بحث الرجل منذ القدم عن معرفة الكون فكانُ يقسم النجوم التى يراها فى السماء إلى مجموعات تشبه على وجه التقريب بعض الحيوان أو الأشياء. وقد وُجدت فى السويد أشكال من هذه المجموعات الشبيهة بشكل الحيوان، منقوشة على الحجر منذ العصر البرنزى. واليوم يُقسم الفلكيون فى مؤتمراتهم السماء إلى ٨٩ مجموعة Constellation تجد أسماءها فى الدليل الفلكى. وقد كان (باير) Bayer فى سنة ١٦٠٣ أول من أطلق الحروف الإغريقية الأولى على أسماء النجوم، لكى يُفرَّق بين نجوم المجموعات الكوكبية المختلفة. ولم يلبث أن تقدم علم الفلك تقدماً جعل هذه الحروف الإغريقية لا تكفى هذه المسميات لكثرتها؛ فلجأ العلماء إلى الأرقام، وأصبحت النجوم تحمل الرقم الوارد من الدليل الفلكى. وتقدم المنظار الفلكى كما تقدمت الطريقة الفوتوغرافية، فأصبح الدليل يحوى مليوناً من النجوم، وتقترب معارفنا الآن من عشرات الملايين.
جُل بنظرك فى الشكل الأول ترَ جزءاً من المجرة فى برج الثور (1) يدلك على بقعة صغيرة من عالمنا الذى يحوى مئات ألوف الملايين من النجوم والأجرام. ثم تأمل الشكل الثانى وهو السديم الشبكى فى الدجاجة(2) تر واحداً من ملايين ملايين العوالم الأخرى
المكونة للكون - ثم تصور جسما صغيراً فى الكون مثل إحدى أشواك التين؛ وتصور أصغر ما يعرفه العلماء من الجسيمات المكونة لهذه الشوكة، وهو الإلكترون الذى تحوى الشوكة الصغيرة ملايين منه. إن عدد ألكترونات الكون يتعدى كل خيال، ومع ذلك فقد تمكن العلماء من الوصول إلى علاقات معقولة بين الكون فى مجموعه وبين الإلكترون المتناهى فى الصغر. وسأحاول فى هذه الأسطر أن أحيط القارئ علماً بالطرق التى يتبعها العلماء فى هذا السبيل
ذكرنا أن العلم التجريبى قد أثبت ابتعاد جميع العوالم عنا، وابتعاد كل واحد منها عن الآخر بسرعة تزيد على ٥٠٠ كيلو متر فى الثانية لكل ٢٦ , ٣ مليون سنة ضوئية، وذكرنا أن النظريات الأولى للعالم دى ستير كانت تتنبأ بتمدد الكون، وأن النظريات عامة وإن عرفت تمدد الكون لم تعين فى المبدأ الدرجة التى يتمدد بها. وأضيف اليوم أن العلم النظرى الحديث لا يحتم الفكرة القائلة بابتعاد جميع العوالم بعضها عن بعض فحسب، بل يُعين السرعة التى تبتعد بها هذه العوالم كما يُعينها العلم التجريبى.
على أن النسبية وحدها لا تزودنا بهذه المعلومات الجديدة، ولكن للعلم منابع أخرى وجدت طريقها بعد النسبية لأينشتاين؛ وأهم هذه المنابع اليوم الميكانيكا الموجبة التي أسسها العالم الشاب دي بروى De Broglie الحائز على جائزة نوبل، أستاذ السربون وعضو المجمع العلمى الفرنسى؛ وباتباع الطريق العلمى الجديد نجد - مع إهمال القوة الجاذبية بين العوالم إذ هناك ما يبرر إهمالها علمياً - إزاء قوة التنافر للكون، أن سرعة ابتعاد العوالم بعضها عن بعض تقع بين ٥٠٠ و١٠٠٠ كيلو متر فى الثانية لكل ٢٦ , ٣ مليون سنة ضوئية
ومما يلفت النظر أنه للوصول إلى هذه النتيجة الحسابية التى تتفق مع النتائج العملية لم يلجأ الباحثون إلى أى عمل تجريبى أو إلى الأرصاد الفلكية
ويجدر بالذكر أن كل ما يتعلق بحساب الكون أو بحساب الإلكترون يرتبط إلى حد كبير بتعيين سرعة ابتعاد العوالم بعضها عن بعض. على أن هذا النجاح الأخير الذى يظهر فى الاتفاق بين العلم النظرى والعلم التجريبى لم يقف عند هذا الحد، بل استبنَّا من العلوم النظرية علاقة بين البروتون والإلكترون على وجه خاص بين كتلتيهما. ولكى يفهم القارئ شيئاً عن البروتون نذكر أنه بين مكونات المادة. فذرة غاز الهيدروجين مثلاً مكونة من مركز رئيسى هو بروتون واحد يدور حوله إلكترون واحد كما يدور القمر حول الأرض. ومن ثم أضحى العلماء بفضل تقدم الميكانيكا الموجبة بصدد نظريات تعين أمرين فى آن واحد:
الأمر الأول: سرعة تمدد الكون ومنها القوة التنافرية، كذلك الثابت الكونى.
الأمر الثاني: النسبة بين كتلة البروتون والإلكترون إلى هنا لازال يبعد عن ذهن القارئ العلاقة بين الكون والإلكترون، كما يبعد عن ذهنه أيضا علاقة يرى فيها وزن الكون.
ولكى أعطى القارئ فكرة سريعة عن هذا أدله على وجود علاقتين توصل لهما العالم الكبير أينشتاين فى سنة ١٩١٦. يرى فى إحدى هاتين العلاقتين كتلة الكون.
(الأولى) علاقة تربط نصف قطر الحيز عند مبدأ تكوين الكون بالثابت الكونى(1) (الثانية) علاقة تربط ثابت الجاذبية(Constants de (Gravitationوكتلة الكون وسرعة الضوء مع نصف قطر الحيز السابق الذكر.
كنت أود أن أطلع القارئ على شيء من هذه العلاقات، ولكن تدخل معظمها فى الواقع حسابات لم يتعودها ومعادلات من الصعب تبسيط مدلولها. فمثلاً بينما حجم كرة نصف قطرها نق يعادل 4/3ط نق٣ (ط النسبة التقريبية) فإن حجم حيز كروى له نفس نصف القطر هو ٢ط٢ نق٣ أى 4.71حجم كرة عادية.
والحيز الكروى ليس كرة معتادة بل غلافا لكرة زائدة Hypersphereذات أربعة أبعاد، وفى كل هذه الأبحاث يفرقون
بين قطر الحيز الفارغ الذى هو متوسط أنصاف أقطار مختلفة وفق التوزيع المادى للكون من نصف قطر الكون قبل التمدد، وفى هذه الأبحاث نرى أن تقوس المناطق الفارغة فى الكون أقل من المناطق الآهلة بالمادة. كل هذه الاعتبارات التى تربط نصف قطر التقوس الكروي لقطاع ما ذى ثلاثة أبعاد مجال Continuum ذى أربعة أبعاد للحيز والزمن الخيالى، صعب على القارئ الدخول
فى تفاصيلها، ولكن يهمنى أن يعلم أن العلماء توصلوا إلى علاقات تجد فيها نصف قطر الكون المتقدم وسرعة ابتعاد العوالم وسرعة الضوء أو علاقات بين نصف قطر الكون وعدد الإلكترونات وشحنة الإلكترون وسرعة الضوء. . . الخ. ولكنى لا أترك هذا الجزء دون أن أذكر أن معادلة من أهم المعادلات الأساسية فى هذه الأبحاث تلك المعادلة الموجبة الخاصة بذرة الهيدروجين 'Equation ' ondulatiore d'un atome d'hydrogeneأي لمجموعة مكونة من بروتون واحد، وألكترون واحد مرتبط به كما قدمنا، هذه المعادلة تعين حجم الذرة Dimension وتوزيع شحنتها الكهربائية، ولا أذكر هنا كيف أدخل العلماء وحدة الطول الجديدة التى هى
نصف قطر الكون فى معظم هذه العلاقات، ولكن أرجو أن يستقر فى ذهن القارئ أن كل هذه الموضوعات تكَوَّن فى وقتنا الحاضر وحدة فى العلوم، تستمد قوتها من الناحيتين العملية والنظرية معاً، وأنه بالاستقراء طوراً، والبحث التجريبى تارة، توصلوا لكثير من العلاقات التى تربط الكون بأصغر ما فيه والتى سبق ان أعطينا النتائج الخاصة بها فى جدول سابق.
كل ما أود أن يعلق بذهن القارئ أن يعرف أن الاستنتاج العلمى لا يقف عند المحسوسات. وسبق أن قدمت أننا لسنا بحاجة لنرى الليل والنهار لنعرف دورة الأرض، كذلك لسنا بحاجة لنحصى أجرام السماء لنعرف وزن الكون، وعدد ما يحويه من الكترونات، وضربت للقارئ مثلاً بعمل فوكوه عندما استدل على دورة الأرض من بندوله الذى علقه من قبة البانتيون.
وأعود فأقول: لو أن المريخ، وهو الذى يحجب الضوء عنه سحب كثيفة، كان مسكوناً بكائنات تفكر مثلنا نسميها المريخيين لما استحال عليهم أن يعرفوا أن سيارهم أيضاً يدور حول نفسه، كما تدور الأرض حول نفسها، ولاستطاعوا أن يؤكدوا ذلك برغم ما يحيط به من سحب كثيفة تحجب عن أهله ضوء الشمس، وهى سحب لم نعهد مثلها حول الأرض، بل لما استحال عليهم أن يحددوا فترة الليل والنهار الخاصة بهم، فما عليهم إذا كانوا ينعمون بدرجة ذكائنا، وكانت لهم طريقتنا فى استقراء الأشياء، إلا أن يعقلوا كرة من خيط طويل يدعونها تهتز، فإنهم سيدركون أن الكرة لا تهتز فحسب، بل إن المستوى الذى تهتز فيه يدور حول نفسه، وبحساب بسيط يمكن للمريخيين إذن أن يحددوا فترتى الليل والنهار.
عسى أن يكون قد علق بذهن القارئ بعد هذا الجهد الذى واصلناه مدى أربع مقالات عن (الكون يكبر) ثلاثة أمور: الأول أننا أبناء كون محدود مكون من عوالم كلها على حيز وغلاف كروى.
الثانى: أن هذا الغلاف الكروى يتسع ويتمدد على نحو كرة من المطاط، وان ثمة قوة تدعو لهذا التمدد الذى يجعل كل العوالم يبتعد بعضها عن بعض، وأننا الآن فى هذه المرحلة من الابتعاد والتمدد التى بدأت منذ بلايين من السنين.
الثالث أن ثمة علاقات ثابتة بين الكون فى مجموعه وأصغر ما فيه وهو الالكترون
وأضيف إلى هذه الأمور الثلاثة انه ليس لنا أن نحاول نعرف شىء خارج عن هذا الكون المحدود.
هذا هو الكون وفق احدث الآراء. وقد يتساءل فريق من القراء عما وراء الكون المحدود. وقد يجيز هذا الفريق لنفسه أن يتصور عوالم خارجة عن نطاقه، ولعل السبب فى ذلك هو مطالبتنا له بالاعتراف أن الكون محدود
وليس لدينا اليوم جواب على هذا سوى أن نكرر أن الكون الذى نرى ونسمع ونتحرك فيه ونعرف منه قوانيننا الطبيعية الحالية هو كون محدود ليس لنا أن نتساءل عن غيرة مادامت الظواهر الطبيعية التى نعرفها تنتشر فى مثل هذا الكون وكل شئ يدل على أنها لا تتعداه. ولكن ماذا بعد الكون؟ سؤال يتردد على الذهن!
إن نمله نّفْتّرُضها متأملة خرجت لأول مرة من كومة صغيرة من الرمل وجدت نفسها بطريقة المصادفة إزاء ثقب فى سجاد مفروش فى سرادق فسيح مقام فى جهة قضى نحبه فيها رجل له بين أهله مكانة، فمد الأهل الأبسطة والمقاعد، وأضاءوا الأنوار وازدحم المكان بالمعزين
تجولت النملة المتأملة الحديثة العهد بالحياة على هذه الأبسطة المتسعة تائهة لا تهتدي إلى المكمن الذي خرجت منه، ترى أنواراً تعلوها، وأبسطة ممتدة أمامها، وأناس يرحون ويغدون، وتسمع فقيهاً يُرَتَّلُ الآيات بصوت رخيم، وترى نادلا يقدم قهوة للقادمين، وكلما مر الوقت انطبعت هذه الصور فى ذهن النملة الحائرة
لنفرض بعد ذلك أنه لسوء حظ النملة التعسة انطفأت الحياة فيها بأن داستها أقدام المعزَّين، فإنه يغلب على الظن أن الدنيا عندها هى فضاء تضيئه أنوار، ويحيط به سرادق، وتغطى أرضه أبسطة، وفقيه يرتل الآيات، ونادل يتحرك جيئة وذهاباً
إن وجود القاطرة البخارية وحديقة الحيوان ومعرض نيويورك والاستعداد للحرب، أمر غير معروف لديها، فكل هذه أشياء خارجة عن حدود مداركها
قد تكون ملايين السنين التى يقدر الجيولوجيون والطبيعيون أنها الفترة التى مرت على الإنسان منذ وجوده بالنسبة للخليقة كهذه اللحظات بالنسبة للنملة الحائرة، وقد لا يمثل ميراثنا العلمى الذى لا تتسع له دور كتب العالم قاطبة الوجود فى شىء، وقد يشبه معارف النملة عن الكون الذى لم تر المسكينة منه إلا ليلة عزاء محصور كل حوادثها بين قطع محدودة من الأقمشة، ويكون الكون ذو الحيز المتقوس وفق ريمان وأينشتاين، المتمدد وفق دى ستير واديجتون، المحدود وفق سان ولميتر، ذرة واحدة، لا نقول بين ملايين ذرات مماثلة لها، بل بين ملايين أكوان لا يمثل هو فيها شبيهاً، ويكون كوننا مثالا خاطئا لحقيقة الوجود، بل قد يكون كأحد جسيمات الدخان لمصنع لا نعلم عنه سوى إحدى ذرات دخانه المتصاعد، ونكون معشر الناس ككائن نفترضه داخل هذا الجسيم من الدخان، لا يرى إلا ما يكوَّن الجسم الذى
هو بداخله. فالقطن الذى يدخل هذا المصنع والوادى الذى زرع فيه هذا القطن، والنهر الذى رواه، والمهندس الذى صمم القناطر على هذا النهر؛ كل هذه أمور غير معروفة بالمرة لهذا الكائن الذى افترضناه داخل الجسيم
كم يغلب على ظنى أننا لا نختلف كثيراً عن هذه النملة الحائرة أو عن هذا الكائن السجين!
على أن شيئاً جديداً. اكتشفه العلماء يقع داخل هذا الكون المحدود وينتقل بين أرجاء هذا السجن الفسيح الذى نعيش فى داخله. هذا الشىء يشغل بال العلماء اليوم لقوة اختراقه العجيبة وصفاته النادرة، ويسمونه الأشعة الكونية، وهو ما سأجعله موضوع حديثى فى العدد القادم

