يضطرنا تطبيق نظرية التطور على الاحتلال البريطانى لمصر إلى تناول أساس هذه النظرية بالشرح المقتضب مرة أخرى حتى يسهل على القارئ تتبع هذا البحث .
سبق أن قلنا فى بحوث سابقة إن الموجودات ، ماديها ومعنويها ، تشتمل جميعاً على نقائض لا تكف لحظة عن التفاعل والتصادم اللذين ينتهيان دائما بتغير الأوضاع . . وهكذا يحدث التطور . ولزيادة هذا القول بياناً وتحديداً نقول إن كل موجود مادى أو معنوى ، يشتمل على تقيضين ، أولهما البادى للعيان ، وثانيهما المستتر الذى يكافح الأول ليقضى عليه ويحل محله . ويظل الكفاح ناشباً بينهما حتى يتغلب الثانى ، ويسمى النقيض السالب ، على الأول ، ويسمى النقيض الموجب ، ويستهلكه ويحل محله ، فيقع عندئذ التطور . ثم يظهر نفيض جديد اشتمل عليه النقيض المنتصر ، وتتجدد بينهما المعركة على غرار ما سبق ، وينتصر النقيض الجديد فيقع تطور جديد . . وهكذا تسير الأمور .
وكل موجود مكون من شكل ظاهر ، ومن لب يشتمل عليه ذلك الشكل . وقد جرى المشتغلون بالفلسفة على تسمية اللب " المضمون " . فالقالب هو المظهر الخارجى للنقيضين المتصارعين ، والمضمون هو ازدواج النقيضين وتصارعهما . وحين ينتصر النقيض السالب على الموجب ويقع التطور، يتحتم على الغالب أن يعدل وضعه أو يتبدل ليلائم مضمونه . .
لست أنكر الفموض الذى يكتنف هذا الشرح المقتضب ، ولكنى زعيم أن تطبيقه على الواقع سيضىء غوامضه . . فإذا حاولنا أن نتبين من الاحتلال البريطانى لبلادنا قالبه ومضمونه ، فلعل من السهل أن نرى أن قبضة النظام الاستعمارى هى الغالب ، وأن الكفاح الناشب بين قوى الاستعمار وبين مقاومتنا الشعبية هو المضمون ، ولن يخفى علينا كذلك أن لمحاولة الاستعمار الاحتفاظ بنفوذه هى النقيض
الموجب المقضى عليه بالزوال . وأن مقاومة الاستعمار هى النقيض السالب الذي لا بد أن يعقد له النصر في النهاية . . على أن هذا القول مقتضب بدوره ، وفي حاجة إلى شرح مسهب لتتضح معالمه كل الوضوح .
إن التناقض بين الكبت الاستعمارى وبين ما يتولد عنه من التألب عليه لرفع نيره ، ودفع غوائله ، هو التناقض العام الذى يكتنف مشكلة الاستعمار الرئيسية ، ولكن هناك تناقضات أخرى تتصادم فى نطاق المشاكل الجزئية المتفرعة عن تلك المشكلة الرئيسية ، وسنقصر هذا البحث على بيان بعضها .
من البديهى أن الاستعمار البريطانى لمصر بتوخى استقلالها على أوسع نطاق ممكن ، وعلى ذلك يجد نفسه أمام نقيضين متضاربين : أولها العمل على الحيلولة دون خلاص البلاد من الفقر والجهل ليطمئن إلى بقائها في حوزته . وثانيهما تنمية مواردها ، والاستعانة بأهلها على ذلك حتى يحقق ما يصبوا إليه من استغلالها على الوجه الذى يرضى جشعه . وهكذا وجد نفسه منذ أول عهده باحتلال البلاد أمام مشكلة هذين النقيضين اللذين لا محيص عن تصادمهما . فلم ير حيلة إلا أن يعمل على تأجيل وقوع ذلك التصادم ، ثم التخفيف من حدثه حين وقوعه على قدر إمكانه .
وجدت بريطانيا أن أثمن ما يمكن الحصول عليه من خامات مصر ، وأيسره منالا ، هو قطنها . وكانت المصانع البريطانية فى أشد الحاجة إلى قطن مصر الذي لا تجود تربة غير تربيتها بمثله . فلم يلبث الاستعمار أن ظاهر حركة استصلاح الأراضى المصرية ، وشق الترع الجديدة ، وبناء القناطر، وجلب آلات الفلاحة والرى لزيادة التوسع الزراعى إلى أقصى ما تحتمله طاقة البلاد .
وعلى الرغم من تحكم بريطانيا فى تجارة القطن المصرى ، وشرائها ذلك المحصول بأخمس الأثمان ، فقد أخذ النقيض السلبى يبدو للعيان ، إذ لم يكن بد من أن يسفر التوسع الزراعى
عن الأزدهار الاقتصادى الذى يخشاه الاستعمار . ثم نشبت الحرب الكبرى ، وأعقبتها الحرب العالمية ، وأدت نفقات هاتين الحربين الجنونية إلى ارتفاع ثمن القطن ارتفاعاً فاحشاً ، فزاد ذلك من رخاء مصر الاقتصادى برغم ما أقيم في سبيله من عقبات .
قلنا إن حياة الاستعمار تتوقف على بقاء البلاد المستعمرة فى ربقة الجهل والفقر . وقد حاول الاستعمار البريطانى أن يبقينا فى أسر حليفيه المذكورين . ولكن سنة التطور أفسدت خططه . وانتهت إلى المأزق الذى حاول تحاشيه ، وهو وشك خلاص مصر من نير الفقر وما يترتب عليه من خلاصها كذلك من نير الجهل . فعمد إلى التخفيف من حدة ذلك المأزق على قدر إمكانه . ولعله أخذ للأمر أهبته من بادئ الأمر ، فشجع تجار القطن وسماسرته الأجانب على استغلال ملاكه واستخلاص نصيب الأسد من أرباحه لأنفسهم؛ ثم إنه عمل على إبقاء الجانب الأكبر من ثورة البلاد فى أيدى نفر قليل من الأغنياء . و توقع من وراء تجمع الثروة فى أيدى التجار الأجانب والسراة المصرين أن ينال تأييد هؤلاء . وان يزداد سواد الشعب فقراً وعجزاً ، وان يساعده غنى الأغنياء على فتح سوق مصرية تستطيع أن تستوعب أكبر كمية مستطاعة من انتاجه الصناعى، فيوفق بذلك بين النقيضين السابقى الذكر على قدر الاستطاعة ، فيتم له تحقيق هدفه الاستعمارى المحصور فى استيراد الخامات المشتراه من المستعمرات بأبخس الأثمان ، ثم إعادة تصدير السلع المصنوعة منها إلى تلك المستعمرات وبيعها فى أسواقها بأبهظ الأثمان . ويظل متمكناً فى الوقت نفسه من ضرب نطاق فولاذى من الفقر والجهل حول سواد الشعب.
وقد اعترض سبيله تناقض آخر ، فقد ألقى نفسه فى حاجة إلى مساعدة فئة من أبناء مصر للوصول إلى ما كان يستهدفه من تنمية موارد خاماتها ، وتهيئة جو من الاستقرار لتحقيق تلك الغاية . ورأى ضرورة تعليم أولئك الذين سيحتاج إلى عونهم ، فطالعه نقيضان يستحيل التوفيق بينهما . وهما ضرورة خنق التعليم من جهة . وضرورة التوسع فيه من جهة أخرى . وقد حسب أنه يستطيع الخروج من المأزق الجديد بوضع منهج للتعليم فى مصر لا يؤدى إلا إلى إمداد الدواوين بما تحتاج إليه من كتبة وفنيين .
ولكن سنة التطور حطمت السدود التى أقامها الاستعمار
في سبيلها . فتجاوز ازدهار اقتصادنا الحدود المرسومة له . وأخذ الموسرون منا يشعرون بوطأة النير الأجنبى ، ويدركون مدى عرقلته لاطراد يسارهم ، ومدى نيله من نفوذهم وسلطانهم . وحطه من أقدارهم وكراماتهم . فهو يستغل موارد بلادهم ، ويمتص خبراتها فلا يترك لهم غير النفاية ، وهو يكاد ينفرد بالحكم فلا يترك لهم منه غير ألقاب الشرف ، وهو لا يكتم استهانته بأمرهم ، وإصغاره لشأنهم . ولم يطل صبرهم على ذلك الضيم والغين ، فأخذوا أول الأمر يقاومونه خفية ، ثم قاوموه جهراً ولكن فى حذر وتهيب ، ولم تزل مقاومتهم له تقوى وتشتد حتى انتهت أغلبيتهم إلى الهبوب فى وجهه ، مجاهرة بعدائها له ، مصممة على الخلاص منه . وتجاوبت نزعنهم هذه مع نزعة سواد الشعب الذى هب من رقاده ، مطالباً بحقه فى الحياة الحرة الكريمة . وأخذ نفوذ الأجانب يتقلص على أثر ازدياد الوعى القومى . ومنافسة المصرى للأجنبى فى كل ميدان من ميادين العمل والإنتاج . ثم لم تلبث الجاليات الأجنبية أن شعرت بالضعف الذى اعتورها ، لاسيما بعد تصدع سندها ونصيرها ، وهو الاستعمار ، فلبت نداء مصلحتها ، وجارت الوضع الجديد ، فتخلت عن حليفها القديم ، وانحازت إلى الوطنيين الذين ناصبوه العداء . . وهكذا رجحت كفة النقيض السالب فى هذا الكفاح على النقيض الموجب ، فسار اقتصادنا وثقافتنا فى طريق التقدم برغم مناهضة الاستعمار لهما .
واشتمل موقف شعب مصر حيال الاحتلال البريطانى في أول عهده على نقضين كذلك : أولهما وهو الموجب كان يبدوا فى استسلام المصريين للغاصب ، والثانى وهو السالب كان يكمن بين الجوانح ، ويتمثل في النشوف إلى الحرية والاستقلال ؛ ولم يكن بدعا أن يحدث بطش الغزاة بالمصريين آثره ، وان يحملهم ، وهو فى إبانه ، على مسالمته إيثاراً للعافية والسلامة ، فقد كان يبدو أن مقاومته غير مجدية ، وأن التسليم بالواقع خير من التعرض لمكاره ليس من ورائها طائل ، فسلس الأمر حينئذاك المستعمرين . ولم يغب عنهم أن تلك الحال لن تدوم إلا إذا احتفظوا بهيبتهم وبرعب المصريين منهم . فحرصوا على التنكيل بالمصريين بين الحين والحين توخيا لتلك الغاية . وفاتهم أن سياسة البطش تشتمل هى كذلك على نقيضين متضاربين ، فهى
قد تخمد المقاومة فى الظاهر ، ولكنها تضرم أوارها وتعدها للانفجار .
وقد بلغ من تسليم المصريين بالأمر الواقع في بدء الاحتلال أن كرهوا الجندية ، وتحايلوا للخلاص من انتظامهم فى سلكها . وكرهوا التعليم حتى إنهم كانوا يساقون إلى دور العلم كرهاً . ولم يعد لهم هم إلا أن يظلوا على الحال السيئة التى كانوا عليها .
ولكن النقيض السلبي أخذ في الظهور والاشتداد شيئاً فشيئاً . فقد أخذ الخوف الذى تملك المصريين فى إبان الاحتلال يفقد حدته وظلت مظالم الاستعمار ومخازيه تتكشف وتزداد وضوحاً يوماً بعد يوم ، وأدت سياسته الاستعمارية إلى ازدياد فقر الشعب برغم تضخم ثروات الأجانب ونفر من الأهلين . ثم وقعت الحربان الكبريان فبلغت الأزمة أخطر مراحلها ، إذ اضطر المستعمرون إلى استغلال مصر استغلالاً مباشراً بعد أن كانوا يستغلونها من طريق غير مباشر . ولم يكتفوا بالإستيلاء أثناء تينك الحربين على الغلات والدواب والمساكن ووسائل النقل وغير ذلك من حاجياتنا ووسائل عيشنا ، ولكنهم ساقوا الألوف المؤلفة من أفراد شعبنا إلى معسكراتهم حيث اتخذوا منهم خدماً وعبيداً . وقد تطور الوعى الوطنى وازداد حدة تحت ضغط تلك الظروف . وما تولى القرن التاسع عشر وهلت بشائر القرن العشرين حتى ظهرت بوادر الثورة على الاستعمار بين الجيل الناشئ من طلبة كلية الحقوق ، وعبر مصطفى كامل عن العواطف والخوالج التى كانت تضطرم فى صدور شبابنا ، إذ طالب بحق مصر فى استرداد حريتها وسيادتها . وسرعان ما التف حوله أبناء مصر شيوخاً وشباباً ، وضموا أصواتهم إلى صوته ، منادين الغاصب أن يرحل إلى دياره ، ويترك البلاد لأهلها .
وما تحولت الوطنية المصرية من عاطفة مكتومة إلى جهاد سافر فى سبيل تحقيق غاياتها حتى أخذت عقلية المصريين تتطور ، وميولهم تتبدل ، وما هى إلا سنوات حتى طفق أبناء مصر يقبلون على دور العلم اختياراً ، ثم يتزاحمون على أبوابها ، حتى اضطر القائمون على أمر التعليم ، تحت وطأة ذلك الضغط ، إلى زيادة عدد المدارس وتنويع الدراسات؛ ثم انشئت الجامعة ، وتعددت كلياتها ، واتسع نطاقها ، وكبر شأنها . ثم أنشئت جامعات اخرى لا تقل شأناً عن الجامعة الأولى . واندفع شباب مصر إلى الجندية كما اندفعوا إلى
التعليم ، وظلت حماستهم تزداد تأججاً حتى انتهت بهم إلى ما نشاهد اليوم من الإقبال على التطوع فى كتائب التحرير؛ وبذلك يكون النقيض السالب قد تغلب هنا أيضاً على النقيض الموجب ، واستهلكه وحل محله .
ولا يحسبن قارئ من القراء أن اضطرارنا في هذا البحث إلى تجزئة موضوعه إلى اجزاء توخياً للوضوح ، يعني انعزال كل نقيضين عن النقائض الأخرى ، واصطراعهما على حدة ، فإن التصادم والتفاعل بين النقائض يشملها جميعاً ، وكل ناحية من نواحى الصراع تؤثر فى غيرها ، ومجموع النقائض يكون وحدة غير منفصلة . والصراع الرئيسى فى نهضتنا الوطنية يدور بين الشعب المصرى والقوات المحتلة ؛ والمصادمات الجزئية بين المتناقضات التى تحدثنا عنها متصلة اتصالاً غير منقصم بالصراع الرئيسى ، وقد أدت إلى نشوب ثورة عام ١٩١٩ ، ثم إلى الكفاح الدموى الذى استمر بعد ذلك بين الشعب المصرى وقوات الاحتلال .
وقد قلنا فى أول هذا المقال إنه إذا بلغ تطور المضمون مرحلة التغير فإن الغالب يجب أن يتغير هو كذلك ليلائم المضمون الجديد ، وقد اضطر النظام الاستعمارى . وهو القالب فى موضوعنا هذا ، أن يعدل نفسه مرتين ليلائم المضمون المتغير ، وأولى المرتين حين اضطر إلى الإدلاء بتصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢ ، وثانيتهما حين أبرم معاهدة ١٩٣٦ ؛ ولكن المضمون قد تغير اليوم تغيراً كلياً وآن ان يتحطم قالب الاستعمار تحطيماً كلياً ، ليحل محله استقلال البلاد استقلالاً كاملا .
وتستطيع على ضوء ما تقدم ان نقول إن الذين ينسبون إلى المحتلين أنهم أفادوا البلاد ، وأن عهدهم كان عهد عدل وإنصاف ، قوم مغرضون ، أو مغرقون فى السذاجة ، وأن الذين بزعمون ألا قبل لنا بمقاومة الاستعمار البريطانى ، وأنه أولى بنا أن نهادنه ونتفاهم معه اتقاء لشره ، وأملأ فى تخفيف وطأته ، يمثلون النقيض الرجعى . والذين يقاومون الاستعمار ، ويعملون على تخليص البلاد من قبضته ، ولا يكنون له غير البغض المتأجج يمثلون النقيض النقدى ؛ ولعل كل فريق من هذين الفريقين قد ازداد بعد قراءة هذا المقال معرفة بنفسه وبالفريق الآخر .
