يطيب للإنسان أن يذكر ماضيه مهما كان هذا الماضي مريرا ، وان يشتم تحته ويتحدث بأيامه ويتتعلق بأهدابه . وهذا ما جعلني أجلس إلي تلميذ ، أعهد فيه الأدب الخلقي والعلمي وسعة الإطلاع ، اسأله عن المدرسة والدروس ؛ فا كفهر وجهه ، واضطرب صوته وهو يقول : " اتذكر يوم قال مدرس الإنشاء عني إنه لو كان متا كدا من اني صاحب هذه الموضوعات لتركها بلا درجة لقومها وعلو
أسلوبها ؟ " فقلت : " نعم ! هذا ما أخبرني به " فقال : " ولكني في هذا العام أنال ابخس الدرجات في الإنشاء بعد أن قرأت كل ما انتجه الكتاب المعاصرون ، وطرفا صالحا مما انتجه المتقدمون ، وبعد ان قرأت من دواوين شعراء الأولين والآخرين ما لم يقراء احد في سني " . فأقررته على ما قال عن سعة اطلاعه وعجبت من بخس المدرس حقه وكدت أرتاب بالطالب مع أنه لم يقل يوما ما يريب . فرجوته ان يطلعني على كراسة إنشائه في هذا العام ووقعت على موضوع به ثلاث علامات حمراء فانطلق الطالب شارحا أنه سأل استاذه عن الكلمة الأولى ما خطؤها فاعتذر بأنه لم يرها جيدا . والكلمة الثانية ) صلي ( والمدرس يري صحيحها ) اصطلي ( ولم يقتنع إلا بعد أن ذكره الطالب بقوله تعالى : ( سيصلي نارا ذات لهب ) . أما الكلمة الثالثة
فهي ( ديمقراطية ) يراها الدرس خطأ و الصحيح ( دستورية ) فحاوره الطالب بأن المدلول مختلف ؛ فألمانيا ، وإبطاليا ، وروسيا بكل منها دستور غير دمتقراطي . فضلا عن ان كلة ( دستورية ) هي أيضا غير عربية
وبرغم تمكن الطالب من علمه فقد رأيت سحابة تمر بمحياه وهو يقول : ) هذه آخرة الأدب ، وهذا ما يلقاء ناشئة الأدب من أساتذتهم ) .
فأجبته : كلا يا بني ! لا تسرع بالتعميم فإن في مصر أعلام الأدب يأخذون بيد كل ناشئ ، ويشجعون كل أديب سأرسل حديثي معك إلى الثقافة لترى فيه رأيها . وقد تدلى إليك برأي في موقفك يزيل كربتك ، ويكشف غمتك ويزيل ما تستشعره من يأس وقنوط .
