وقعت في الأيام القلائل الأخيرة عدة حوادث وتطورات هامة في الموقف الدولي، يمكن أن نلخصها فيما يلى:
١- انتهت الحرب في بولونيا بانتهاء المقاومة البولونية، وعقدت روسيا والمانيا ميثاقا جديدا بشأن تقسيم بولونيا والتعاون على إنهاء الحرب.
٢- بدأت ألمانيا " هجومها السامي " في سبيل إنهاء الحرب، معتمدة في ذلك على معاونة إيطاليا وتأييد روسيا
٣- جرت في موسكو مباحثات جديدة بين روسيا وتركيا لعقد ميثاق تركى روسي.
وقد كان الميثاق الروسي الألماني الجديد بلا ريب أهم الحوادث الجديدة؛ ومما يلاحظ في ذلك ان موسكو قد عدت من مركز النشاط السياسي في أوربا الوسطى والشرقية والجنوبية، وحلت في ذلك محل برلين؛ وأن الكرملين قد حل عمل برخستجادن، وحل ستالين محل هتلر في دعوة
الممثلين السياسيين وإملاء المعاهدات والمواثيق السياسية.
فللمرة الثانية يذهب فون روينتروب وزير الخارجية الألمانية إلى موسكو، ويوقع في الكرملين ميثاقا جديدا بين المانيا وروسيا؛ وقد اذيعت محتويات هذا الميثاقي في بيان رسمي مشترك من الحكومتين المتعاقدتين جاء فيه أنهما وقعتا اتفاقا لتسوية جميع المسائل الناشئة عن انهيار بولونيا، ووضع قاعدة ثابتة للسلم في أوربا الشرقية، وأن من واجبهما وحدهما إعادة السلم والنظام إلي بولونيا، ولن تسمحا بأي تدخل من جانب الدول الأخرى في التسوية التي ستوضع في ذلك الشأن؛ وأنهما رأتا أن المصلحة الحقيقية لجميع الأمم هي في وضع حد للحرب القائمة بين ألمانيا وبريطانيا العظمي وفرنسا، وستبذلان جهدهما لتحقيق هذه الغاية بمعاونة الدول الصديقة، فإذا فشل هذا المسعي، وقعت التبعة في ذلك على بريطانيا وفرنسا، وفي هذه الحالة تدخل الحكومتان السوفيتية والألمانية في محادثات جديدة لتقرير العمل الذي يجب أن تقوما به. كذلك تضمن للميثاق الجديد الاتفاق على تعزيز العلائق الاقتصادية بين الدولتين، وتصدير مواد أولية من روسيا إلي ألمانيا، مقابل منتجات صناعية تصدرها ألمانيا إلي روسيا خلال آجال طويلة.
وبهذا الميثاق الجديد تتم الخطوة التي بدئت في ٢٣ اغسطس الماضي، بعقد الميثاق الالماني السوفيتي الاول، والتي ترتب عليها إقدام المانيا على غزو بولونيا، ثم تقسيمها بين الدولتين.
وقد قدمت السنة الدعاية الألمانية الميثاق الجديد ، كما قدمت سابقه إلي الشعب الألمانى، كانه ظفر سياسي جديد، أحرزته السياسة الهتلرية، على أن ذلك لا يمكن أن يخفي الحقيقة الواضحة التي تؤيدها الظواهر والوقائع، من ان الميثاق الجديد، إنما هو في الواقع انتصار جديد لموسكو.
ذلك أن روسيا البلشفية قد نالت بمقتضى اتفاقها مع ألمانيا نحو نصف بولونيا دون حرب؛ ومع ان التقسيم
الجديد يرد إلي قبضة المانيا المنطقة الواقعة شرقا بين برست لتوفسك ووارسو حتى كيستنو جنوبا، فإن روسيا قد احتفظت بجميع اراضى روسيا البيضاء، وأوكرانيا ولبرج وما حولها من ابار الزيت الشهيرة؛ ومعظم سكان هذه المناطق من الأقليات الروسية .
وقد دفعت ألمانيا فوق ذلك ثمنا فادحا لاجتذاب روسيا إلى جانبها؛ فقد غدت روسيا بمقتضي التقسيم البولوني، جارة لرومانيا من الشمال، ووقفت بذلك سدا في وجه مطامع المانيا في هذا الاتجاه، وقد كان المعروف أن الزحف على رومانيا والبحر الأسود من أعز أماني السياسة النازية؛ وكذلك غدت روسيا جارة ملاصقة للمجر وأضحت تتحكم في شئون أوربا الوسطى مثل ألمانيا؛ ثم إن ألمانيا نزلت عن مطامعها في دول البلطيق، وبدأت روسيا تبسط نفوذها الفعلي في هذه المناطق، فعقدت أو فرضت على أستونيا في نفس اليوم الذي عقد فيه الميثاق الألماني الروسي الجديد، اتفاقا يحق لها بمقتضاه أن تنشئ مطارات وقواعد بحرية في الجزر التابعة لاستونيا في خليج ريغا وعلى شاطئها؛ وسوف يعقبه اتفاق مماثل مع لاتافيا وهو الذي تقع بشأنه المفاوضة الآن، وبذلك تغدو مياه البلطيق الشرقية كما كانت قبل الحرب منطقة روسية، وتقاسم روسيا المانيا نفوذها وسيادتها في هذا البحر، الذي كانت ألمانيا تعده من وجهة السيادة البحرية بحرا المانيا.
فالمحقق الذي لا ريب فيه ان روسيا خرجت من تفاهمها مع ألمانيا بنصيب الأسد؛ وأن المانيا حملت بحرج مركزها وتورطها في سياستها الاعتدائية على التنازل عن كثير من أمانيها ومشاريعها الكبرى في شرقي اوربا وجنوبيها؛ هذا فضلا عما نال هيبتها السياسية من التضمضع بسبب انضوائها تحت لواء روسيا البلشفية، والاستنجاد بها علي تلك الصور المهينة لتعاونها على إنهاء الحرب التي تورطت فيها بتزقها وتسرعها.
وأما " الهجوم السلمي " الذي يحاول هتلر أن يتذرع به لانهاء الحرب، بعد ان اتم جريمته في بولونيا، فالمفهوم أنه سيقوم على اقتراحات جديدة للصلح تقدمها ألمانيا بواسطة إيطاليا إلي بريطانيا وفرنسا، وتتلخص في أن تقام في بولونيا دولة صغيرة فاصلة، وأن يعقد مؤتمر خماسي لمعالجة جميع المسائل الأوربية، وقد مهد السنيور موسوليني إلي هذه الدعوة في خطابه الأخير؛ ولكن بريطانيا وفرنسا تشكان في صدق هذه الدعوة ولا تريان فيها سوى محاولة من ألمانيا المعتدية للاحتفاظ بفريستها. ومع أنهما على استعداد لبحث مقترحات الصلح حسبما صرح مستر تشميران بذلك في بيانه الأخير، فأنهما تبحثانها فقط على ضوء الغاية التي دخلتا من أجلها الحرب، وهي العمل على سحق الهتلرية، وإنقاذ اوربا من خطرها وعدوانها المستمر، ولن تغمدا السيف قبل أن تحقق هذه الغاية. وقد قال مستر تشرشل وزير البحرية البريطانية في هذا الصدد في خطابه الأخير : " لقد كان لهتلر أن يقول متي تبدأ الحرب، ولكن ليس له أو لخلفائه أن يقولوا متى تنتهي. ولقد بدأت حين أرادها، ولكنها ستنتهي فقط حينما توقن بأنه قد شبع منها".
أما المعاونة التي يمكن أن تطمع ألمانيا في نيلها من روسيا، إذا فشلت محاولتها في إنهاء الحرب، فلم تتضح بعد، وكل ما هنالك أن الميثاق الجديد يشير إلى قيام الدولتين بمباحث جديدة لتقرير العمل الذي تقومان به. على انه لا ريب ان روسيا السوفيتية سوف تسترشد في خطواتها المقبلة، كما استرشدت حتي اليوم، بمصالحها قبل كل شئ، ومصالحها التقليدية تقضي عليها بالوقوف في سبيل آية محاولة تخطر لآلمانيا للدنو من شواطئ البحر الأسود او اقتحام البلقان؛ ولهذا فمازلنا نستبعد ان يقوم بين الدولتين البلشقية والنازية تعاون حربي فعال؛ ولن يقع ذلك بصورة من الصور إلا يوم تنكر روسيا تاريخها وتقاليدها القيصرية والاستعمارية، وهذا ما لم تقم عليه الدلائل حتى الآن. وكل ما هنالك أن روسيا قد تمد
المانيا ببعض محاصيلها وخاماتها وفق نصوص الميثاق الجديد، وتؤيدها بعض المظاهر السياسية.
بقيت كلمة حول موقف تركيا من روسيا، وماذا يكون من أثر الميثاق الجديد الذي تعقده مع موسكو في موقفها من انكلترا وفرنسا. والواقع أن موقف تركيا دقيق غاية الدقة، فهي مرتبطة مع انكلترا وفرنسا بعهود وثيقة تقضي على الفريقين بالتعاون الحربي المتبادل إذا وقعت حرب في شرقي البحر الأبيض المتوسط؛ وهي مرتبطة من الجهة الآخرى برومانيا واليونان بالحلف البلقاني، ثم هي مرتبطة ايضا بروابط الصداقة والتحالف مع روسيا؛ ولكن تطور سياسة موسكو إزاء ألمانيا، واتفاق موسكو وبرلين، يضع تركيا في مركز دقيق شائك؛ على أنه يلوح مما نقلته إلينا الأنباء الأخيرة أن تركيا تري إمكان التوفيق بين تعهداتها؛ فهي ملزمة بأن تفتح المضايق لأساطيل انجلترا وفرنسا إذا هوجمت رومانيا، وفاء لتعهداتها لهما؛ ومهاجمة ألمانيا لرومانيا تبدو اليوم أقل احتمالا من قبل؛ وليس يلوح ان روسيا تزمع مهاجمتها في الوقت الحاضر، خصوصا إذا استطاع الفريقان أن يتفاهما على حل مسألة بسارابيا التي تطمح روسيا إلي استردادها؛ وعلي ذلك فإن تركيا تري أنها تستطيع أن تحافظ على حيدتها، وعلي صداقتها مع الجميع.
ومما يقوي الأمل في إمكان بقاء تركيا على تعهداتها إزاء انكلترا وفرنسا أنه توجد الآن في لندن بعثة تركية عسكرية تجري المفاوضة معها لعقد الميثاق الانكليزي التركي الذي وضعت اسسه منذ مدة، وعلي ذلك فمن غير المحتمل أن توقع تركيا في نفس الوقت مع روسيا ميثاقا مناقضا لهذه التعهدات.
وعلى أي حال، فموقف تركيا المستقبل يتوقف كثيرا على موقف إيطاليا؛ وما زال موقف إيطاليا الحقيقي غامضا كل الغموض. (***)

