الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 293الرجوع إلى "الثقافة"

تركيا وفنلنده

Share

أخذت تركيا تدنو من الحرب ، وفنلنده تحاول أن  تبتعد عنها . هذه تعزل رئيسها وتقيم مكانه رئيسا جديدا ، وترتكب ما يشبه ثورة دستورية ، لعلها تستطيع أن تخرج من الحرب ؛ وتلك تجمع أمرها ، وتعد عدتها لكي تقترب من الحرب ، وتصلي بنارها . . عانت فنلنده ويلات هذه الحرب الضروس ثلاثة أعوام وبضعة أشهر ، ثم رأت اليوم أن قد آن لها أن تنعم بالسلم . وقضت تركيا خمسة أعوام  تنعم بالحياد والسلم ، ثم أرادت اليوم - والحرب مشرفة  على نهايتها أن تخوض غمارها ، وأن تصلي أوارها .

وهكذا تمضي الجمهوريتان - إحداهما في أقصي الشمال  من أوربا ، والأخري في اقصي الجنوب - كل منهما تسلك سبيلا يناقض الذي تسلكه الاخري . وبين الدولتين تشابه في كيانهما ، وموقعهما الجغرافى من روسيا  السوفياتية . وبينهما ايضا تشابه ثقافى ، إذ يرجع كل منهما بثقافته إلى أصل تركي أسيوي .

واليوم تسلك الاثنان مسلكين متناقضين : الواحدة تنشد السلم وتسعى إليه  والآخرى تدنو من الحرب دنوا

شديدا . غير ان هذا التناقض ما هو إلا اختلاف شكلي  وسطحي . ولو انعمنا النظر قليلا لالفينا بين المسلكين من التشابه أكثرهما مما بينهما من الاختلاف . فان السياسة  التى أملت العملين واحدة ، وهي ضرورة الابتعاد عن المانيا  النازية ، المشرفة في نظرهما على الهزيمة ، ومحاولة الاقتراب من الأمم المتحدة . وكلاهما قد أرجأ الخطوة الحاسمة غاية الإرجاء ، وظل مصرا على مسلكه الاول إلى اطول مدة  ممكنة . حتى إذا خيل إليه ان كفة احد الفريقين قد بانت  واضحة الرجحان ، ادرك ان من اللازم له ان يتودد إلى  الفريق المنتصر ، وان يبتعد ما استطاع الابتعاد عن الفريق  الذي ظن أنه  منهزم .

لقد كان بوسع فنلنده أن تظل بمعزل عن هذه الحرب ، وأن تنعم بسلم عظيم ينطوي علي مكاسب ومغانم ضخمة وتخرج بعد الحرب سليمة الجسم وسط اقطار جريحة ، موفورة السلامة بين شعوب عانت أشد الويلات . فتستطيع ان تستأنف بعد الحرب حياتها الكاملة ، شأنها في ذلك شأن جارتها السويد ، التى امكنها ان تحافظ على

حيادها جهد طاقتها ، فلم تخرج عنه إلا بمقدار ما أرغمت  عليه ولم تملك دفعه .

وفنلنده ، لو أرادت الحياد لما استطاعت ألمانيا أن  تخرجها عنه ، لأن موقعها الجغرافى يجعلها في مأمن تام  من كل تأثير نازي ؛ فلا تستطيع ألمانيا أن تقحمها في الحرب رغم إرادتها ، كما أقحمت أقطارا أخري مثل هنجاريا ورومانيا وبلغاريا . ولكن فنلنده لم ترد الحياد ، بل دخلت الحرب إلي جانب حليفتها عن رغبة واختيار ، ولاشك أنها كانت تظن في ذلك الوقت أن النصر سيكون في جانب ألمانيا . وهكذا لم تخل الخطة التي سلكتها حكومة فنلنده من عنصر الغامرة . وربما قيل في الدفاع عن سياسة الحرب التي سلكتها حكومة فنلنده ، إنها موتورة ، ولم  يكن لها مندوحة عن إشهار الحرب على حكومة روسيا وان تنضم إلي ألمانيا النازية ، لأن روسيا السوفياتية قد سبق لها في العام الأول من الحرب أن شهرت الحرب على فنلنده ، من أجل الحصول على امتيازات إقليمية لم ترد  فنلنده أن تمنحها إياها . وهذا من غير شك صحيح . ولقد  كان من الخطأ أن تحصل روسيا على تلك الامتيازات بالعنف ؛ لأن خطة العنف هي الأمر الذي ترجو زواله من الميدان الدولي كله . ولكن لابد أيضا من التسليم بأن تلك الحرب قد انتهت في أوائل عام ١٩٤٠ ؛ وأن روسيا - برغم انتصارها - لم ترهق فنلنده بصلح شديد القسوة . بل من الإنصاف أن نقول إن شروط الصلح كانت تمتاز  بالاعتدال ؛ ولولا ذلك لما أمكن لفنلنده أن تحشد جيشها  مرة أخري لمحاربة روسيا . ولا نريد أن نفسح للتكهن  المجال ، وأن نتساءل ماذا تكون شروط الصلح تلك ، لو أن الحرب كانت بين فنلنده وبين دولة مثل ألمانيا  النازية   ولكن من الحق أن نقرر أن روسيا كانت معتدلة في مطالبها ، فلم تزد كثيرا في شروط الصلح على ما كانت تطلبه من فنلنده بدون حرب . وبقي لفنلنده جيشها  وحكومتها واستقلالها التام ، فانتفعت بهذا كله في شن حرب جديدة للانتقام من جهة ، ولاسترداد قطعة الأرض

التى فقدتها من جهة اخرى .

ولئن كان هنالك وجوه يلتمس بها العذر لفنلنده بأن  اقحمت نفسها - وهي دولة صنيرة - في حروب الدول  الكبيرة ، فإن خطة الحزم كانت تقضي عليها - أيا كانت ميولها ورغباتها - ان تتريث قليلا ، وان تقف فترة من الزمن موقف المتفرج ، لتري اي فريق يرجي له النصر ، إذن لرأت المقاومة العنيفة التى أبداها الروس في سمولنسك ، ولرات أن الغلبة لن تكون لألمانيا بتلك السهولة التي توهمتها الحكومة الفنلندية .

والظاهر أن هنالك حزبا قويا في فنلنده يميل إلي مؤازرة  ألمانيا والسير معها إلي النهاية . ولذلك ترددت حكومتها طويلا في الشتاء الماضي ولم تقبل الخروج من الحرب ؛ مع أن الشروط التي عرضتها روسيا في ذلك الوقت لم تكن شديدة الإرهاق ، وكان في وسع فنلنده أن تقبلها دون أن تمسها خسارة جسيمة ، لأن أقسى تلك الشروط كان مما يزول بزوال الحرب . ولكن المانيا وعدت فنلنده بمساعدة حربية عظيمة ، فأخفقت مساعي الصلح ، وعاد  القتال بين روسيا وفنلنده إلى الاشتعال ، وتقدمت الجيوش الروسية وتوغلت مسافة بعيدة في الأراضي الفنلندية .

ثم رأت حكومة فنلنده وبرلمانها ، بعد لأي ، ان  رجحان كفة ألمانيا بات أمرا بعيد الاحتمال ، وأن جيوشها تتراجع - بل وتنهزم - في جميع الميادين في شرق اوربا  وغربها وجنوبها ؛ فلم تجد مندوحة ان تخلع رئيسها ،  وان تضع مكانها رئيسا جديدا معروفا بميله إلي الخروج  من الحرب . وليس من المنتظر ان تتمتع الحكومة  السوفياتية أو ان تفرض شروطا اقسى واشد مما فرضته  من قبل ، لان الراجح ان روسيا قليلة الرغبة في التوسع  في هذه الاقطار الشمالية ، وان مصالحها الإقليمية متجهة وجهة اخرى .

أما تركيا فانها أيضا قد خطت الخطوة الحاسمة للابتعاد  عن ألمانيا النازية ، فقد قررت حكومتها - ووافق البرلمان بالإجماع - أن تقطع صلاتها السياسية والاقتصادية

مع المانيا ابتداء من منتصف الليل في اليوم الثاني من شهر  أغسطس الجاري . وليس مما يثير الدهشة أن تبادر تركيا اليوم بإتخاذ هذه الخطة الصريحة ؛ وإنما المدهش أنها استطاعت ان ترجئها كل هذا الزمن الطويل ، وان تسوف  في اتخاذها كل هذا التسويف

فلقد سبق لتركيا - حتى قبل نشوب هذه الحرب أن أبدت ميلها الصريح إلي المعسكر الديمقراطي ، في صورة لا تحتمل أدنى شك . ولم يكن سبب ذلك الميل بنفسها  لألمانيا ، بل لأنها توجس شرا من حليفة المانيا في المحور : ) إيطاليا الفاشية ، التي لم تدخر وسعا في ان تصدر من التصريحات والإشارات ما يبعث الشك في نفس الدولة التركية .

لهذا كان من المنتظر ، عندما انقسمت أوربا إلي  معسكرين متعاديين ، أن تري تركيا ان مصلحتها في مصادقة  المعسكر الديمقراطي ، والابتعاد عن المعسكر المحوري أو مداراته جهد الطاقة . ومن أجل استمالة تركيا إلي جانب الحلفاء حلت مشكلة سنجق الإسكندرونة الحل الذي أرضي تركيا كل الرضا ، بأن منحت السنجق بأكمله ، وبعناصره . العربية والتركية على السواء ، واقتطعت قطعة من بلاد سوريا العربية الصميمة وضمت إلي الوطن التركى، فكان ذلك عربونا عظيما للصداقة بين تركيا من جهة ، والمعسكر الديمقراطي من جهة أخري . ثم عقدت قبل الحرب محالفة المساعدة المتبادلة بين بريطانيا وفرنسا وتركيا . ولم يعقد بين الجمهورية التركية والمانيا حلف أو معاهدة . . ولذلك كان من الجلي الواضح عندما بدأت الحرب الحاضرة في سبتمبر سنة ١٩٣٩ أن الجمهورية التركية تحوم حول الحمي الديمقراطي ، وتوشك أن تقع فيه . واستولت تركيا بفضل  هذه المحالفة على مساعدات جليلة مالية ومادية ، استعدادا  اليوم قد تضطر فيه لان تمتشق الحسام وتخوض حومة الوغي .

ولكن موقف تركيا بعد ذلك قد أخذ يدخل في  أطوار شتى . وتوخيا للوضوح نذكر أنها قد مرت بها  على الأقل خمسة اطوار انتهت بالأمس بقطع الصلات مع

المحور ؛ وقد لا يمضى  وقت طويل حتى تشترك في الحرب . أما الطور الأول فهو موقف الحياد المسلح مع الميل إلي الدول الديمقراطية . وقد ظلت هذه الحالة هي الغالبة علي السياسة التركية إلي صيف عام ١٩٤٠ .

ثم بدأ بعد ذلك الطور الثاني . فلقد خرجت فرنسا من  الحرب ، وضعفت بخروجها المحالفة الثلاثية . ومالت حكومة فيشي إلي سياسة " التعاون " مع ألمانيا وانقطعت العلاقات بين بريطانيا وبين فرنسا والأراضي الخاضعة لفرنسا ، ومنها سوريا . وظهرت قوة ألمانيا الهائلة ولاشك أن تركيا لم تكن تقدر أن تلك القوة قد بلغت هذه الضخامة - لذلك لم يكن بد من أن تقف تركيا في طورها الجديد موقف الحياد الدقيق ، المشرب بشيء من التودد إلي ألمانيا . وقد اشتدت هذه الحالة وضوحا في ربيع عام ١٩٤١ عندما أغارت ألمانيا على بلاد البلقان ، واحتلت يوجوسلافيا واليونان وألبانيا ، وبسطت نفوذها أيضا على رومانيا وبلغاريا ، وأصبحت الجيوش الألمانية واقفة على الحدود التركية ، ومرابطة في بحر اليونان ، ومنها جزر كثيرة مثل مد لي وخيوس وكوس ، ملاصقة تماما لسواحل الأناضول . وفي مثل هذه الحال لم يكن بد من أن تبدي تركيا بعض الود نحو ألمانيا ، وان  تعقد معها معاهدة صداقة وتجارة وعدم اعتداء ، وذلك في في شهر يونيو سنة ١٩٤١ . وقد أعلنت حكومة تركيا في ذلك الوقت بصوت خافت ، أنه ليس في تلك المعاهدة ما يناقض المحالفة القائمة بينها وبين بريطانيا . فصدقناها  والتمسنا لها العذر . ولكن لا شك في أن البندول التركي في هذه الفترة كان يميل إلي الجانب المحوري .

بعد ذلك بقليل اشتبكت المانيا في حرب شعواء مع روسيا ، وهذا من غير شك قد شغلها وملأ  ايديها بأعمال جسام لا تستطيع معها أن تفكر في الاعتداء علي تركيا . فتنفست هذه الصعداء ، وساعدها علي التنفس الحر ان الجيوش البريطانية والفرنسية غزت سوريا وفتحتها ،  ووصلت قواتها مرة اخري إلي حدود تركيا ، ووجد  الاتصال الأرضى المباشر بين معسكر الحلفاء وبين الجمهورية

التركية فأصبحت تركيا في مركز وسط بين المعسكرين . ولعل هذا الطور الثالث هو الذي وقفت فيه موقف الحياد الدقيق . وقد أدركت حكومتها انها لو استطاعت أن تظل  بمعزل عن الحرب إلي نهايتها لادت إلي الشعب التركى أجل  الفوائد واعظمها . وقد دامت هذه الحالة إلي شتاء سنة ١٩٤٢-١٩٤٣ ، أي إلي الوقت الذي اخذت فيه الجيوش  الروسية تتقدم بسرعة هائلة ، وجيوش الحلفاء تتقدم تقدمها الباهر  في إفريقيا الشمالية . واخذ يظهر لذوي  النظر الثاقب بدء رجحان كفة الحلفاء . ولم يكن بد من ان تحس تركيا هذا التحول ، لان انتصار روسيا في المانيا ، أي أكبر قوة حربية عرفها العالم ، سيجعل من الممكن أن تطالب روسيا بوضع مشكلة المضايق  على بساط البحث  ولا بد لتركيا أن تحسب لهذا الأمر حسابه

لهذا رأينا تركيا في شهر فبراير سنة ١٩٤٣ تتخذ  موقفا جديدا ، فيه ميل صريح إلى الأمم المتحدة ، وهذا  الموقف قد مهد له باجتماع مسرحي عظيم الخطر بين قادة  بريطانيا من جهة ، وقادة الشعب التركي من جهة اخري . ذلك هو اجتماع اطنه الشهير ، الذي تم فيه توقيع محالفة جديدة تنص على توكيد روابط الصداقة بين تركيا وبريطانيا وعلى العمل لمساعدة تركيا في المحافظة على " سلامتها الدفاعية ، وطلب المستر تشرشل من الناس الا يحاولوا  تعجل الحوادث ، والتكهن بما قد تنطوي عليه تلك المحالفة  من الأحتمالات الخطيرة ؛ وان تنتظر حتي يكشف لنا  المستقبل عنها .

ولقد كشف المستقبل عن جانب كبير من أمر تلك  المحالفة . ونحن نعلم الآن أنها كانت تنص على أن يقوم  الحلفاء بإمداد تركيا بالأسلحة والذخائر والمؤونة اللازمة لسلامتها ؛ وانها بعد ذلك ستقدم للأمم المتحدة مساعدات  قيمة تمكن جيوشها من مهاجمة البلقان ، وتمكن الطائرات البريطانية من الإغارة على المواقع الإنسانية . والظاهر أن  تركيا قد فهمت من هذه المساعدات أكثر مما رمي إليه قادة الأمم المتحدة ، فكانت ترجو أن تزود بالدبابات الحديثة

والطائرات ، إلي جانب المدافع والبنادق والذخائر والمركبات .  ولكن المران الطويل على تلك الآلات الحديثة كان حتما  سيؤخر الهجوم على مراكز الألمان البلقانية . ولذلك اختلفت وجهة النظر التركية عما رأته الأمم المتحدة ، وعدلت القيادة العليا للحلفاء عن فتح ميدان جديد في  البلقان . ولكن تركيا برغم هذا - لم تقصر في توكيد صداقتها للدول المتحدة ، وأجابت رغباتهم في منع الكروم وبعض السلع الأخرى عن ألمانيا . ولكن كان من الواضح  أن هذا كان في نظر الأمم المتحدة بمثابة " أضعف الإيمان ؟ ورأت تركيا من جانبها أن انتصارات الحلفاء توشك أن تكون حاسمة في تقرير الحرب ، وأن التسويات التي تجري بعد الحرب ستتناول المحاربين والمحايدين علي السواء ؛ وان  مشكلة المضايق ستثار بصفة قاطعة . وأنها لا يصح أن  تدركها هذه الحال وموقفها من الفريقين    موقف المحايد  الذي تقاضي أجرا عظيما لقاء حياده دون أن يعمل شيئا وهكذا نري موقف تركيا يتخذ هذا الطور الخامس ، وهو من غير شك موقف بعيد كل البعد عن الحياد ، بل  هو موقف الانضمام الصريح إلي المعسكر الديمقراطي . وليس بمستبعد أن تتعرض تركيا في موقفها الجديد إلي نوع من الاعتداء من ألمانيا ، لأن تجاور المواقع التي ترابط فيها  الجيوش التركية والنازية يفسح المجال للحوادث وللاحتكاك بين الفريقين . واستعدادا لمثل هذه الحالة لا بد أن ستسمح للقوات الجوية البريطانية والإمريكية أن تساهم في الدفاع  عن الأرض التركية ، وأن يفسح لها منذ الآن مكان في  المطارات التركية في الأناضول ، وفي تركية أوروبا .

ولقد تتعرض تركيا في موقفها الجديد إلي شئ كثير  من الأذي ، وقد تضطر لأن تخوض غمار الحرب . ولكن  قادتها الذين اكتسبوا شهرة واسعة في الحكمة والتدبر في العواقب ، يقدرون ان الحرب توشك ان تنتهي بانتصار  حاسم للحلفاء وان ما يفقدونه اليوم سيعوضونه غدا بفضل اشترا كهم في مفاوضات الصلح ، كأحد أعضاء الفريق المنتصر

اشترك في نشرتنا البريدية