أما أن أبا نواس جدد فى شعره ، بمعنى أنه عبر عن شعوره وصور بيئته تعبيرا وتصويرا جميلين ، أو بمعنى أنه أتى بمعان جديدة فى شعره - فهذا ما لا ريب فيه ولا كلام فى خلافه . ولكنا بإزاء قضية أخرى تتعلق بما جاء كثيرا فى شعر أبى نواس من تهجين التشبيب بذكر الديار والأطلال ووصف الإبل والظعائن ، وإيثار نشوة الخمر ولذات العيش على بيئة الاطلال وما فيها من شظف وبؤس كما يقول :
اترك الأطلال لا تعبأ بها
إنها من كل بؤس دانية
واشرب الخمر على تحريمها
إنما دنياك دار فانية
وكما يقول مؤثرا الخمر ولذاتها على الولع بالنساء والبكاء على منازلهن التى أفوت منهن - يقول بعد أن وصف الخمر وفتية دارت عليهم :
لتلك أبكى ولا أبكى لمنزلة
كانت تحل بها هند وأسماء
وما إلى هذا مما تفيض به خمرياته قالوا : إن أيا نواس ينعى بهذا عليىالشعراء مسلكهم القديم ، ويدعو إلى مذهب جديد . والقائلون هم : الدكتور عله حسين بك ، وأستاذنا السباعى بيومى ، ومؤلفو "تاريخ الأدب العربى لتلاميذ المدارس الثانوية " ومعاصرون آخرون لا نطيل بذكرهم . وردد الدكتور طه هذا الرأى فى بعض فصول " حديث الأربعاء " ، ومن قوله فى هذا الموضوع : " كان أبو نواس يريد أن ينهج بالشعر منهجا بشبهه المنهج الذى نريد نحن وأصحابنا أن ننهجه بالكتابة "
وقال أستاذنا السباعى فى كتابه " تاريخ الأدب العربي فى العصر العباسى " محدثا عن أبى نواس : " ... فقد رفع عقيرته ينعى على الشعراء هذا التشبيب بالقديم ، ويطلب إليهم فى سخرية لاذعة هجره إلى ما أصبح ملائما من جديد " وجاء فى كتاب " تاريخ الأدب العربى لتلاميذ السنة الثالثة الثانوية " فى نفس الموضوع حديثا عن أبى نواس : " وطالما نعى فى مطالع قصائده على شعراء الحضر المحدثين الذين يسلكون مسلك الأعراب ، واستبدل به الابتداء بخمرياته ومجونياته "
وهم يعدون هذا مذهبا جديدا فى الشعر لأنه - فى رأيهم - دعوة إلى تنكب طريقة القدماء التى لا تناسب ما جد من مظاهر الحضارة فى عهد العباسبين ، فكان أبا نواس - إن صح هذا الرأى - يقول للشعراء الذين يصفون الإبل ويذكرون فى أشعارهم آثار الخيام فى الصحراء ، يسألونها عن حبائبهم اللائى كن يحللن بها : إنكم لم تركبوا إبلا ولم تعيشوا فى بادية فتعشقوا بين مضاربها ، فأنتم غير صادقين فى شعركم لأنه لا يصور مشاعركم وحياتكم ، فدعوا هذا المسلك وتعالوا إلى حياتنا الحضرية وقولوا فيما تزخر به . ولنا هنا وقفتان : نقف أولا لنسأل : هل كان أبو نواس يعيب ذكر الديار ومساءلة الأطلال على شعراء الحضر المعاصرين له ؟ أبو نواس يجيبنا فيقول :
اعدل عن الطلل المحيل وعن هوى
نعت الديار ووصف قدح الأزند
ودع العريب وخلها مع بؤسها
لمحارف إلف الشقاء مزند
وأقصد إلى شط الفرات وعاطنى
قبل الصباح وقبل كل مقتد
صفراء تحكى المتبر فى حافاتها
عقد الحباب كاؤلؤ متبدد
فتراه فى البيت الأول يدعو إلي العدول عن الطلل
ونعت الديار و " وصف قدح الأزند " فماهو قدح الأزند ؟ هو الذى شبه به عنترة العبسى حركة الذباب فى قوله :
وخلا الذباب بها فليس ببارح
غردا كفعل الشارب المترنم
هزجا يحك ذراعه بذراعه
قدح المكب على الزناد الأجذم
فأبو نواس لا يخص بحملته " الموهومة " الشعراء المحدثين ، وإنما يتناول بها الجاهليين ، والجاهليون يصورون بشعرهم المشتمل على الأطلال والجمال بينهم وحياتهم أدق تصوير - أفيقول لهم أبو نواس : لا تصوروا حياتكم فهذا مسلك قديم ويجب عليكم أن تكونوا مجددين فهبوا من قبوركم وتقروا من بؤس صحاريكم وتأتوا إلى شط الفرات لتعاطونى صفراء تحكى التبر ... ؟
ثم لنترك هذا ولنسر قليلا لنقف الوقفة الثانية : أبو نواس يأمر بالعدول عن مساءلة الأطلال التى لا تجيب وعدم الاهتمام بسعدى وهند وأسماء الرواحل مع الرواحل وترك وصف البيد وما فيها من نؤى وأحجار وإبل وشاه . نعم ليترك كل هذا لما يلابسه من عناء وشظف ، ولكن لم ؟ يقول أبو نواس :
عد عن رسم وهن كثب
وأله عنه بابنة العنب
وهكذا يقول فى أكثر ما يقول ، فالتغنى بابنة العنب عنده - على ذلك الرأى - هو الذهب الجديد فى الشعر . أى أن الخمر تنوب فى استقبال الشعر الحديث عن كل مظاهر الحياة الحضرية الجديدة ! وتقضى على هذا قليلا ، ولكن يتراءى لنا أن الخمر باعتبارها موضوعا للشعر ليست جديدة ، وإنما هى جاهلية ممتقة ، حتى فى الابتداء كما تراها فى مطلع معلقة عمرو بن كلثوم :
ألا هبى بصحنك فاصبحينا ولا تبقى خمور الأندرينا
وأنت ترى من أبيات أبى نواس الآنفة ، ومن أبياته الرادفة :
لكن هجرتك بعد الوصل أروى
فلم تهجرك صافية عقار
دع عنك يا صاح الفكر فيمن تغير أو هجر
واشرب كميتا مزة عنست وأقصدها الكبر
ومن غير هذه وتلك أن الخمر هى كل شىء عند أبى نواس ، وأن كفتها ترجح بلاد العرب بما فيها من أطلال وإبل ، وبمن فيها وفى غيرها من عند وليلى وأسماء ، فهو بعيد عن أن نظن به ازدراء الأطلال وما إليها دعوة إلى مذهب جديد فى الشعر بعد هذا الظن عن الصواب . ولا يفهم من هذا أننا ننفى الخصومة بين القدماء والمحدثين فى عصر أبى نواس ، فقد كانت هذه الخصومة فى ذلك العهد حقيقة واقعة ، ولكنها إلى عهد أبى نواس وبعده لم تأخذ هذا الوضع الذى نحن بصدده .
ونضرب مثلا عزوف أبى العلاء المعرى عن لذات العيش وإعراضه عن أكل كل ذى روح ، وترديد ذلك فى شعره - أبعد هذا دعوة إلى مذهب جديد فى الفن الشعرى ؟ بل نضرب مثلا آخر أبا نواس نفسه من حيث بغضه المرأة وشذوذه الجنسى - أنقول بأن هذا أيضا دعوة إلى مذهب جديد فى فن الشعر ؟
ولعمر أبى نواس لا أدرى لم لم يعمل بمقتضى دعوته الجديدة ، وغدا يبدأ كثيرا من قصائده بذكر النساء والدمن والإبل ، فيقول فى مطلع قصيدة يمدح بها هرون الرشيد :
حى الديار إذ الزمان زمان وإذا الشباك لنا حرى ومعان
يا حبذا سقوان من متربع ولربما جمع الهوى سقوان
وإذا مررت على الديار مسلما فلغير دار أميمة الهجران
ومدحته للخصيب " أجارة بيتينا أبوك قبور " مشهورة
ويقول مثل ذلك فى كثير من مدائحه . وسيقولون : إنه كان يصطنع الوقار وينشبه بالأعراب عندما يقصد ذوى الخطر بالمدح ، وقبل أن نجاور مدائح ذوى الخطر هؤلاء ، نخص بالذكر منهم الفضل بن الربيع وولديه العباس ومحمدا ، لأنه لم يكن يتحرج - حين يتعرض لمدحهم - من المجون والفحش الذى لا نستطيع أن نأتى به هنا . ومع هذا فإن مدائحه لهم حفلت هى أيضا بالدمن وأخواتها ، بل تعدى عن ذوى الخطر جميعهم ، فتراه يعرج على الطلل يحييه قبل أن يقصد إلى المراح يعاطيها ، قال :
لمن طلل عاري المحل دفين عفا عهده إلا خوالد جون
ويسترسل على هذا النسق فى خمسة أبيات بعد هذا ، ثم يقول :
وذى حلف فى الراح قلت له انثد
فليس على أمثال تلك يمين
وقال :
أربع على الطلل الذى انسفت
منه المعالم أنجم النحس
وبعد ثلاثة أبيات فى وصف هذا الطلل يقول :
وحللت عقد هواى مقتصرا لصبوح موفية على الشمس
فلو أن العدول عن التشبيب فى المطالع ، وذكر الدمن والديار ، منهج يريد أن ينهجه بالشعر ، لالتزمه وما حاد عنه . وبعد فإن هذا المسلك الذى سلكه أبو نواس إنما دفعته إليه الشعوبية وزهادته فى المرأة ، وقد اتخذ من كلفه بالخمر مقابلا محا فضل كل ما عداه ، كما يقول :
حب المدامة مذ لهجت بها
لم يبق لى فى غيرها فضلا
فأما الشعوبية فقد دان بها بعد أن نفض يده من النسب إلى قبائل العرب ، فهو بهذا المسلك يرى إلى تنقيص البيئة العربية ومظاهر الحياة البدوية ، وكثيرا ما يكرر
تصغير العرب فيقول " العريب " كما رأيت فى بعض أبياته السابقة والأبيات الآنية تظهر فيها الشعوبية واضحة :
علاج الشقى على رسم يسائله
وهجت أسأل عن خمارة البلد
يبكى على طلل الماضين من أحد
لادر درك قل لى من بنو أسد
ومن تميم ومن قيس ولفهما
ليس الأعاريب عند الله من أحد
فهو ينكر البكاء على طلل الماضيين ، لا لأن ذلك مذهب قديم فى الشعر ، ولكن لأنهم من بنى أسد ، وبنو أسد وتميم وقيس وسائر الأعاريب ليسوا عند الله من أحد . . .
وهو ينحو نحوا واحدا فى التنديد بالعرب ، سواء ما قرنه بخمرياته على ما رأيت وما جعل الغرض كله منه هجو العرب وحسب ، أو مع الإشادة بالفرس . ومن هذا قصيدة فى هجاء الأعراب والأعرابيات أولها :
ودع الرسم الذى دثرا يعانى الريح والمطرا
ثم يخلص إلى الإشادة بالفرس فيقول :
ألم تر ما بنى كسرا وسابور لمن غبرا
وقد نسلم بأن هذا دعوة إلى مذهب جديد فى الشعر إذا عد ما ذكره هتلر فى كتابه " كفاحى " من تفضيل الشعوب الجرمانية على سائر الشعوب دعوة إلى مذهب جديد فى التأليف . .
فالذى نراه فى أبى نواس أنه كان شاعرا مجددا سلك فى التجديد مسلكا عمليا تستطيع أن تجتليه فى كتب أولئك الأساتذة الآجلاء الذين لا نوافقهم على أنه أراد أن يعيب مذهبا قديما فى الأدب أو يدعو إلى مذهب جديد .

