الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 417الرجوع إلى "الرسالة"

تصحيح مثل

Share

قرأ البلاغيون في بعض الكتب من ضمن الأمثال قول  القائل:(النحو في الكلام كالملح في الطعام) وهو قول كما  ترى فاسد خاطىء، فأتعبوا أنفسكم في نقده وتشريحه، وإيراد  التأويلات المختلفة لتصحيحه وتسويغه؛ فقال الخطيب القزويني  في كتابه (الإيضاح) ما نصه: (وإذا علم أن وجه الشبه  هو ما يشترك فيه الطرفان - يعني المشبه والمشبه به -  علم فساد جعله في القول القائل:(النحو في الكلام كالملح  في الطعام) كون القليل مصلحاً والكثير مفسداً، لأن القلة  والكثرة إنما يتصور جريانهما في لملح، وذلك بأن يجعل منه  في الطعام القدر المصلح أو أكثر منه دون النحو، فإنه إذا كان  من حكمه رفع الفاعل ونصب المفعول مثلاً، فإن وجد ذلك  في الكلام فقد حصل النحو فيه، وانتفى الفساد عنه، وصار

منتفعا به في فهم المراد منه، وإلا لم يحصل وكان فاسداً  لا ينتفع به. فالوجه فيه هو كون الاستعمال مصلحاً والإهمال  مفسداً لاشتراكهما في ذلك. . .)

والحق أنني لم أسترح إلى قبول هذا التوجيه الذي ذكره  الخطيب لتصحيح المثل، وبقيت منه على علة؛ وبينما كنت أقرأ  في كتاب (نفائس المجالس السلطانية) الذي نشره الدكتور عبد الوهاب عزام ضمن كتابه الأخير(مجالس السلطان الغوري) ؛  إذا بي أقف على تحريف في المثل السابق، وأعلم أن صحته كما جاء  في الصفحة الثامنة والستين من كتاب النفائس المذكور إذ وردت  فيه هذه العبارة:

قال بعض الحكماء: الهزل في الكلام كالملح في الطعام! ومن اليسير على القارئ أن يدرك جمال المعنى في قول ذلك  الحكيم:(الهزل في الكلام كالملح في الطعام)  فإن الكلام

إذا خلا من الهزل المباح المحمول كان جافاً ثقيلاً، وكانت النفوس  أسرع إلى النفور منه والعزوف عنه، وقد كان النبي صلوات الله  عليه يمزح أحياناً؛ وإن كان لبلاغته وتمكنه وعصمته لا يقول  في مزاحه إلا حقاً. وإذا زاد الهزل في الكلام كان ذلك أدعى  إلى الإفحاش فيه، والخروج به إلى المجانة والهذر. ولعل  مما يستأنس به لذلك قول الرسول الكريم:(كثرة الضحك  تميت القلوب) وقوله ما معناه: (كثرة المزاح تسقط الهيبة) .  وبذلك يتضح أن التشبيه - بعد التصحيح السابق - قد  استكمل شرائطه، وصار له من الجمال والدقة ما له. فليُرح البلاغيون أنفسهم، وليستبدلوا كلمة (النحو)   بكلمة (الهزل) فيستقيم لهم المثل، وفوق كل ذي علم عليم.

(البجلات)

اشترك في نشرتنا البريدية