منه طبائعنا ولا يتفق مع نظرتنا للحياة ، فكان من أثره أن ياعد بيننا وبين الاهتمام بشئون تلك البلاد . ولم يحن الوقت بعد للحكم الهاديء على هذا التغيير وبواعثه وتبين مدى أثره في عقائد الشعب وعقليته . على أنه إذا كان هذا الجانب من جوانب الانقلاب التركي الحديث مما لا يرضينا فقد يكون ثمة جوانب أخرى منه تظفر بأعجابنا وقد تكشف لنا عن حقيقة تلك النهضة والأسس التي تقوم عليها ، وتميط اللئام عن روح القائمين بها . وأعني بتلك الجوانب النواحي الاقتصادية والثقافية وهي معايير أول على النهضة من التغييرات الاجتماعية الشكلية التي قد لا تمدو أن تكون رد فعل متطرف لرجعية متأصلة وجمود مزمن بغيض .
فإذا أحدثت الجمهورية التركية الحديثة في هاتين الناحيتين ، وعلى آية سياسة صارت في أمور الاقتصاد والصحة والتعليم ؟
ورثت الجمهورية التركية عن الإمبراطورية العثمانية الذاهبة بلاد الأناضول ، ورقعة صغيرة بقيت من
امبراطوريتها الأوربية ، فقنعت بهذا الحيز المحدود ، وقصرت طرفها عن التطلع للامتداد فيما وراءه ، واتجهت بكل قواها للاكتفاء وبموارده ، ولاستغلالة لأقصي حد مستطاع .
وورثت عن الإمبراطورية العثمانية كذلك دروسا عظيمة النفع ، تعلمتها بما بذلت خلال العصور من منهج وأرواح وأموال ، وأثمن تلك الدروس وأغلاها قيمة ان أخطر عوامل الانحلال في الأمة ، هو وجود النفوذ الأجنبي ، وأن مداخل هذا النفوذ هو الشئون الاقتصادية ، وأن فقر الشعب وجهله يجعلان منه فريسة سهلة للنفوذ الأجنبي ، وتربة خصبة لنشاطه الاقتصادى .
لهذا كان هدفها الذي تسعى إليه واضحا محدودا ، وغايتها التي ترمي إلي تحقيقها جلية بنية تلخص فيما يلى :
أولا - استغلال موارد البلاد أفضل استغلال حتى تكفي نفسها بنفسها ضرورات الحياة ، وحتى تكفل لأبقائها مستوي لائقا من المعيشة .
ثانيا - تشجيع الإنتاج فيما زاد عن حاجة البلاد ، والعمل على ترجيح الميزان الاقتصادي للبلاد بحيث تكون صادراتها أكثر من وارداتها .
ثالثا القضاء نهائيا على كل نفوذ أجنبي مباشر أو غير مباشر ، بحيث لا تبقى أية مؤسسة اقتصادية أجنبية بالبلاد .
رابعا - اتخاذ كل الوسائل لتعليم الشعب ، وتبصيره بشئون بلاده . وبالضرورة لابد من العناية بالصحة باعتبار ذلك أساسا لكل إنتاج مثمر ، وعاملا هاما لتقوية الشعب واكثار النسل وطمأنينة العيش .
فكيف اتجهت في تحقيق هذه الأغراض ، وما مبلغ ما كتب لها من النجاح .
هل استطاعت أن تكفي نفسها بنفسها . يبدو أن طبيعة البلاد تجعل في الإمكان تنويع الإنتاج
فيها ، فهي تتألف من أجزاء مختلفة الطبيعة متفاوتة فى المناخ والتربة ، فيها الجبال والهضاب والسهول ، وفيها الجاف والرطب ، وفيها البارد والمعتدل ، وما يقرب من الناخ الحار . فهي قابلة للزراعة ، وقابلة لأن تزرع فيها محصولات متنوعة ، وهي غنية بالمعادن ، وفيها مصادر للقوة ، فمن محصولاتها الزراعية ومعادنها وما فيها من مصادر للقوة ما بها ، جوا ملائما لانتعاش الصناعة بها ، وهي بحكم مركزها الجغرافي نقطة اتصال بين الشرق والغرب ، فمن السهل ان تقوم لها تجارة بين هؤلاء وأولئك ، إذا كان لديها ما تقدمه من المنتجات التي يحتاجون إليها ، وإذا سهلت وسائل القل والمواصلات بينها وبينهم .
لهذا كان بالإمكان أن تحقق السياسة الزراعية توفير الأقوات للبلاد ، وتوفير المحصولات اللازمة لإمداد الصناعات المحلية بموادها الأساسية ، كما كان بالاستطاعة قيام نهضة صناعية منتشرة في مختلف الأجزاء تمد البلاد بما يتطلبه الاستهلاك الحملي من جماعات .
ولتكوبن فكرة أوفي عن ذلك ، نتناول كل جانب منها بيان أكثر تفصيلا ونبدأ بكلمة عن الزراعة .
تعتبر الزراعة المورد الأساسي الذي يعيش عليه أربعة أخماس سكان البلاد . والأرض الصالحة للزراعة أرض واسعة بالقياس إلي عدد السكان ، ولكن ما يزرع منها فعلا كل عام يبلغ إذا أخذنا بالإحصاءات الرسمية نحو ١٤ في المائة من مجموع الأرض كلها ، وتبلغ الأرض المخصصة للكروم والزيتون وغيرها من اشجار الفاكهة ٥ ر ١ في المائة ، وتشغل النابات ١٢ في المائة ، وتبلغ الراعي ٦٠ في المائة ، ويبقي بعد ذلك ١٤ في المائة من الأرض بكرا لم يزرع بعد .
وأظهر الأقسام الطبيعية في تركيا هو الهضبة الوسطى التي تقع فيها أنقره وقيسارية ، وأشهر ما تنتجه هذه الهضبة
الحبوب والماشية . ونعتمد الزراعة هنا على المطر ، ولهذا تزرع الأرض سنة وتراح سنة ، حتى تمتص الأرض كفايتها من الرطوبة .
ومجال الإصلاح هنا كبير . وقد صارت الحكومة خطوات واسعة في هذا السبيل ، منها إنشاء مراكز تجريبية كفلت تحسين نوع البذور ، وأفلحت في حمل كثير من القري علي استعمال تلك البذور ، وقد نشأ عن إدخال هذا التحسين زيادة كبيرة في الإنتاج . على أن الخطوة التي ستحدث أكبر انقلاب في ذلك هي تعميم استعمال الآلات الزراعية الحديثة المصنوعة من الفولاذ ، وستنشأ محطات حكومية لهذه الآلات في مختلف الجهات يشرف موظفون على توزيع استخدامها بمختلف المزارع ، وتكون الخطوة التالية أن يترك أمر الإشراف عليها لنقابات التعاون بتلك الجهات .
كذلك تعنى الحكومة بأمر المراعي ، وهي ترجو بعد توفير الألات الزراعية ألابترك أمر المراعي لما بقيت فطريا من الحشائش ، بل أن تزرع تلك الحشائش ، ويعني بها عناية خاصة . ونجحت مراكز البحث الخاص بأمراض الماشية في القضاء نهائيا على كل خطر من هذه الجهة . وقد ازداد عدد الماشية ازديادا كبيرا ، فبلغ عدد الرؤوس من أغنام وماشية أكثر من عشرين مليون رأس ، وأصبحت تربية الماشية مصدر ثروة للبلاد قابلا للزيادة والنمو ، كما نشأ عنها صناعات لمنتجات الألبان ولللحوم المضغوطة .
ويلي الهضبة إقليم الغابات ، ويشغل ثمن مساحة البلاد ، وهو يكسو الجبال التي تكشف الهضبة الوسطى من جوانبها الشمالية والجنوبية والغربية . والغابات مصدر ثروة للبلاد ، فقد كانت من قبل تستورد كميات من الخشب للوقود ، فخفض ذلك لأدنى حد و نظمت مواردها الخشبية بعد تحسن مواصلاتها . وتصدر تركيا كمية من الأخشاب اللازمة للبناء لمصر وسوريا ، كما تصدر لأوربا بعض أنواع الخشب الفاخر الذي يستخدم للصناعات الرفيعة .
والقسم الثالث هو سهل فيلفيا الذي يحيط بأطنة ومرسين وهو مقر الزراعة الضخمة المنظمة على قواعد رأسمالية ، والمحصول الهام فيها أو المحصول الوحيد تقريبا أن شئت هو القطن ، وهو بمد مصانع الحكومة القطنية في قيسارية وأوغلى وملاطية والمصنع الخاص في أطنة بالمادة الخام اللازمة لإدارتها .
والمزارع واسعة تقرب كل من نحو ألف فدان وتستخدم فيها أحدث الآلات ، وأجريت في المصانع الحكومية تجارب علمية دقيقة لاستنباط خير البذور ملاءمة وانتهت بتعميم بذرة كليفلاند .
وشرعت الحكومة في عمل حزان على نهر سيحون وشق ترعة رئيسية طولها نحو خمسين كيلو مترا تخترق مركز الزراعة القطنية وسيكون من شأن ذلك بعد إتمام إنشاء الترع الفرعية والمساقى اللازمة توفير الماء اللازم للزراعة في مستوى الأرض المنزرعة وسيحدث هذا المشروع الذي يقدر تمامه في سنة ١٩٤٥ انقلابا عظما في هذا الإقليم .
والقسم الرابع الشقة الساحلية وهي رقعة خصبة تمتد إلي جانب الشاطئ ، وتتنوع محصولاتها أكثر من الأجزاء الآخري ؛ ففي الجنوب حيث المناخ حار يقرب من مناخ المناطق المدارية بزرع التين والأعناب والقطن والدخان وأجريت فيلقيا وإقليم هاناي تجارب عن زراعة البن كما أجريت تجارب في طرابزون على شاطئ البحر الأسود عن زراعة الشاي .
ويقول أحد الصحفيين البريطانيين في سياق حديث عن تركيا :
تستطيع تركيا تصدير كميات كبيرة من الأعناب والتفاح والكمثري والخوخ والمشمش والموالح والموز والطماطم وبها أكبر عدد من أشجار الزيتون في شرق البحر الأبيض وتستطيع مع زيادة العناية به ويعصر الزيت منه أن تكون من أكبر الدول التي تصدره أن لم تكن أكبرها جميعا .
أما شرق تركيا فقد ظل إلي أمد قريب أرض القبائل الرحل من الأكراد وغيرهم ، وقد اتخذت الحكومة الوسائل لإقرار هذه القبائل وكفالة المراعي الدائمة لها وإدخال الزراعة واقامت مصنع اللحوم في طرابرون ، ومصنعا لدقيق اللبن في قارز كما شرعت في إنشاء مصانع لتكرير السكر ويساعد تحسين طرق المواصلات على حل كثير من مشاكل هذا الإقليم .
ومع أن التقدم الزراعي كان محدودا بالقياس إلى التقدم الصناعي فإننا نستطيع أن نقرر أن الحكومة لم تغفل أية جهة في البلاد من عنايتها وانها شجعت إنتاج المحصولات على اختلاف أنواعها وأنها زادت فيما يزرع من الأرض فأصبحت نحو تسعة عشر مليونا من الأفدنة سنة ١٩٣٦ بعد أن كانت حوالى عشرة ملايين سنة ١٩٢٧ . وتضاعف ما تنتجه من الحبوب والدخان ، وزاد ما تنتجه من القطن ثلاثة أضعاف ، وكانت زيادة إنتاج السكر أكبر من ذلك كله ، وعنيت الحكومة بهيئات البحث التى كان لها أكبر الأثر في تحسين نوع الحبوب وتعميم بذور قطن كليقلاند ، ومكافحة الآفات التي تصيب الفاكهة والقضاء على الأمراض التى تصيب الماشية ونشرت الحكومة النظام التعاوني في البلاد يشرف عليه من فوقه بنك زراعي متين وتتولى الشركات التعاونية الكثيرة التى عمت أغلب القرى إمداد المزارعين بالبذور والأسمدة والسلف الضرورية لهم . وخزن
محصولاتهم وأقراضهم بعض ثمنها وتولى تصريفها لحسابهم دون تعريضهم لما قد يقع عليهم من غبن بسبب حاجتهم الملحة للمال واغتنام صغار التجار تلك الفرصة لشراء المحصولات بأثمان رخيصة .
ومع هذا كله فإن الزراعة لا تكفي لتوفير العيش اللائق للمزارع ولا يزال إنتاجها غير كاف وحده لحاجاته ، ولهذا جعلت الحكومة مراكز الصناعة منثورة في الأقاليم ليتسني للمزارعين أن يعملوا بها حين لا تحتاجهم الزراعة وبهذا يضيفون دخلا جديدا إلى دخل الزراعة وفوق ذلك سيكون من أثر اتصالهم بالحياة الصناعية زيادة استقتارئهم وحسن إدراكهم لمقتضيات الحياة الحديثة .
وتستفيد الحكومة من مدة التجنيد الإلزامي في تثقيف هؤلاء المزارعين وتعليم الأميين منهم القراءة والكتابة والثقافة الوطنية الأساسية .
كما تكمل بيوت الشعب ما نقصهم من أسباب التثقيف الضروري بعد ان يعودوا . وهذا كله لمن فات منهم سن التعلم أما البادئون ففي المدارس المختلفة ما يغنيهم عن ذلك .
على أنى أري أن احتمالات التقدم الزراعي لا تزال كثيرة ولم تبلغ الجمهورية في النهوض بالزراعة ما بلغته في الصناعة ، وستنفرد للصناعة والصحة والتعليم مقالا خاصا .

