الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 283 الرجوع إلى "الثقافة"

تصحيفات يغفلها أبو العلاء

Share

كان مما ورد على المعري وهو رهين محبسيه نسخة من ديوان الى مبادة البحتري فيها تصحيف وتحريف ؛ وقد طلب إليه أن ينظر فيها فيصلح من خلقها ويعالج من علمها  فأملي الشيخ في ذلك كتابه ( عبث الوليد ) ، وقال في مقدمته : أثبت ما في ديوان البحتري مما أصلح من الغلط الذي وجد في النسخة المكتوب في آخرها أنها بخط  ظفر بن عبد الله العجلي ، وإنما أثبت ذلك ليكون مولاي الشيخ الجليل أدام الله عنه كأنه حاضر للقراءة . إلي آخر ما ذكر

... ولقد غريت بمراجعة هذا الكتاب وأدمنت  النظر فيه ، حتى أصبح لي - بعد تردد - أن أدعي الوقوع على أشياء فيه يمكن أن تدخلها في باب الهنات ، وأنا أورد  هنا بعض ما ينتظم منها في سلك ( التصحيف ) فقط ، مما لم يصلحه أبو العلاء على كثرة ما أصلح من التصحيفات ،

واقتصر من ذلك على مالا مجال للجدل فيه ، ولا مرية في عقلة المعري (رحمه الله) عن النص عليه وتصحيحه .

١ - جاء من قصيدة البحتري التي أولها : ما يعنى ذاك الغزال الغرير:  من قياذ ويزدجرد وهيرو    ر وكسري وقبلهم اردشير قال أبو العلاء : هذا علي التقديم والتأخير ، وفرق بين واو العطف وأردشير بقوله (قبلهم) وإنما الحد أن يقول :

وكسري وأردشير قبلهم ، إلا أنه اضطر إلي ذلك كما قال ثعلبة بن صمير المازني

أعمير ما يدريك أن رب فنية

                           يبيض الوجوه وفي الحروب مساعر

أي ومساعر في الحروب . . إلى آخر ما قال مما يدور

حول جواز الفصل بين المتعاطفين بشبه الجملة (الطرف كما في بيت البحتري أو الجار والمجرور كما في بيت ثعلبة ) ، وكل هذا تخريج مبني علي تصحيف لم ينص عليه أبو العلاء ، إذ صحة الكلام : ( وفيروز وكسري وقيلهم أردشير )، والفيل الرئيس أو الملك

2- ومن التي أولها : لو أسعدت سعدي بتنويلها : لا كانت الدنيا ، وكائن أرت   فاضلها تابع مقضولها وقلما عارفة لم يكن           مقلولها يادي مفعولها قال : وقوله مقلولها كلمة فلما تردد في أشعار الفصحاء وإنما يتكلم بها العوام ، وكأنهم يضعونها موضع المصدر كما قال (1) الميسور في معني اليسر ، والمجلود في معني الجلد وقد يجوز أن يكون قولهم (كان كذا علي المقلول) أي علي القلة ؛

ويحتمل أن يكون المقاول في معني الشئ الذي فيه قلة ، كما يقال رجل مجنون أي به جنون ، ومحموم أي به حمي . اهـ قلت : وهذه تخريجات صحيحة لكلمة (مقلول) ولكن أبا عبادة لم يشر إليها في كلامه البتة . وإنما صحة البيت هكذا :

وقلما عارفة لم يكن         مقولـها بادي مفعولها

ومعنى البيت واضح ؛ ويكون بين مقولها ومفعولها  مطابقة معنوية من تلك المطابقات التي يتعشقها أبو عبادة وقريب من هذا البيت في معناه قول البحتري في قصيدة أخري ،

خطبنا إليه قوله عبء فعله         ومن يفعل الإحسان فهو يقول

٣ - ومن التي أولها : ألما فات من تلاق تلاف ؟ :

ما تراه أعف في زمن الجو            يري منه في زمان العفاف

قال المعري : كان في الأصل أعف في زمن الجور .

والصواب وعف بالواو وهذا كما يقال للرجل : ما تراه وقد عف في زمن الجور يفعل في زمن العفاف ؟ وكأن (قد) ها هنا مقدرة مع الواو ... الخ . قلت : ليت أبا العلاء وقد تنبه إلي هذا كان يتنبه أيضاً إلي أن (الجور) مصحفة عن (الخون) مصدر خان ، إذ المعنى علي ذلك أقوم ، ويكون ثمة طباق بين الخون والعفاف في آخر البيت ، مما يغرم بإيراد مثله أبو عبادة

4- ومن التي أولها : تسعي وأيسر هذا السعى بكفينا :

وإن نشاء شرعنا في تطوله

                          شروعنا ، فأخذنا منه ما شينا

قال : كان في النسخة ( وإن نشأ ) وهذا غلط لا يجوز مثله على هذا الرجل ؛ ولعله (وإن هممنا شرعنا) أو نحو  ذلك مما يقوم مقامه مثل : اصدينا وإن ظمينا وهو كثير ه

وأري أن الأفضل في تصحيح هذا البيت أن تجعله ( ولو نشاء ... ) فتحافظ على الفعل (نشاء) مراعاة للترديد  الذي قصد إليه البحتري بقوله في آخر البيت : فأخذنا منه ما شيئا - مخفف شيئا - والترديد كما عرفه ابن رشيق هو (1) : أن يأتي الشاعر بلفظة متعلقة بمعنى ، ثم يردها بعينها متعلقة بمعني آخر في البيت نفسه أو في قيم  له ؛  وقد ضرب لذلك أمثلة عدة منها قول ابن المعتز :

لو شئت لا شئت خليت السلو له

وكان لا كان منكم في معافاتي

فالترديد في (شئت ولا شئت) و (كان ولا كان) . على أننا بوضع ( لو ) موضع ( إن ) يلزم البحتري استعمال لغة مرجوحة ، هي وحذف اللام من جواب لو في حالة الإثبات . وكان الأصح أن يقال : ولو نشاء لشرعنا ... ولكن استعمال اللغة الضعيفة خير في كل أحواله من الوقوع في اللحن أو مخالفة الوزن .

5 - ومن ( الترديد ) الذي قصد إليه البحتري أيضاً قوله من بائيته التى مطلعها :

" رأي البرق مجتازاً فبات بلا اب "

كريم إذا ضاق الزمان فإنه

يضيق القضاء الرحب في صدره الرحب

وضع أبو العلاء (يضيع) موضع (يضيق) ثم قال ،  كان في النسخة يضيق الفضاء الرحب ، وقد يحتمل هذا المعنى على أن تكون ( في ) مؤدية معنى (عن) ، كأنه يضيق الفضاء الرحب إذا قيس بصدره ، ويضيع أبلغ في المعنى .

وأقول إن من أمعن النظر في دراسة البحتري ، وعرف خصائص أسلوبه الشعري يتحقق لديه أن الرجل لا يرضى بكلمة (يضيق) هنا بديلا . فلنشكر أبا العلاء على هذا التخريج الذي خرجه - باعتبار أن الفعل يضيق - من أن " في " تكون مؤدية حينئذ معنى "عن" فذلك هو  الصواب في البيت لا غيره .

٦ - ومن التي أولها : هواها على أن الصدود سبيلها متى لم يمل بالنفس فيه عن العلا      إلى غيرها شيء سواء يميلها يشرح أبو العلاء هذا البيت شرحاً لا يخلو من غموض ، وهو يتوقف خلال ذلك عند الضمير في (سواه) ،

ولعله ، كما يفهم من كلامه ، كان يرى صحة الكلمة (سواها) بعود الضمير على (النفس) في الشطر الأول . ولكن كل هذا لا يزيل ليس المعنى ، وإنما يزيله أن تدع (سواء) على حالها ثم تصحيح التصحيف الواقع في الكلمة الأولى (متى) وصوابها (فتى) ، ويكون البيت :

فتى لم يمل بالنفس فيه عن العلا   إلى غيرها شيء سواء يميلها

والمعنى أن هذا الفتى الممدوح لا يميل بنفسه عن العلا شئ ، مهما كان (هذا الشئ) يميل بنفس سواء وينحرف بها عن سبيل المعالي . . (جرجا)

اشترك في نشرتنا البريدية