الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 842 الرجوع إلى "الرسالة"

تصويب (أبحاث) :

Share

كتب الأستاذ رياض عباس كلمة في بريد الرسالة الأدبي عدد    (٨٣٧)  تحت عنوان   (من صميم العربية)  جاء من عناصرها قوله:  إن من الأخطاء الشائعة على ألسنة الكتاب جمع بحث على أبحاث  ثم قال: وهو خطأ لا يجيزه القياس، وكتب اللغة لم تذكره.  اللهم إلا   (أقرب الموارد) . ثم سأل الكاتب الفاضل عن مصدر  صحة هذا الجمع الذي استقى منه صاحب أقرب الموارد.

وإجابة عن هذا السؤال أذكر له قاعدة النحاة الكوفيين  العامة، ومنهجهم في القياس على المسموع من كلام العرب.

وهي تتلخص في جواز القياس على ما ثبت ورود نوعه عن العرب  ولو كان هذا الوارد قليلا. بينما يتزمت النحاة البصريون ويتشددون  في أمر القياس، فلا يقيسون إلا على المسموع الكثير: سواء  في ذلك التراكيب والمفردات.

وقد ثبت أن العرب جمعت وزن   (فعل)  المفتوح الفاء الساكن  العين الصحيحها على     (أفعال)  .

من ذلك حمل وأحمال، فرخ وأفراخ، وزند وأزناد. قال  الله تعالى:   (وأولات الأحمال) . قال الحطيئة:

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر؟

وقال الأعشى:

وُجدت إذا أصلحوا خيرَهم ... وزندك أثقب أزنادها

يرى البصريون أن هذه الجموع ونحوها مما شذ عن القياس  فهي من النادر الذي لا يجوز القياس عليه. فأبحاث ونحوه جمع  خطأ؛ لأن العرب لم تنطق به بذاته.

ويرى الكوفيون احترام المسموع ولو كان قليلاً. فأبحاث  ونحوه عندهم جمع صحيح لا غبار عليه؛ لأن العرب نطقوا بنوعه  وإن كان قليلاً.

وبعد فلعل هذا الرأي هو المصدر الذي استقى منه صاحب   أقرب الموارد ما أورده. وأكبر الظن أنه ليس له مصدر سوى هذا أما ترجيح أحد الرأيين على الآخر فالذي أميل إليه في هذا  النزاع بذاته رأي الكوفيين؛ إذ قد ورد في اللغة الفصحى مع  ما ذكرت أولا: أفراد وآلاف وآراء. وفي هذا قلب مكاني  وأنجاد وأنهار وأنحاء. وكثر هذا الجمع في واوي الفاء ومضعف  اللام. مثل: أوقاف وأوقات وأوصاف وأوكار وأوعار وأوغاد؛  وبمثل: أجداد وأعمال وأبرار وأفذاذ. وربما كان في اللغة وغيرها.  وهي طائفة صالحة للقياس عليها. وهذا يدل على أن العرب  طردوا هذا الوزن   (أفعال)  في جميع أوزان الاسم الثلاثي المجرد  العشرة بلا قيد ولا شرط. نعم إنهم لم يكثروا منه في جمع المفرد  المفتوح الفاء الساكن العين الصحيحها. ولكن هذا لا يمنع  من القياس على ما سمع منه كما ذهب إليه نحاة الكوفة. وبهذا  ظهر أن قول الأستاذ رياض:   (وهو خطأ لا يجيزه قياس)   إن أراد قياس البصريين فمسلم، وإن أراد قياس الكوفيين فلا.  كما عرفت، وأن مصدر   (أقرب الموارد)  اللغوي هو الاعتماد  على هذا القياس، لأن كتب اللغة في الغالب لا تذكر الجموع  القياسية اتكالا على معرفة القواعد. فهذا جواب السائل المفضال.    (وفوق كل ذي علم عليم) .

الاعتبار بالحرفة!

يرى الأستاذ محمد منصور خضر أن     (الاعتبار بالحرقة)   في  كلام الجنيد خطأ وأن صحته   (الاعتبار بالحرفة)  بمعنى المهنة  أو الصنعة لأن التصوف الحق هو العمل والعمل عندهم هو الحياة.

وأرى أن     (الاعتبار بالحرقة)   هو الصحيح هنا ومعناه الحب  والتشوق الذي يشغل الإنسان عن ما سوى الله ويزداد  حرقة وحرارة بازدياد القرب ومعنى قول الجنيد أنه ليس الاعتبار  بالظاهر من اتخاذ الشارات ولبس الصوف وأكل الخشن وإنما  الاعتبار بالباطن وما وقر في الصدور من الإخلاص والصدق  والحب والمراقبة. . . والمواجيد الأخرى.

ومن ناحية سلبية يمكن القول أن التجرد عند الصوفية أسمى  من التعلق بالأسباب ولكن الصوفي قد لا يتأتى له من الاجتهاد  ورفع الهمة حتى يتحقق بالتجرد فيأخذ بالأسباب ويدعو السالكين

في بدء دخولهم في الإرادة إلى ذلك. فرفع الهمة والأخذ بالأسباب  معا في نفس الصوفي يجني تزايد هذا من تناقص ذا. ولكن غاية  الصوفي التجرد ورفع الهمة حتى قال أحدهم   (من تزوج أو تحدث  أو سافر في طلب المعاش فقد ركن إلى الدنيا)  وشاور أحد المريدين  الخواص في أن يعتزل الناس ويعتكف في المسجد فقال   (إن كنت  على إيمان إبراهيم الخليل فاعتكف)  وفي حكم ابن عطاء الله    (إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة  الخفية وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط  عن الهمة العلية) .

فالاعتبار بالحرفة أمر لا يتفق وروح الصوفي الذي ينزع  إلى الخروج إلى الله والتجرد من الأسباب والتحرر من رق  الآثار والأكوان.

اشترك في نشرتنا البريدية