الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 30 الرجوع إلى "الثقافة"

تشسترتون، زعيم الرجعية في عصر التطور

Share

شهدت أواخر القرن الماضي وأوائل الحاضر تحولا عاما في المبادئ السياسية والاجتماعية والأدبية في انجلترا : إذ نفر الناس تدريجا من المبادئ التي كانت تسود تلك المناحي في العصر الفكتوري : كانت النزعة الاستعمارية في العصر الفكتوري تسود السياسة حتى ساقت انجلترا إلي حرب جنوبي أفريقا التي كبدتها خسائر فادحة ، وكان للفكتوريين اعتداد شديد بحالتهم الراهنة ومبادئهم السائدة ، تجعلهم يشيحون عن كل جديد ويتمسكون بما لديهم ، وكان الفرق الاجتماعي في ذلك العهد بين الطبقات كبيرا ، وكان مركز المرأة تثقله القيود ، وكانت الأخلاق تتسم بالتزمت والتحرج المغرق ، وكانت معايير الأدب تتمثل في أشعار تتيسون وقصص دكنز ، حتى مل الناس تلك المبادئ والمعايير كما هو داب المجتمعات الحية من دوام التطور والتبديل.

وكان زعيما التطور الفكري الذي تجلي في مستهل القرن الحاضر هما برناردشو و ه . ج ولز ، هذان الكاتبان العظيمان أوسما الأحوال الراهنة والآراء المعتقدة نقدا وتفنيدا وتجريحا ، وفتحا للناس أبوابا من الفكر لم تكن معروفة ، وحشا الجمهور القارئ علي اصلاح مساوئ المجتمع الراهن والتطلع إلي مجتمع في المستقبل أقرب إلي المثل الأعلى يحيا فيه إنسان هو اقرب إلي السوبرمان ، فيما كان الفكتوريون يعتقدون أن مجتمعهم هو المثل الأعلي للحضارة ، إذا ولز يقول إن الحضارة الإنسانية لم تبدا بعد

لأن تاريخ البشرية في الماضي لم يكن إلا سلسلة أخطاء ومجازر وجرائم ، وإذا شو ينادي بإنسان اعلى ، نسبة الإنسان الحاضر إليه كنسبة القردة إلينا.

فوجئ الناس بهذه الآراء الجريئة وهذه العوالم الجديدة يعرضها علي ابصارهم ذالك الكاتبان القديران ومن مائلهما فكرا وقل عنهما عبقرية وشهرة ، وكان حريا ان يفاجا الناس ويعجبوا في مجتمع كالمجتمع الانجليزي معروف بمحافظته وإجلاله للتقاليد ، وكان حريا بجانب الإعجاب الذي فويل به المذهب الجديد أن يقابل من كثيرين بالبغض والنفور والنقد والهجوم ، وهذا ما كان ، بل إن شو نفسه لم ينل مكانته الحاضرة لقمة سائغة بل اضطر ان يسلك إليها

شتي الطرق ويتذرع بشتي الوسائل . أما الحملة المضادة للمذهب الجديد التي كان حتما ظهورها فقد كان فارسها المعلم جلبرت كيث تشسترتون زعيم الرجعية في عصر التقدم السريع والتطور المطرد

ولد ج . ك تشسترتون في لندن عام ١٨٧٤ ، ومات منذ نحو ثلاث سنين ، ونشأ عظيم الجسم ، مديد القامة ، حتى قال عنه شو : إنك حين تخاطبه يظل نصف منه خارجا عن متناول بصرك ويقول هو عن نفسه في ترجمة حياته بقلمه : إنه كان أكولا محبا للطعام مشغوفا بشرب البيرة ؛ وهو في ذلك يناقض شو البيوريتاني النزعة الذي لا يشرب الخمر ولا يقرب اللحم ويتجنب اشتات اللذات ؛ والتحق تشسترتون بمدرسة للفنون ليلة إلى التصوير ، ولكنه لم يتم دراسته بها ، واحترف الصحافة والنقد الفني والادبي ، وظل ذلك عمله إلي آخر حياته الخالية من مهم الأحداث ، وزار المانيا وأسبانيا وبولندة والولايات المتحدة وغيرها للمحاضرة في الأدب الانجليزي .

لم يكن تشسترتون تلميذا نجيبا ، بل هو يعترف في ترجمته لنفسه بأنه كان غيبا ، وقد هجر الدراسة قبل ان ينال شهادة ما ، بيد أنه كان منذ صغره محبا للأدب بارعا فيه ، فأنشأ هو ورفقة من زملائه في المدرسة الابتدائية مجلة جذبت إليهم الأنظار ونالت تشجيع ناظر مدرسته وفي مدرسة الفنون سالفة الذكر بلغ تشترتون مبالغ الرجال ونضحت أفكاره وهاجمته شتى مسائل الحياة ، حتى استولي عليه القنوط ، وتملكه التشاؤم وتزعزعت عقيدته الدينية ؛ بيد أنه مازال في بحثه وتفكيره حتى اهتدي إلي العقيدة التي استراح إليها ضميره واستقرت بها بلابله ، ولم تكن تلك إلا العقيدة المسيحية ذاتها ، تلك العقيدة التي هجرها منذ مدة باحثا عن الحقيقة فما لبث أن عاد إليها مهتديا .

قال في هذا الصدد في مقدمة كتاب " السنة " : " لقد كانت نفس تحدثني دائما بكتابة قصة خيالية عن بحار انجليز أخطأ في قياس طريقه حتى اكتشف انجلترا وهو يحسبها جزيرة من جزر البحار الجنوبية ، ويستطرد فيبين أن ذلك مثله هو نفسه : إذ خرج طائفا باحثا عن الحقيقة فاهتدى إلي القانون المكنسي الذي كان يعرفه حق المعرفة قبل ذلك المطاف ، ذلك بأن التشاؤم الذي ران على نفسه حقبة كان قد أرهقها وهي الميالة بطبيعتها إلي المرح ، فوجدت نفسه ضالتها في المسيحية التي تدعو إلي قبول الحياة على علاتها في بئر ، ومنذ ذلك الحين صار تشسترتون زعيم التفاؤل وعدو ونزعة التشاؤم السائدة في كتابات بعض معاصريه، كتوماس هاردي وهاوسمن ، فهو يقول عن هاردي في كتابه عن الأدب الفكتوري إنه " ملحد ريقي فابع في اكتئاب يلعن ويجدف في احتفائه بأجلاف القرويين".

ففي عصر الشك والمروق تمسك تشسترتون بعقيدته الدينية ، وتعلق بأهداب مسيحيته وعاب على معاصريه في مقدمة ما عاب زيغ عقيدتهم ، ولم يقف عند هذا الحد ، بل ما زال وهو البروتستانني النشأة يميل رويدا رويدا إلي الكاثوليكية في آرائه، حتى اعتنقها رسميا وهو في الثامنة والخمسين من عمره . ولعل صديقه الحميم هيلير بيلوك هو الذي ساقه إلي اتخاذ هذه الخطوة ؛ وبيلوك هذا كاتب مؤرخ فرنسي الاب كاثوليكي تعرف به تشسترتون في مطعم - وهذا شبيه بتشسترتون الكثير الارتياد المطاعم فسرعان ما توافقا في الرأي والمزاج ، واعجب المترجم بصاحبه أشد إعجاب ، وكانا بعد ذلك يدأ واحدة في الحملة علي شو ، حتى عدهما شو شخصا واحدا أو غولا واحدا يقوم هو بمجالستهما ، كما كان الفرسان في القديم يجالدون الغيلان والوحوش ، وسمي شو ذلك الغول " تشستربيلوك

أحب تشسترتون الكاثوليكية لما فيها من روح البشر والتفاؤل الذي يلائم طبعه ، وتولى الدفاع عنها ازاء حملات البروتستانت الذين يصمونها بالرمزية والوثنية ، ودافع عن تقاليد الاعتراف والكفارة وغفران الذنوب ، وقال إن المذهب الكاثوليكي الروماني يحل كل مسائل الفكر التي كانت تعترضه ويرضي نزعته إلي الحرية ، وله في كل ذلك كتابات طويلة ولما كتب في هذا الصدد أول كتبه دهش القراء ولم يكادوا يصدقون أنه جاد ، وإنما ظنوه يبغي الطرافة ويتوخي الاغراب ؛ ولكنه لزم موقفه ذاك في اخلاص وشجاعة وحماسة إلي آخر حياته ، واصطبغت كتاباته بهذه النزعة الدينية الغالبة : فهو كثير الطرق لمواضيع الدين ، ومعظم أبطال قصصه قسس أو فلاسفة متدينون ، حتى إنه لما كتب جملة قصص بوليسية علي نمط قصص شرلوك هولمز جعل بطلها المحقق قسيسا حلالا للمعضلات كشافا للغوامض . ومن آثار نزعته الدينية هذه قصيدة له طويلة عن موقعة " لينتتو " البحرية بين العثمانيين وبين أساطيل أوربا المتحدة فهو يري في تلك الموقعة نصرا للمسيحية حمي بيضتها.

ورغم هذه المسيحية المتأصلة لم يكن تشسترتون في نظرته السياسية داعية سلام ولا مؤمنا بالسلام ؛ نعم انه كان من كبار معارضي حرب البوير في منصرم القرن الماضي ؛ ولكن تلك المعارضة لم تكن لحب في السلام بل لاعتقاد يخطأ البواعث التي دفعت بالإجليز إلى غمارها . كان يري البوير علي صواب والانجليز على خطأ ، لأن البوير إنما كانوا يدافعون عن استقلالهم وحماهم ، وقد كان تشسترتون من اكبر المؤمنين بالوطنية - وفي هذا أيضا مناقضة لمبادئ المسيحية التي تسوي بين البشر - وكما كان يحب انجلترا ويغار علي وطنيته ، كان لا يحب الاعتداء على وطنية الاخرين ، وهو لذلك كان يمقت الامبراطورية لأن الامبراطورية لا تقوم إلا بإهدار بعض الوطنيات والحريات .

إنما كان تشسترتون يحب انجلترا وحدها دون امبراطورية ولا مستعمرات : انجلترا كما كانت في عهد اليزابث وشكسبير ، وكما كانت في العصور الوسطى ؛ وهنا تلتقي آراء تشسترتون الدينية واراؤه السياسية معا : فهو يعشق العصور الوسطي التي كانت المسيحية فيها الدولة والسلطان ، كما يعشقها لان انجلترا في عهدها كانت جزيرة مستقلة بشأها غير ذات مشاكل خارجية ولا امبراطورية مبنية علي اهدار قوميات شعوب اخري ، وقد كانت الحماسة التى دافع بها تشسترتون عن وجهة نظره في مسألة الحرب البويرية بدء ترامي شهرته وارتفاع مكانته وقد تولي هو ونخبة من اصحابه اصدار جريدة لهذا الغرض وانتهي الأمر بهم إلي شراء جريدة الديلى نيوز لنشر ارائهم ؛ فكان تشسترتون  وكبلنج في هذه الحرب على طرفي نقيض يقود كل منهما معسكرا ، وظلت هذه الخصومة الفكرية بينهما قائمة فيما بعد .

أما حين نشبت الحرب الكبرى فكان لتشسترتون  موقف اخر ؛ إذ عدها حربا ضرورية للدفاع عن القومية الانجليزية والثقافة الانجليزية ضد " بربرية برلين " وقام بمجهود عظيم في نشر الدعوة هذه المرة تحبيذا لمواصلة الحرب ؛ فكان يكتب في الصحف وينشر الكتب ويعمل على توزيعها في الداخل والخارج ، وكان يكتب في صحف حزب الأحرار حتى اختلف معها فصار يكاتب صحيفة العمال ، حتى انقلبت ورجي الحرب دائرة إلي تحبيذ السلام ، فهجرها وهجر الأحزاب جميعا وبعد الحرب خرج من ميدان السياسة جميعا بعد ان جال فيها جولات مشهودة ، وكانت له مقابلات مع ملك الانجليز وكبار الوزراء امثال كيرزون وهيو سيسل وبلفور وماكدونالد وغيرهم .

وإنما انحاز تشسترتون إلي الأحرار دون المحافظين حقبة بحكم طبقته ، إذ نشأ في اسرة متوسطة الحال ، وكان معظم ابناء الطبقة الوسطى يشايعون حزب الأحرار ، أما تشسترتون  ذاته فكان أميل إلي المحافظة بل إلي الرجيعة : كان في

طباعة رجلا عاديا يحب الحياة العادية في المدينة ، ولا يرى من وجوه النقص في الحياة الراهنة مثل ما يجد شو الدائب النقد والطعن فهو يعيب علي شو أنه صعب إرضاؤه وإذا وجد تشسترتون للحياة الحاضرة عيوبا فهي مخالفة للعيوب التي تتغذي بها عين شو ، بل هي مضادة لها : شو يري المجتمع الإنساني الحاضر متأخرا عما يجب ويقول : إما ينهض الانسان بالعبء الذي اختارته له الطبيعة ، عبء تعمير هذه الأرض ونشر المدنية الصحيحة فيها ، وإما ان الطبيعة تنحيه وتختار لهذا العمل حيوانا سواء أصلح أما تشسترتون فلا ينظر إلي المستقبل على هذا النحو بل ينظر إلي الماضي ، ولا يري المجتمع متأخرا عن المدى الذي يجب أن يقطعه بل يراه قد جاوز الحد في سيره وعليه ان يقفل راجعا ، إلي اين ؟ .

إلي العصور الوسطى : حين كانت الحياة بسيطة غير معقدة ، حين لم تكن الآلات تتخم المدن وتخلق الحياة الزوجية ، حين كانت القرية الصغيرة لا المدينة الرحبة وحدة المجتمع ، وحين كانت المسيحية هي الوطن وهي الدولة ، وهي جراس الناس في تفكيرهم وفي فنونهم وادابهم ، وهو يشمر عن ساعد العزم للدفاع عن العصور الوسطى ضد من يتهمونها بالتوحش او بالجهل او بعقم الفن او الأدب ؛ ومما كتبه في هذا الصدد كتاب عن القس المشهور القديس فرانسيس اسيسي ، والفلسوف المسيحي المشهور أيضا توماس اكوايناس ، فإذا وجد كل من شو وويلز " طوباء " او مدينته الفاضلة في المستقبل ، فان تشسترتون يجدها في الماضي .

يدافع تشسترتون بهذه الحماسة عن العصور الوسطي التى تسمى احيانا بالعصور المظلمة ، لفرط ما نفر الناس منها ومن ذكراها . وبمثل هذه الحماسة يدافع عن العصر الفكتورى الذي امعن شو وولز وأمثالهما في التهكم عليه والتحقير له والكشف عن مساوئه فهو يدافع عن

فضائل الفكتوريين من حب الاحتشام والوقار والاعتزاز بالمهنة والاعتداد بالطبقة التي يمت إليها المرء والتي كان التعليم بطبعها بطابع خاص باق . ويدافع عن المعلم في العصر الفكتوري الذي كثرت حملات الحاملين عليه فيقول إن معلميه اكتشفوا مواهبه الأدبية ، وشجعوها وتعهدوها ، حين لم يكن هو نفسه يفطن إليها أو يهتم بها ! ولغرامة بذلك العصر كتب ترجمة لاتنين من فحول أدبائه ، هما الشاعر يراوننح والقصصي دكنز ، وكلاهما يشبهانه في نزعة التفاؤل ، ويشبهه دكنز خاصة في ديمقراطية نظرته والتقائه إلي حياة الرجل العادي ، واعتقاده أن تلك الحياة العادية تقدم أكبر الفرصة لصوغ المأساة .

وكان حريا ان يقع الصدام بين تشسترتون وبين ممثلي نزعة التطور والتجديد ، وكان تشسترتون البادئ، إذ نشر كتابا سماه " الهراطقة " نقد فيه مذهب العصريين وعاب تهورهم في كسر الحواجز وهدم الحدود ، ونبذ العقائد ؛ فالمرء في نظره لا يحيا بغير عقيدة ، والمادية عقيدة من يعتقدون الا عقيدة لهم ، وانهم تحرروا من جميع القيود والانيار . وكان شو وولز خاصة هدف سهامه في هذا الكتاب ، رغم ما كان بينهما وبينه من صداقة وإعجاب كل واحد من الثلاثة بالأخرين كل إعجاب فلما دعاهما واتباعهما بالهراطقة سألوه إذ لم ترقه عقيدتهم أن يبدي لهم ما عنده هو من عقيدة وفلسفة ، فما كان أسرعه في إخراج كتاب " السنة " يشرح فيه مذهبه المستند إلي الدين المصطبغ بالكاثوليكية المعتمد علي التفاؤل القائل بحرية الاختيار المنادي بالرجوع عن الطريق المادي المتهور الذي اندفع فيه العالم منذ القرن الثامن عشر .

ومن اقوال تشسترتون الجامعة لمذهبه في هذا الصراع الذي دار بين القديم والجديد ، بين دعاة التطور وزعيم المحافظة على التقاليد ، بين المهيبين إلي المستقبل والداعي إلي الماضي ، قوله في وصف خصومه اتباع التطور السريع

والهدم الذي لا يبقى ولا يذر : " فالإلحاد نفسه في نظرنا اليوم ذو صبغة دينية لا تطاق ، والثورة ذاتها نظام لا يحتمل ، والحرية نفسها تشمل قيودا لا صبر لنا عليها ، ولسنا نقبل احكاما عامة . وقد عبر مستر برنارد شو عن هذا المذهب في صبغة محكمة قال : " إن القاعدة الذهبية أنه ليست هناك قاعدة ذهبية " ونحن نزداد كل يوم ميلا إلي مناقشة التفاصيل في الفن والسياسة والأدب ، وتهتم مثلا براي المرء في الترام أو في المصور بوتبشيلي ، أما رأيه في كل شئ فلا يهم ، وندعه يبحث وينقب في مليون من الأشياء . ولكن لا ترضي ان يهتدي إلي ذلك الشئ الغريب - الكون ؛ لأنه إن فعل صار له دين وبذلك يضل ، فكل شئ يهم - ما عدا كل شئ .

وكان إنتاج تشسترتون الأدبى متنوعا تنوعا بعيد المدي ؛ كتب الأشعار والقصص القصيرة والطويلة والمقالات والتراجم الأدبية والتاريخية وقد ظل منذ سنة ١٩٠٥ إلي مماته - أي زهاء ثلاثين سنة - يكتب مقالا كل أسبوع بلا انقطاع لمجلة خاصة هي " اخبار لندن المصورة " وأسلوبه الأدبى جزل ممتع فكه يشوق القارئين حتى من غير المعتنقين لآرائه سالفة الذكر ، وكان له ولع خاص يصوغ ضرب من الجمل المتناقضة المعنى في الظاهر ، يريد بذلك الاغراب وإدخال الروعة في قلوب قارئيه ، كقوله في النبذة سالفة الذكر : " فكل شئ يهم ما عدا كل شئ " وقوله وهو يريد إثبات أن العقل وحده لا يجدي المرء دون الاعتماد على المحسوسات وانتزاع النظريات والأمثلة من الواقع المتحجر : " إن الرجل المجنون هو رجل قد فقد كل شئ إلا عقله ، ومن توخيه المبادهة والأغراب قوله وقد عجيب بعض الناس من عدم تخليف الرومان اثارا في انجلترا : " كيف لا ؟ إننا معشر الانجليز كلنا آثار رومانية " وقد طغت هذه النزعة إلي الإغراب والتناقض على كتاباته في آخر أيامه حتى ردت كثيرا منها مستثقلا محنفا .

والحق أن كتابات تشسترتون في شتي المناحي سالفة الذكر كثيرة جدا مترامية الأطراف ، ولكن كثيرا منها صحافي الصبغة زائل الأهمية ، يموت - بل قد مات - بمضي ظروفه الأدبية أو السياسية ، وكثير من الباقي هراء ممجوج ، ولكن كثيرا جدا مما كتب يحوي فكرا صائبا وأدبا جما وأسلوبا رفيعا ، وبعضه يستحق الخلود. وتشسترتون  فوق هذا له فضل عظيم على الجيل الذي عاش فيه : بحمله لواء المحافظة بل الرجعية في وجه دعاة التجديد المغرق والهدم الذريع ؛ إذ كان لمواقفه وحملاته أثر عظيم في تخفيف غلواء المجددين والأشارة إلي أخطائهم والأعراب عن موقف جانب من الشعب تجاههم . ولعل تشسترتون وإن لم يبلغ عبقرية شو ولا ولز قد كان أحب إلي قلوب أكثرية الإنجليز من أي منهما ، لما يمتاز به دونهما من الطبع الانجليزي الأصيل وما ينفرد به منهما من تمثيل جميلات الشعب الانجليزي الوليد الحركة المحافظ النزعة.

اشترك في نشرتنا البريدية