الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 681 الرجوع إلى "الثقافة"

تطبيق نظرية التطور، على الاحتلال البريطانى لمصر

Share

يضطرنا تطبيق نظرية التطور على الاحتلال البريطانى لمصر إلى تناول أساس هذه النظرية بالشرح المقتضب مرة أخرى حتى يسهل على القارئ تتبع هذا البحث .

سبق أن قلنا فى بحوث سابقة إن الموجودات ، ماديها ومعنويها ، تشتمل جميعاً على نقائض لا تكف لحظة عن التفاعل والتصادم اللذين ينتهيان دائما بتغير الأوضاع . . وهكذا يحدث التطور . ولزيادة هذا القول بياناً وتحديداً نقول إن كل موجود مادى أو معنوى ، يشتمل على تقيضين ، أولهما البادى للعيان ، وثانيهما المستتر الذى يكافح الأول ليقضى عليه ويحل محله . ويظل الكفاح ناشباً بينهما حتى يتغلب الثانى ، ويسمى النقيض السالب ، على الأول ، ويسمى النقيض الموجب ، ويستهلكه ويحل محله ، فيقع عندئذ التطور . ثم يظهر نفيض جديد اشتمل عليه النقيض المنتصر ، وتتجدد بينهما المعركة على غرار ما سبق ، وينتصر النقيض الجديد فيقع تطور جديد . . وهكذا تسير الأمور .

وكل موجود مكون من شكل ظاهر ، ومن لب يشتمل عليه ذلك الشكل . وقد جرى المشتغلون بالفلسفة على تسمية اللب " المضمون " . فالقالب هو المظهر الخارجى للنقيضين المتصارعين ، والمضمون هو ازدواج النقيضين وتصارعهما . وحين ينتصر النقيض السالب على الموجب ويقع التطور، يتحتم على الغالب أن يعدل وضعه أو يتبدل ليلائم مضمونه . .

لست أنكر الفموض الذى يكتنف هذا الشرح المقتضب ، ولكنى زعيم أن تطبيقه على الواقع سيضىء غوامضه . . فإذا حاولنا أن نتبين من الاحتلال البريطانى لبلادنا قالبه ومضمونه ، فلعل من السهل أن نرى أن قبضة النظام الاستعمارى هى الغالب ، وأن الكفاح الناشب بين قوى الاستعمار وبين مقاومتنا الشعبية هو المضمون ، ولن يخفى علينا كذلك أن لمحاولة الاستعمار الاحتفاظ بنفوذه هى النقيض

الموجب المقضى عليه بالزوال . وأن مقاومة الاستعمار هى النقيض السالب الذي لا بد أن يعقد له النصر في النهاية . . على أن هذا القول مقتضب بدوره ، وفي حاجة إلى شرح مسهب لتتضح معالمه كل الوضوح .

إن التناقض بين الكبت الاستعمارى وبين ما يتولد عنه من التألب عليه لرفع نيره ، ودفع غوائله ، هو التناقض العام الذى يكتنف مشكلة الاستعمار الرئيسية ، ولكن هناك تناقضات أخرى تتصادم فى نطاق المشاكل الجزئية المتفرعة عن تلك المشكلة الرئيسية ، وسنقصر هذا البحث على بيان بعضها .

من البديهى أن الاستعمار البريطانى لمصر بتوخى استقلالها على أوسع نطاق ممكن ، وعلى ذلك يجد نفسه أمام نقيضين متضاربين : أولها العمل على الحيلولة دون خلاص البلاد من الفقر والجهل ليطمئن إلى بقائها في حوزته . وثانيهما تنمية مواردها ، والاستعانة بأهلها على ذلك حتى يحقق ما يصبوا إليه من استغلالها على الوجه الذى يرضى جشعه . وهكذا وجد نفسه منذ أول عهده باحتلال البلاد أمام مشكلة هذين النقيضين اللذين لا محيص عن تصادمهما . فلم ير حيلة إلا أن يعمل على تأجيل وقوع ذلك التصادم ، ثم التخفيف من حدثه حين وقوعه على قدر إمكانه .

وجدت بريطانيا أن أثمن ما يمكن الحصول عليه من خامات مصر ، وأيسره منالا ، هو قطنها . وكانت المصانع البريطانية فى أشد الحاجة إلى قطن مصر الذي لا تجود تربة غير تربيتها بمثله . فلم يلبث الاستعمار أن ظاهر حركة استصلاح الأراضى المصرية ، وشق الترع الجديدة ، وبناء القناطر، وجلب آلات الفلاحة والرى لزيادة التوسع الزراعى إلى أقصى ما تحتمله طاقة البلاد .

وعلى الرغم من تحكم بريطانيا فى تجارة القطن المصرى ، وشرائها ذلك المحصول بأخمس الأثمان ، فقد أخذ النقيض السلبى يبدو للعيان ، إذ لم يكن بد من أن يسفر التوسع الزراعى

عن الأزدهار الاقتصادى الذى يخشاه الاستعمار . ثم نشبت الحرب الكبرى ، وأعقبتها الحرب العالمية ، وأدت نفقات هاتين الحربين الجنونية إلى ارتفاع ثمن القطن ارتفاعاً فاحشاً ، فزاد ذلك من رخاء مصر الاقتصادى برغم ما أقيم في سبيله من عقبات .

قلنا إن حياة الاستعمار تتوقف على بقاء البلاد المستعمرة فى ربقة الجهل والفقر . وقد حاول الاستعمار البريطانى أن يبقينا فى أسر حليفيه المذكورين . ولكن سنة التطور أفسدت خططه . وانتهت إلى المأزق الذى حاول تحاشيه ، وهو وشك خلاص مصر من نير الفقر وما يترتب عليه من خلاصها كذلك من نير الجهل . فعمد إلى التخفيف من حدة ذلك المأزق على قدر إمكانه . ولعله أخذ للأمر أهبته من بادئ الأمر ، فشجع تجار القطن وسماسرته الأجانب على استغلال ملاكه واستخلاص نصيب الأسد من أرباحه لأنفسهم؛ ثم إنه عمل على إبقاء الجانب الأكبر من ثورة البلاد فى أيدى نفر قليل من الأغنياء . و توقع من وراء تجمع الثروة فى أيدى التجار الأجانب والسراة المصرين أن ينال تأييد هؤلاء . وان يزداد سواد الشعب فقراً وعجزاً ، وان يساعده غنى الأغنياء على فتح سوق مصرية تستطيع أن تستوعب أكبر كمية مستطاعة من انتاجه الصناعى، فيوفق بذلك بين النقيضين السابقى الذكر على قدر الاستطاعة ، فيتم له تحقيق هدفه الاستعمارى المحصور فى استيراد الخامات المشتراه من المستعمرات بأبخس الأثمان ، ثم إعادة تصدير السلع المصنوعة منها إلى تلك المستعمرات وبيعها فى أسواقها بأبهظ الأثمان . ويظل متمكناً فى الوقت نفسه من ضرب نطاق فولاذى من الفقر والجهل حول سواد الشعب.

وقد اعترض سبيله تناقض آخر ، فقد ألقى نفسه فى حاجة إلى مساعدة فئة من أبناء مصر للوصول إلى ما كان يستهدفه من تنمية موارد خاماتها ، وتهيئة جو من الاستقرار لتحقيق تلك الغاية . ورأى ضرورة تعليم أولئك الذين سيحتاج إلى عونهم ، فطالعه نقيضان يستحيل التوفيق بينهما . وهما ضرورة خنق التعليم من جهة . وضرورة التوسع فيه من جهة أخرى . وقد حسب أنه يستطيع الخروج من المأزق الجديد بوضع منهج للتعليم فى مصر لا يؤدى إلا إلى إمداد الدواوين بما تحتاج إليه من كتبة وفنيين .

ولكن سنة التطور حطمت السدود التى أقامها الاستعمار

في سبيلها . فتجاوز ازدهار اقتصادنا الحدود المرسومة له . وأخذ الموسرون منا يشعرون بوطأة النير الأجنبى ، ويدركون مدى عرقلته لاطراد يسارهم ، ومدى نيله من نفوذهم وسلطانهم . وحطه من أقدارهم وكراماتهم . فهو يستغل موارد بلادهم ، ويمتص خبراتها فلا يترك لهم غير النفاية ، وهو يكاد ينفرد بالحكم فلا يترك لهم منه غير ألقاب الشرف ، وهو لا يكتم استهانته بأمرهم ، وإصغاره لشأنهم . ولم يطل صبرهم على ذلك الضيم والغين ، فأخذوا أول الأمر يقاومونه خفية ، ثم قاوموه جهراً ولكن فى حذر وتهيب ، ولم تزل مقاومتهم له تقوى وتشتد حتى انتهت أغلبيتهم إلى الهبوب فى وجهه ، مجاهرة بعدائها له ، مصممة على الخلاص منه . وتجاوبت نزعنهم هذه مع نزعة سواد الشعب الذى هب من رقاده ، مطالباً بحقه فى الحياة الحرة الكريمة . وأخذ نفوذ الأجانب يتقلص على أثر ازدياد الوعى القومى . ومنافسة المصرى للأجنبى فى كل ميدان من ميادين العمل والإنتاج . ثم لم تلبث الجاليات الأجنبية أن شعرت بالضعف الذى اعتورها ، لاسيما بعد تصدع سندها ونصيرها ، وهو الاستعمار ، فلبت نداء مصلحتها ، وجارت الوضع الجديد ، فتخلت عن حليفها القديم ، وانحازت إلى الوطنيين الذين ناصبوه العداء . . وهكذا رجحت كفة النقيض السالب فى هذا الكفاح على النقيض الموجب ، فسار اقتصادنا وثقافتنا فى طريق التقدم برغم مناهضة الاستعمار لهما .

واشتمل موقف شعب مصر حيال الاحتلال البريطانى في أول عهده على نقضين كذلك : أولهما وهو الموجب كان يبدوا فى استسلام المصريين للغاصب ، والثانى وهو السالب كان يكمن بين الجوانح ، ويتمثل في النشوف إلى الحرية والاستقلال ؛ ولم يكن بدعا أن يحدث بطش الغزاة بالمصريين آثره ، وان يحملهم ، وهو فى إبانه ، على مسالمته إيثاراً للعافية والسلامة ، فقد كان يبدو أن مقاومته غير مجدية ، وأن التسليم بالواقع خير من التعرض لمكاره ليس من ورائها طائل ، فسلس الأمر حينئذاك المستعمرين . ولم يغب عنهم أن تلك الحال لن تدوم إلا إذا احتفظوا بهيبتهم وبرعب المصريين منهم . فحرصوا على التنكيل بالمصريين بين الحين والحين توخيا لتلك الغاية . وفاتهم أن سياسة البطش تشتمل هى كذلك على نقيضين متضاربين ، فهى

قد تخمد المقاومة فى الظاهر ، ولكنها تضرم أوارها وتعدها للانفجار .

وقد بلغ من تسليم المصريين بالأمر الواقع في بدء الاحتلال أن كرهوا الجندية ، وتحايلوا للخلاص من انتظامهم فى سلكها . وكرهوا التعليم حتى إنهم كانوا يساقون إلى دور العلم كرهاً . ولم يعد لهم هم إلا أن يظلوا على الحال السيئة التى كانوا عليها .

ولكن النقيض السلبي أخذ في الظهور والاشتداد شيئاً فشيئاً . فقد أخذ الخوف الذى تملك المصريين فى إبان الاحتلال يفقد حدته وظلت مظالم الاستعمار ومخازيه تتكشف وتزداد وضوحاً يوماً بعد يوم ، وأدت سياسته الاستعمارية إلى ازدياد فقر الشعب برغم تضخم ثروات الأجانب ونفر من الأهلين . ثم وقعت الحربان الكبريان فبلغت الأزمة أخطر مراحلها ، إذ اضطر المستعمرون إلى استغلال مصر استغلالاً مباشراً بعد أن كانوا يستغلونها من طريق غير مباشر . ولم يكتفوا بالإستيلاء أثناء تينك الحربين على الغلات والدواب والمساكن ووسائل النقل وغير ذلك من حاجياتنا ووسائل عيشنا ، ولكنهم ساقوا الألوف المؤلفة من أفراد شعبنا إلى معسكراتهم حيث اتخذوا منهم خدماً وعبيداً . وقد تطور الوعى الوطنى وازداد حدة تحت ضغط تلك الظروف . وما تولى القرن التاسع عشر وهلت بشائر القرن العشرين حتى ظهرت بوادر الثورة على الاستعمار بين الجيل الناشئ من طلبة كلية الحقوق ، وعبر مصطفى كامل عن العواطف والخوالج التى كانت تضطرم فى صدور شبابنا ، إذ طالب بحق مصر فى استرداد حريتها وسيادتها . وسرعان ما التف حوله أبناء مصر شيوخاً وشباباً ، وضموا أصواتهم إلى صوته ، منادين الغاصب أن يرحل إلى دياره ، ويترك البلاد لأهلها .

وما تحولت الوطنية المصرية من عاطفة مكتومة إلى جهاد سافر فى سبيل تحقيق غاياتها حتى أخذت عقلية المصريين تتطور ، وميولهم تتبدل ، وما هى إلا سنوات حتى طفق أبناء مصر يقبلون على دور العلم اختياراً ، ثم يتزاحمون على أبوابها ، حتى اضطر القائمون على أمر التعليم ، تحت وطأة ذلك الضغط ، إلى زيادة عدد المدارس وتنويع الدراسات؛  ثم انشئت الجامعة ، وتعددت كلياتها ، واتسع نطاقها ، وكبر شأنها . ثم أنشئت جامعات اخرى لا تقل شأناً عن الجامعة الأولى . واندفع شباب مصر إلى الجندية كما اندفعوا إلى

التعليم ، وظلت حماستهم تزداد تأججاً حتى انتهت بهم إلى ما نشاهد اليوم من الإقبال على التطوع فى كتائب التحرير؛  وبذلك يكون النقيض السالب قد تغلب هنا أيضاً على النقيض الموجب ، واستهلكه وحل محله .

ولا يحسبن قارئ من القراء أن اضطرارنا في هذا البحث إلى تجزئة موضوعه إلى اجزاء توخياً للوضوح ،  يعني انعزال  كل نقيضين عن النقائض الأخرى ، واصطراعهما على حدة ، فإن التصادم والتفاعل بين النقائض يشملها جميعاً ، وكل ناحية من نواحى الصراع تؤثر فى غيرها ، ومجموع النقائض يكون وحدة غير منفصلة . والصراع الرئيسى فى نهضتنا الوطنية يدور بين الشعب المصرى والقوات المحتلة ؛ والمصادمات الجزئية بين المتناقضات التى تحدثنا عنها متصلة اتصالاً غير منقصم بالصراع الرئيسى ، وقد أدت إلى نشوب ثورة عام ١٩١٩ ، ثم إلى الكفاح الدموى الذى استمر بعد ذلك بين الشعب المصرى وقوات الاحتلال .

وقد قلنا فى أول هذا المقال إنه إذا بلغ تطور المضمون مرحلة التغير فإن الغالب يجب أن يتغير هو كذلك ليلائم المضمون الجديد ، وقد اضطر النظام الاستعمارى . وهو القالب فى موضوعنا هذا ، أن يعدل نفسه مرتين ليلائم المضمون المتغير ، وأولى المرتين حين اضطر إلى الإدلاء بتصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢ ، وثانيتهما حين أبرم معاهدة ١٩٣٦ ؛ ولكن المضمون قد تغير اليوم تغيراً كلياً وآن ان يتحطم قالب الاستعمار تحطيماً كلياً ، ليحل محله استقلال البلاد استقلالاً كاملا .

وتستطيع على ضوء ما تقدم ان نقول إن الذين ينسبون إلى المحتلين أنهم أفادوا البلاد ، وأن عهدهم كان عهد عدل وإنصاف ، قوم مغرضون ، أو مغرقون فى السذاجة ، وأن الذين بزعمون ألا قبل لنا بمقاومة الاستعمار البريطانى ، وأنه أولى بنا أن نهادنه ونتفاهم معه اتقاء لشره ، وأملأ فى تخفيف وطأته ، يمثلون النقيض الرجعى . والذين يقاومون الاستعمار ، ويعملون على تخليص البلاد من قبضته ، ولا يكنون له غير البغض المتأجج يمثلون النقيض النقدى ؛ ولعل كل فريق من هذين الفريقين قد ازداد بعد قراءة هذا المقال معرفة بنفسه وبالفريق الآخر .

اشترك في نشرتنا البريدية