كاتب هذه القصة قصاص روسي ، يمتاز بسعة الخيال والسخرية اللاذعة ، وقد كانت قصصه كلها علة قوية على كبار موظفي الدولة الذين كانوا يعدون أنفسهم أنصاف آلهة ، ويحكمون في عباد الله من أفراد الشعب الذين يرميهم سوء الطالع تحت أيديهم . . وفي هذه القصة الطريقة (تضحية الأرنب) ، لم ينج من سخريته اللاذعة المتخاذلون الذين يضحون عن مجابهة الظلم .
جلب الأرنب على نفسه ذات يوم سخط الذئب ، إذ كان يجري علي مسافة غير بعيدة من عربي الذئب وكان الذئب حاكما بأمرء في هذه الناحية ، فلنهاون ولنسم حجره عرينا فآره الذئب وناداء قائلا : " أما الأرنب الصغير لحظة قصيرة يا عز بزي ؛ " ولكن الارنب بدلا من ان يقف اطلق لساقيه العنان ، وجري بأسر ع ما في طاقته ؛ فما كان من الذئب إلا أن قفز قفزات ثلاثا كان الارنب علي أثرها بين يديه . قال له الذئب : " أما وقد جريت حين امرتك بالوقوف ، فهاك حكمي عليك : إنني أحكم عليك بالإعدام ببتر أعضائك . ولما كنت قد تناولت غذاني اليوم ، وكانت زوجتي هي الاخري قد تغدت ، وكنا قد ادخرنا طعاما يكفينا خمسة أيام ؟ فستجلس هنا محت هذا الآيك وتنتظر دورك ، وربما - ها ! ها ! ها ! - أعنو عنك ! " .
وهكذا ربص الأرنب تحت الأبك وما تحرك . كل ما كان يدور بفكره شئ واحد : كم من الأيام وكم من الساعات ستمر قبل أن يلقي قضاءه ؟ كان ينظر إلي العرين فيري أعين الذئب البراقة ترقبه ، ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل إن الذئب كان يخرج من العرين مع زوجه أحيانا ويتمشيان بالقرب منه ، ثم يرمقانه بنظرة ، ويقول الذئب شيئا لزوجته بلغة الذئاب ، ثم ينفجران بعد ذلك
ضاحكين : " ها ! ها ! ها ! . " وقد يخرج معهما صغار الذئب جميعا ويجرون حوله ويلهون ويتمسحون فيه برؤوسهم ويكشفون عن انيابهم . . فيخفق قلب الارنب المسكين ، ويثب بين حنايا ضلوعه .
ما أحب الحياة كما أحبها إذ ذاك . كان أرنبا وسيما عليه مهابة ووقار ، وكان قد اختار عروسا له كريمة ارملة من عقيلات الآرانب ، وكان في طريقه إليها - تلك الخطيبة المحبوبة - عند ما قبض عليه الذئب من عنقه .
ستسقي خطيبته المحبوبة وحدها تنتظر وتفكر : " إن محبوبي الجميل قد هجرني ؛ " أو ربما - انتظرت - انتظرت . . و .. احبت غيره . . و.. او ربما هي الأخرى ، تلك العزيزة الصغيرة ، كانت تلهو بين الأحراش واقتنصها ذئب !...
وبكي حتي كادت الدموع تخنقه : " إذا فهذه هي نهاية قصور الاماني التي بنيتها في الهواء ؛ انا الذي لم يكن بيني وببن الزواج قيد انملة واشتريت ادوات الشاي ، وكنت اتطلع بشوق إلي الوقت الذي أشرب فيه الشاي بالسكر مع زوجتي الصغيرة . والان بدلا من كل ذلك ما الذي حدث ؟ . . كم من الساعات بقيت لي حتى أموت ؟ " .
وعليه النعاس ذات ليلة فنام حيث كان يجلس ، ورأي فيما يري النائم ان الذئب عينه مندوبا له فوق العادة ، وفي
أثناء غيبته لإداء واجبانه كان الذئب يقوم بزيارات إلي عروسه الارنبة . وفجاة احس بيد نمس جانبه . فصحا من نومه مذعورا ، ورأي شقيق عروسه بجانبه يقول له : " إن عروسك تحتضر ، لقد سمعت مما حل بك ، فحزنت حزنا شديدا ، ولم يحتمل هول الصدمة ، وكل ما يشغل فكرها الآن هو كيف تفارق الحياة دون ان نودع حبيبها الوداع الأخير ؟ ! "
وأحس المحكوم عليه عند سماع هذه الكلمات كان قلبه سيئب من بين ضلوعه . لم كل هذا ؟ ! وهل يستحق هذا القضاء المرير والحكم القاسي ؟ لقد عاش طول حياته نزيها شريفا ، فلم تدنس نفسه الأغراض ، ولم يحرض على فتنة أو ثورة ، ولم يحمل في يده سلاحا ؟ لقد كان دائما مقبلا على عمله معنيا بشئونه . أو ينبغي أن يموت من أجل ذلك ؟ الموت ؛ بالها من كلمة رهيبة قاتلة ! ثم لا يموت هو وحده ، بل ينبغي أن يموت هي أيضا ، هي ! حبيبته العذراء التي كان كل جرمها أنها أحبته ، أحبته من كل قلبها ! آه لو كان في مقدوره ! إذا لطار إليها
حبيبته الشهباء الصغيرة - واخذ راسها الجميل بين مدينة الاماميتين وداعها وراء اذنبها وعركهما ، وامر يده في لطف عليها مدللا ! لو كان في مقدوره : ! ولكن أني له ذلك ؟ !
قال الرسول : " فلنهرب " . وحين سمع المحكوم عليه هذه الكلمة وقف مبهوتا لحظة كمن قد تحور . وتقلص الأرنب وامتدت أذناه علي طول ظهره ، وتحفز للوثوب والعدو ؛ ولكن بصره اتجه في تلك اللحظة إلي عرين الذئب ، تخفق قلبه رعبا ، وقال لزمه : " لا استطيع فلم يعطي الدئب إذنا " وكان الذئب طول هذا الوقت يرقب ويتسمع ويهمس خافتا بلغة الذئاب إلي زوجه . لا شك أنهما كانا يمتدحان نبل الارنب .
وقال الرسول مرة ثانية : " فلنهرب " . فكرر المحكوم عليه : " لا استطيع " . وفجأة دوي صوت الذئب : " ما الذي تتآمر ان عليه هناك ؟ " .
ووقف الأرنبان مسعرين في مكانهما . لقد ضاع الرسول هو الآخر . أن يحرض سجينا على الفرار ، أهذا مسموح به ؟ ااه !!! إن الارنبة العذراء ستفقد الحبيب والشقيق كليهما ، فلسوف يمزقهما الذئب وزوجه شر ممزق
وعند ماتاب الأرنبان إلى وعيهما كان الذئب وزوجه يكشفان لهما عن نيوبهما وايرقت عيونهما في الظلام كشرر من نار .
وتمتم المحكوم عليه ، وقد استولى على قلبه الهلع : - ياسعادة الذئب ! ليس في الأمر شئ . لقد كنا نكلم ، نتكلم ليس غير . . جار لي أتي يزورني .
- لا شئ ! ها ! أنا اعرفك ؛ لا يذوب الزيد في فك ! ها ها قل الحق ! ما معني كل هذا ؟ .
وهنا قال شقيق العروس : " المسألة ياسعادة الذئب هي ان اختي خطيبته على فراش الموت ، وتستفهم إن كان في المستطاع أن يذهب ليودعها ؟ " .
فهزت الذئبة رأسها وقالت : " هم . . من الحق أن تحب العروس خطيبها . وسيترتب على هذا ان يكون لهما نسل كثير ، ويكون للذئاب غذاء أكثر . أحب الذئب ويحبني ، ولنا الآن أبناء كثيرون ، كبر اغلبهم وبقي لنا اربعة صغار ، ذئبي ذئبي ! ماذا لو تركناه يذهب لوداع خطيبته ؟ "
- ولكن المفروض ان ناكله بعد غد . . فأسرع المحكوم عليه قائلا : " سأعود ثانيا ياسعادة الذئب ، سأذهب في لمح البرق . . أنا . . حقيقة سأرجع ثانية " .
ولكي يري الذئب أنه يستطيع أن ينطلق في أقل من لمح البرق ، هم في خفة عجيبة ، حتى إن الذئب لم يتمالك نفسه من فرط الاعجاب وقال لزوجه : " اه لو كان جنودى كهذا الأرنب " وقالت : " ألا تري ذلك ؟ ليس إلا أرنبا ومع ذلك انظر كيف يحب أرنبته "
لم يكن هنالك بد قبل الذئب ان يسمح للارنب بالدهاب على ان يعود في الوقت المحدد بالضبط ، وعلى ان يحتفظ بشقيق العروس كرهينة ، ثم قال : " إذا لم تعد في الساعة السادسة من صباح بعد الغد سألتهمه بدلا منك ، وإذا اتيت سألتهمك انت أيضا ، على أني ربما ها ! ها ! ها ! أعفو منك " .
وانطلق الأرنب كالسهم انطلق من قوسه ، وارتجت الأرض تحت قدميه وهو يعدو ، لم يعبأ بما لقي في طريقه من صعاب ، فالجبل كان يتخطاه متسلقا ، والنهر لم يقف ليبحث عن مكان ضحل فيه ليعبر منه ، بل كان يقفز سامجا على الفور ، والمستنقع كان يجتازه واتبا من عشب إلي عشب لم يكن ذلك بالأمر الهين ! ان يقطع الريف الشاسع ويذهب إلي الحمام ويتزوج ( طول الطريق وهو يقول لنفسه سأتزوج.. سأتزوج.. سأتزوج ) ثم يعود ثانية في الوقت المضبوط لإفطار الذئب . .
حتى الطيور عجبت لسرعته وتحدثت بذكرها . وأخيرا . . وصل . لا اللسان بقادر علي الكلام ولا القلم يستطيع وصف ذلك اللقاء وحرارته
نسيت الأرنبة الشهباء ما بها من مرض عند رؤية حبيبها ، ونهضت على رجلها الخلفيتين ، ووضعت على رأسها طيلة واخذت تدق قطعة موسيقية اسمها " قدوم الفارس " أعدتها كمفاجأة لخطيبها الحبوب ؛ وطارت الأرنية الأرملة من الفرح بزوج ابنتها المقبل ، فلم تعرف أي مكان مجلسه فيه ولا أي طعام لائق به تقدمه له ؛ وأقبل العمات وأولاد
العم والجيران من كل صوب ليحظوا برؤية العريس ، وربما ليتذوقوا بعض ما يقدم إليه من الوان والتكريم وصنوفه .
العريس وحده لم يكن في حالة عادية ؛ فبينها هو بين يدي خطيبته إذا " يصبح فجاة قائلا : "لابد ان اذهب إلى الحمام وأتزوج في الحال" .
فسألته حماء مبتسمة : " ولم هذه العجلة ؟ " - لا بد أن أعود ، فقد أعطاني الذئب إذنا بالغياب ليوم واحد " .
ثم قص عليهم كل شئ والدموع تنهمر من مآفيه في غزارة وحرقة . ولقد كان الذهاب شاقا مؤلما ، ولكن لم يكن منه يد . لقد أعطي كلمته والكلمة عند الأرنب قانون وصاح العمات وأولاد العم في صوت واحد : " الحق ما تقول أيها الارنب العزيز ، فما دمت قد وعدت فالوعد مقدس ، وما عرف عن قبيلتنا قط أن أرنيا أخلف وعده .
تحكى الحكاية وسرعان ماتنتهي ، ولكن حياة الأرنب أسرع مضيا وانتهاء ، ففي الصباح رحبوا بالأرنب العزيز وقبل ان يأتي المساء ، كان قد افترق عن زوجه الصغيرة ، قال لها قبيل رحيله : " سيأكلني الذئب لاشك في ذلك فكوني وفية لي امينة على عهدي . وإذا رزقت صغارا فأحسني رعايتهم وربيهم على الاستقامة والانصاف ، وخير ما أوصيك به أن تلحقيهم بسرك يتتلمذون فيه ، فهناك لا يتعلمون الدق على الطبول فحسب ، وإنما يعلمونهم إلى جانب ذلك رماية البندق " . وكانما قد تذكر الذئب فأطرق مفكرا ثم قال فجأة : " وربما ، ها ! ها ! يعفو الذئب عني "
وكان هذا آخر عهدهم بالأرنب . وبينما كان الارنب ينعم في احضان الحب وزوجه كانت كوارث واهوال تقع في ذلك الفسيح من الأرض الذي يفصله عن عرين الذئب . ففي إحدي النواحي هطلت سيول حتي إن النهر الذي عبره الارتب في اليوم السابق بسهولة
وببساطة امتلا وفاض ، وعمرت مياهه مساحة كبيرة من الأرض المحيطة به وفي ناحية اخري اعلن الملك أرون الحرب على الملك نيكيتا ، وقامت معركة جانبية الوطيس في طريق الارنب بالذات ؛ وفي مكان ثالث ظهر وياه الكوليرا واقيم محجر صحي علي امتداد مائة ميل مربع وفوق كل ذلك كان الطريق مليئا بالذئاب والتعالب والبوم . وكأنها كانت متحفزة للانقضاض عليه في كل خطوة
وكان الأرنب الصغير حريصا عاقلا رتب أمره على أن يكونه ثلاث ساعات فوق ما تستغرقه الرحلة عادة من زمن ؛ ولكنه لما وجد العقبات الكؤود تصادفه الواحدة بعد الاخري خار عزمه ؛ على انه ظل يعدو دون توقف طيلة المساء ومعظم الليل . شققت الاحجار قدميه ، ومزقت الأعشاب الشائكة فراء فتناثرت ، وعلت عينيه غشاوة ، وطفح الزبد والدم من فيه ، ولم يزل أمامه أشواط ، وترامت له صورة صديقه الرهين ، وعذبت نفسه وأشفتها . إنه يقف الآن كالديدان امام عرين الذئب يفكر : " سيصل نسيبى العزيز بعد ساعات ويخلص
وعند هذه الفكرة اندفع بكل قواه كالسهم . كل شئ كان لديه سواء ، الحبال ، الوديان ، الغابات ، المستنقعات . لم تكن لتوقفه تلك عن سبيله . وكثيرا ما شارف على اليأس والاستسلام ، ولكنه كان يتغلب بإيرادته الحديدية على تلك النزعات التي تريد أن تثنيه عن عزمه . لم يكن لديه وقت للأسي والبكاء ، ولا ينبغي أن يفكر إلا في شئ واحد كيف يخلص صديقه من براثن الذئب
انبثق فجر اليوم التالي ، فانسلت الخفافيش واليوم إلي مخابئها ، واقبلت نسائم الصباح الباردة وفجاة خيم على الكون سكون وهيب لا يفترق عن سكون الموت ولم يزل ذلك الارنب الصغير منطلقا في طريقه تسيطر على نفسه فكرة واحدة : " هل اصل بعد فوات الوقت لانقاذ صديقي ؟ " وبدت في الشرق ظلال حمراء ، صبغت في
البداية أهداب السحب المترامية في الإفق البعيد بحمرة تاريخية خافتة أخذت تنتشر وتنتشر ، وتأججت في النهاية وامتدت غيبا ، وتألق الذي فوق الحشائش ، وصحت الطيور من رقادها ، وأخذت الهوام ندب ، وعلا في السماء دخان خفيف من بعيد ، وسري بين الحشائش همس وحفيف اخذ يتضح ويتجلي رويدا رويدا . ولكن الارنب الصغير لم ير شيئا ، ولم يسمع شيئا ، وإنما طفق يردد في نفسه المرة بعد المرة : " لقد ضيعت صديقي ! ضيعت صديقي !"
وأخبرا تل ! ووراء التل مستنقع ، وفي المستنقع عرين الذئب . . وأسفاه أيها الأرنب واسفاه ! لقد جئث بعد فوات الوقت !
وبمجهود نهائي جمع كل ما بقي فيه من قوة ثم وثب إلي قمة التل ، ولكنه لم يستطع بعد ذلك حراكا ؛ لقد أضناء الكلال والاعياء ، افبعد كل ذلك يخفق ؟ وعرين الذئب تحت ناظريه ؟ ومن بعيد دقت ساعة ست دقات كل دقة منها كانت كالمطرقة تدق فوق قلبه ، ذلك المخلوق البائس المحطم . وعند الدقة الأخيرة نهض الذئب من عرينه ، وتعطي ، وهز ذيلة تبها وعجبا ، ومضي إلي الارنب الرهين ، وقبض عليه بين مخالبه وانشب فيه اظفاره ، كي يشطره شطرين : شطرا له ، وشطرا لزوجه ؛ واحاطت صغار الذئب بأيوبهم كاشفين من أنيابهم متطلعين
وفجأة دوي صوت الارنب الصغير كمائة ألف ارتب في واحد : " ها أنذا ! ها أنذا ! " وألقى بنفسه من قمة التل إلي المستنقع
أثني عليه الذئب ، ثم قال : " الآن أدرك أن من الممكن الثقة بكلام الأرض بإ صغيري العزيزين . ها كما قضائي ، اجلسا كلا كما تحت هذا الآيك وانتظرا حتى استعد لكما وبعد ذلك فإني ! ها ها ! سأعفو عنكما " .

