كان مما ورد على المعري وهو رهين محبسيه نسخة من ديوان الى مبادة البحتري فيها تصحيف وتحريف ؛ وقد طلب إليه أن ينظر فيها فيصلح من خلقها ويعالج من علمها فأملي الشيخ في ذلك كتابه ( عبث الوليد ) ، وقال في مقدمته : أثبت ما في ديوان البحتري مما أصلح من الغلط الذي وجد في النسخة المكتوب في آخرها أنها بخط ظفر بن عبد الله العجلي ، وإنما أثبت ذلك ليكون مولاي الشيخ الجليل أدام الله عنه كأنه حاضر للقراءة . إلي آخر ما ذكر
... ولقد غريت بمراجعة هذا الكتاب وأدمنت النظر فيه ، حتى أصبح لي - بعد تردد - أن أدعي الوقوع على أشياء فيه يمكن أن تدخلها في باب الهنات ، وأنا أورد هنا بعض ما ينتظم منها في سلك ( التصحيف ) فقط ، مما لم يصلحه أبو العلاء على كثرة ما أصلح من التصحيفات ،
واقتصر من ذلك على مالا مجال للجدل فيه ، ولا مرية في عقلة المعري (رحمه الله) عن النص عليه وتصحيحه .
١ - جاء من قصيدة البحتري التي أولها : ما يعنى ذاك الغزال الغرير: من قياذ ويزدجرد وهيرو ر وكسري وقبلهم اردشير قال أبو العلاء : هذا علي التقديم والتأخير ، وفرق بين واو العطف وأردشير بقوله (قبلهم) وإنما الحد أن يقول :
وكسري وأردشير قبلهم ، إلا أنه اضطر إلي ذلك كما قال ثعلبة بن صمير المازني
أعمير ما يدريك أن رب فنية
يبيض الوجوه وفي الحروب مساعر
أي ومساعر في الحروب . . إلى آخر ما قال مما يدور
حول جواز الفصل بين المتعاطفين بشبه الجملة (الطرف كما في بيت البحتري أو الجار والمجرور كما في بيت ثعلبة ) ، وكل هذا تخريج مبني علي تصحيف لم ينص عليه أبو العلاء ، إذ صحة الكلام : ( وفيروز وكسري وقيلهم أردشير )، والفيل الرئيس أو الملك
2- ومن التي أولها : لو أسعدت سعدي بتنويلها : لا كانت الدنيا ، وكائن أرت فاضلها تابع مقضولها وقلما عارفة لم يكن مقلولها يادي مفعولها قال : وقوله مقلولها كلمة فلما تردد في أشعار الفصحاء وإنما يتكلم بها العوام ، وكأنهم يضعونها موضع المصدر كما قال (1) الميسور في معني اليسر ، والمجلود في معني الجلد وقد يجوز أن يكون قولهم (كان كذا علي المقلول) أي علي القلة ؛
ويحتمل أن يكون المقاول في معني الشئ الذي فيه قلة ، كما يقال رجل مجنون أي به جنون ، ومحموم أي به حمي . اهـ قلت : وهذه تخريجات صحيحة لكلمة (مقلول) ولكن أبا عبادة لم يشر إليها في كلامه البتة . وإنما صحة البيت هكذا :
وقلما عارفة لم يكن مقولـها بادي مفعولها
ومعنى البيت واضح ؛ ويكون بين مقولها ومفعولها مطابقة معنوية من تلك المطابقات التي يتعشقها أبو عبادة وقريب من هذا البيت في معناه قول البحتري في قصيدة أخري ،
خطبنا إليه قوله عبء فعله ومن يفعل الإحسان فهو يقول
٣ - ومن التي أولها : ألما فات من تلاق تلاف ؟ :
ما تراه أعف في زمن الجو يري منه في زمان العفاف
قال المعري : كان في الأصل أعف في زمن الجور .
والصواب وعف بالواو وهذا كما يقال للرجل : ما تراه وقد عف في زمن الجور يفعل في زمن العفاف ؟ وكأن (قد) ها هنا مقدرة مع الواو ... الخ . قلت : ليت أبا العلاء وقد تنبه إلي هذا كان يتنبه أيضاً إلي أن (الجور) مصحفة عن (الخون) مصدر خان ، إذ المعنى علي ذلك أقوم ، ويكون ثمة طباق بين الخون والعفاف في آخر البيت ، مما يغرم بإيراد مثله أبو عبادة
4- ومن التي أولها : تسعي وأيسر هذا السعى بكفينا :
وإن نشاء شرعنا في تطوله
شروعنا ، فأخذنا منه ما شينا
قال : كان في النسخة ( وإن نشأ ) وهذا غلط لا يجوز مثله على هذا الرجل ؛ ولعله (وإن هممنا شرعنا) أو نحو ذلك مما يقوم مقامه مثل : اصدينا وإن ظمينا وهو كثير ه
وأري أن الأفضل في تصحيح هذا البيت أن تجعله ( ولو نشاء ... ) فتحافظ على الفعل (نشاء) مراعاة للترديد الذي قصد إليه البحتري بقوله في آخر البيت : فأخذنا منه ما شيئا - مخفف شيئا - والترديد كما عرفه ابن رشيق هو (1) : أن يأتي الشاعر بلفظة متعلقة بمعنى ، ثم يردها بعينها متعلقة بمعني آخر في البيت نفسه أو في قيم له ؛ وقد ضرب لذلك أمثلة عدة منها قول ابن المعتز :
لو شئت لا شئت خليت السلو له
وكان لا كان منكم في معافاتي
فالترديد في (شئت ولا شئت) و (كان ولا كان) . على أننا بوضع ( لو ) موضع ( إن ) يلزم البحتري استعمال لغة مرجوحة ، هي وحذف اللام من جواب لو في حالة الإثبات . وكان الأصح أن يقال : ولو نشاء لشرعنا ... ولكن استعمال اللغة الضعيفة خير في كل أحواله من الوقوع في اللحن أو مخالفة الوزن .
5 - ومن ( الترديد ) الذي قصد إليه البحتري أيضاً قوله من بائيته التى مطلعها :
" رأي البرق مجتازاً فبات بلا اب "
كريم إذا ضاق الزمان فإنه
يضيق القضاء الرحب في صدره الرحب
وضع أبو العلاء (يضيع) موضع (يضيق) ثم قال ، كان في النسخة يضيق الفضاء الرحب ، وقد يحتمل هذا المعنى على أن تكون ( في ) مؤدية معنى (عن) ، كأنه يضيق الفضاء الرحب إذا قيس بصدره ، ويضيع أبلغ في المعنى .
وأقول إن من أمعن النظر في دراسة البحتري ، وعرف خصائص أسلوبه الشعري يتحقق لديه أن الرجل لا يرضى بكلمة (يضيق) هنا بديلا . فلنشكر أبا العلاء على هذا التخريج الذي خرجه - باعتبار أن الفعل يضيق - من أن " في " تكون مؤدية حينئذ معنى "عن" فذلك هو الصواب في البيت لا غيره .
٦ - ومن التي أولها : هواها على أن الصدود سبيلها متى لم يمل بالنفس فيه عن العلا إلى غيرها شيء سواء يميلها يشرح أبو العلاء هذا البيت شرحاً لا يخلو من غموض ، وهو يتوقف خلال ذلك عند الضمير في (سواه) ،
ولعله ، كما يفهم من كلامه ، كان يرى صحة الكلمة (سواها) بعود الضمير على (النفس) في الشطر الأول . ولكن كل هذا لا يزيل ليس المعنى ، وإنما يزيله أن تدع (سواء) على حالها ثم تصحيح التصحيف الواقع في الكلمة الأولى (متى) وصوابها (فتى) ، ويكون البيت :
فتى لم يمل بالنفس فيه عن العلا إلى غيرها شيء سواء يميلها
والمعنى أن هذا الفتى الممدوح لا يميل بنفسه عن العلا شئ ، مهما كان (هذا الشئ) يميل بنفس سواء وينحرف بها عن سبيل المعالي . . (جرجا)
