لابد أنك تعلم أن من أمراض الجسم تضخم بعض أعضائه ، كتضخم الكبد أو الطحال أو القلب ، وإذ ذاك يختلف توازنه ويسبب التضخم من المتاعب والأمراض ما يعرفه الأطباء .
إن كان كذلك فهناك نوع من المرض النفسى شبيه بهذا المرض الجسمى هو (( تضخم الشخصية )) ، فتتمدد النفس وتتمدد حتى قد تشمل الكون بأسره .
وكما أن الجسم قد يصاب أحيانا بالتضخم العام ، فتنتفخ كل أجزائه ، وتتضخم كل أعضائه ، فيكون الطول المفرط فى كل نواحيه ، أو السمن المفرط فى كل أجزائه ، وقد يصاب أحيانا أخرى بالتضخم الخاص ، فتتضخم الكبد وكل أجزاء الجسم الأخرى محتفظة بحجمها الطبيعى ، كذلك التصخم النفسى .
قد يكون هناك تضخم نفسى نوعى ، وباقى الشخصية سليم لم يصب بأذى ولم يمرض بتضخم . فهناك من تضخمت شخصيته فى شعوره بجماله ، فهو يرى فى نفسه أنه قسيم وسيم ، قد أفرغ فى قالب الجمال ، وطبع بطابع الحسن ، وأنه ممشوق القد رشيق القوام ، لا يقع الطرف على أجمل منه صورة ، ولا تفتح العين على أتم منه حسنا ! .
قد جن بهذه العقيدة جنونا ، فهو يديم النظر فى المرآة ، وهو يتأنق إلى أقصى حد فى ملبسه وفى مشيته وفى حركته ؛ إن كان رجلا فهو خليق أن يصرع أجمل إمرأة ، وأن يوقعها فى شباكه ، ويذلها بنظرته ؛ وإن
كانت امرأة فهى جديرة أن تتزوج أحسن رجل ، وأن يكون فريستها أى عظيم ! .
تتضخم هذه الناحية من شخصيته أو شخصيتها فتكون محور الحياة وهى ومركز التفكير ، ومصدر الأعمال ، وباعث السلوك - حياته كلها حول التفكير فى جماله ، وحديثه كله حول من وقع فى شباكه ومن أسرهم بحسنه ، وملابسه وكيف يشتريها وكيف يخيطها ، وآماله فى الزواج ، ومن يصلح من العظماء لمصاهرته ، وهو يغشى المجامع الارستقراطية ليبهر الناس بحسنه ، ويروعهم بروائه ويفتنهم بجماله ، وهو يلتفت ويتحرك وينظر ، بقوانين دونها قوانين الهندسة المعقدة والجاذبية المركبة ! .
هو مجنون جنونا فرعيا بجماله فحسب ، وفيما عدا ذلك عاقل كل العقل حكيم كل الحكمة ، غاية الأمر أن جنونه بجماله لم يسمح له بالتفكير فيما عداه إلا بقدر ضئيل جدا .
وهذا آخر قد جن جنونا فرعيا فى عقيدته بكفايته العقلية أو الفنية أو الادارية ، فهو يرى أنه قطب أهل العلم وعميدهم وإمامهم ، رأيه مقطع الحق ، ومفصل الصواب ، قد استبطن دخائل العلم ، واستجلى غوامضه ، وخصه العلم بأسراره ، فلم يمنحها إلا له ، ولم يقفها إلا عليه ؛ هو فى جيله نسيج وحده ، وإمام عصره ، لولاه لغاب نجم العلم وخبا ضوءه ، وهو وحده نصير الحق ، ورافع راية الصواب ، ولولاه لعاش الناس فى ظلام دامس ، وضلال مطبق ،
- ١٧٠١ -
وويل للناس إذا هدأ صوته أو خرج روحه !
أو هو فى فنه أطرب من سجع الحمام ، وأحسن من الدر فى النظام ، ألفاظه العذب الزلال أو أرق ، ومعانيه السحر الحلال أو أدق . يستطيع بقلمه أن يقيم حكومة ويسقط حكومة ، ويرفع الوضيع ، ويخفض الرفيع ، ويثير الشعب ويوجهه حيث أراد . القادة تتعلقه لأنها ترتكز على سن قلمه ، والحكومات تهابه لأنها تخشى معرة لسانه ، تتناقل الألسنة فى الشرق والغرب كلماته ، ويحل العالم بآرائه معضلاته !
أو هو فى إدارته سياسى حازم ، صادق العزم ، ثابت العقد ، إذا قصد أمرا عرف كيف يبتغى له أسبابه ، ويتوخى وجوه نجحه . الحكومات كلها فاشلة لأنها لم تستند عليه ، والشعب مغفل لأنه لم يوله قيادته ، ولا يصلح أمر أمته إلا إذا أسندت إليه رياسة وزارتها ، فهو وحده القدير على أن يضع برامج الاصلاح ، ويعرف كيف ينفذها ؛ وسوف تمر السنون تلو السنين وأحوال الشعب فى منتهى السوء حتى يلتفتوا إليه ويعولوا عليه ! .
ثم تراه - فيما عدا جنونه الفرعى أو تضخمه الجانبى - عاقلا فيما يعرض له ، حكيما فيما يتصرف فيه ؛ فهو فى المسائل المالية ناجح دقيق ، وهو فى دراسته وقراءته وكتابته ذكى نبيه ، وهو فى شؤون أسرته خبير بصير - وعلى الجملة إذا أنت لم تمس ناحية جنونه أمنت له واطمأننت إليه وأحسنت تقديره . أما إن أنت قاربت موضع الخطر منه سمعت سخفا يثير عجبك ، ويستخرج ضحكك ، وتقع فى حيرة من أمره ، فى جنونه وعقله ، وحكمته وسفهه ، وكياسته وحمقه ! . والحق أن لا عجب فقد يصح القلب وتتضخم الكبد ، ويصح الرأس ويمرض القلب .
وهناك نوع من التضخم الكلى فى الشخصية
كالتضخم الكلى فى الجسم ، فيرى صاحبها أنه مركز العالم وما عداه ليس إلا نقطا على المحيط ، هو فى كل شئ أوحد عصره وفريد زمانه ، تميز عن النظراء وترفع عن الأشكال ، لا يقع النظر على مثله ، ولا يبلغ فى الوجود أحد مبلغه ، هو فى شكله أجمل مخلوق ، وهو فى عقله أكمل من فى الوجود ، وهو فى أخلاقه لا يبارى ، وفى تصريفه للأمور لا يجارى ، وفى إدارته وحزمه وعزمه ونبله وفضله أسبق الناس غير مدافع ، وأفضلهم غير معارض ، ما فى الدنيا من محامد فهو مصدره والموحى به والمشير على الزعماء بالأخذ به ، والمتفضل عليهم بسلوك سبيله ، وما فى الدنيا من نقص فلأن الناس لم يأخذوا فيه برأيه ولم يصغوا فيه إلى نصحه ، وما فى العالم من مشكلات ومعضلات فلأن العلماء لم يستفتوه فى حلها ولم يستعينوا به فى حل ألغازها - العالم مخلوق له ، والشمس والقمر والنجوم تنير من أجله ، والأرض تنبت خير ما عندها لمتعته ، والبحر يضحك لطلعته ، والرياض نزهر لسواد عينه ، وعلى الجملة فكل شىء منه وبه وله ، ولولا أثارة من تواضع لحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى ، ولطالب الناس بعبادته وفرض عليهم شعائر الخضوع لعظمته .
ثم قد يظهر مرض (( تضخم الشخصية )) فى بعض الأزمان فى شكل وبائى ، كما تظهر الحمى وبعض الأمراض الأخرى فى شكل وبائى أيضا ، كالذى نرى فى كثير من شبابنا ؛ فهم فى المدارس الثانوية والمالية قد تضخمت شخصيتهم حتى (( ضمرت )) بجانبها شخصية العلم والناظر والوزارة ؛ فهم الذين يقررون أن يدخلوا الدرس أو لا يدخلوا ، وأن توقع عليهم عقوبة على ذلك أو لا توقع ، وإذا دخلوا الدرس فهم الذين يقررون ما يدرس فيه وما لا يدرس ، وقد يقررون أن مزاجهم اللطيف ليس مستعدا لسماع درس
- ١٧٠٢ -
فى القواعد السخيفة ، ولا التطبيقات المستمة ، ولا المطالعة السمجة ، ولا البلاغة الهزيلة ؛ وإنما أمزجتهم مستعدة فقط لنوادر مضحكة و (( نكت )) لاذعة وقصص مسلية ، فإن شاء مدرسهم أن ينزل على حكمهم وإلا فالإضراب ، وله تمام الحرية فى الاختيار .
وكما نرى فى كثير من شبابنا عند بدء توليهم عملا ، فتتضخم شخصيتهم حتى (( تضمر )) بجانبها شخصية رؤسائهم ؛ فهم لابد أن يختاروا العمل الرئيسى بقطع النظر عن المران والسن والأقدمية ، ولابد أن يكون لهم مكتب رئيسى يتناسب وعملهم الرئيسى ، ولابد أن يأمر المرءوس الشاب ويسمع الرئيس الشيخ .
وكان تضخم الشخصية عند شباب الجيل الحاضر (( رد فعل )) لضمور شخصيتهم فى الجيل الماضى ؛ فقد كانوا آلات تتحرك و (( عسا كر شطرنج )) فى يد اللاعب .
وقد يكون سبب ذلك أن السياسين استغلوا قوتهم وأشعلوا عواطفهم ، وأسمعوهم دائما نغمة الإعجاب ونغمة الحقوق ، ولم يسمعوهم أبدا نغمة العتاب ولا نغمة الواجبات ، وما زالوا ينفخون فيهم حتى تضخموا ، وأيا ما كان فليس المقام مقام تحليل للأسباب ، ولكن تسجيل للأعراض .
تضخم الشخصية مرض يخل توازن النفس كما يخل تضخم عضو من أعضاء الجسم توازنه ، ويمنع صاحبه من رؤية الحقائق كما هى فى الخارج ، بل يراها كما يمليه تضخم شخصيته ، وكما يمليه جنونه بنفسه ، فما اتفق وهذا الجنون فخير وإلا فشر ؛ خير الناس فى نظره من سايره فى عقيدته وأشعل نار جنونه ، وخير الآراء عنده ما غذى شعوره بالعظمة ، وإحساسه بالنبوغ ، وأشهى الحديث إليه ما دار حول كماله هو ونقص غيره ، وعبقريته هو وسخف من عداه ! .
وصحة الشخصية تقتضى كمال التوازن فلا يطغى جانب من شخصيته على جانب ، ولا تطغى شخصيته على شخصيات الناس ، وإذ ذاك يستطيع أن يقدر تقديرا صحيحا من هو فى نفسه ، ومن هو فى بيئته ، ومن هو فى ماله ؛ فلا تضخم ولا ضمور ، ولا تطفيف فى المكيال ولا بخس فى الميزان ، ثقة بالنفس فى غير مغالاة ، ووضعها موضعها من غير تحقير .
وكان الطبيعى أن ينظر إلى هؤلاء الذين تضخمت شخصيتهم نظرة عطف ورحمة ، كنظرنا إلى من تضخم قلبه أو كبده أو تضخم كله ، ولكنا نرى فى عالم تضخم الشخصيات مناظر متناقضة وأشكالا متباينة ! .
نرى ممن أصيبوا بتضخم الشخصية من أصبحوا سخرية قومهم ، وملهاة صحبهم ، اتخذوا جنونهم دعابتهم ، وأحاديثهم عن أنفسهم هزأهم وموضع عبثهم ؛ ولكن بجانب ذلك نرى بعض من أصببوا بهذا المرض قد تفاعل تضخم شخصيتهم مع أحداث زمانهم ، فرفعهم هذا التفاعل إلى أرفع مكان فى قومهم ، وأحلهم محل القادة فيهم ، وموضع الأمر والنهى منهم ، وصاحب السيطرة والسلطان عليهم ، وأصبح من يهزأ بتضخم شخصيتهم خاضعا تابعا سميعا مطيعا . !
وعلى الجملة نرى هذا سخرية قومه لتضخم شخصيته ، وذاك معبود قومه لتضخم شخصيته ، فهل هذا خيط عشواء كما قال زهير فى المنايا :
رأيت المنايا خيط عشواء من نصيب
تمته ، ومن مخطئ يعمر فيهرم
أو هو قانون محكم ولكنه معقد ، ومطرد ولكنه غامض ! ذلك ما لا يعلمه إلا الله والراسخون فى العلم .
- ١٧٠٣ -
