الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193الرجوع إلى "الرسالة"

تطور الحركة الأدبية، في فرنسا الحديثة، العلم في القصة - القصة التحليلية العلمية

Share

بول بورجيه P.Bourget ١٨٥٢ - ١٩٣٥

التحليل العلمي عند بورجيه، التحليل الحي، المثالية  الرواية التقليدية أو آثار بورجيه الأخيرة

تختلف بيئات الأشخاص - عند بول بورجيه - عن                                                                  بيئات المدرسة الواقعية، فأرواح أشخاص تكاد تحيا منعزلة  عن أجسادها، وهي ليست مختارة من الأشخاص المرضى أو  المنحطين. وبالإجمال لا يحيا أشخاصه في بيئة تلك المدرسة.  وليس أشخاصه من سواد الناس ولا بموسرين سئموا الحياة،  وان منهم النساء الكبيرات والعاطلين، مفكرين أو فنانين. وقد  عد أرباب المدرسة الواقعية رواياته من نوع   (السنوبينم)  لأنها  في أجزائها الأولى قد تجسدت من ذلك الأيمان بالعلم الذي كان  مذهب زولا

وقد علم بورجيه أن أبرز صفة للشباب الحديث هي صفة    (القلق العلمي) . وهذا القلق هو الذي كان يهيمن عليه يوم  كتب رواياته، وكان معلموه منهم   (ستندال)  الذي قرن فعل  الخيال إلى الدراسة النفسية، و   (تين)  الذي ابتكر علم النفس،  والذي بين أن في النفوس بعض أسباب وعلل تجر بالضرورة  إلى بعض أفعال، وهذا علم النفس هو الذي وضع لرجال التشريح  النفسي مبادئ وقوانين خارقة، وهكذا لم تعد القصة وضعاً  ولا تحليلا وإنما أصبحت إيضاحاً

إن الدرس العلمي في إمكانه أن يولد تحليلا جذابا وجدلا عميقا  يجعل من صاحبنا مؤلف   (تجاريب نفسية حديثة)  نقاداً واجتماعيا  أكثر مما يجعل منه قصصيا، لان القصة ما هي إلا التعبير عن  الحياة، والحياة لا تكون حياة إلا إذا ظلت محافظة على ظواهرها

في حريتها واختيارها، أما التحليل العلمي فقد لا يكون إلا ضربا  من التشريح، وكما يعلم بورجيه (أن كل ما يشرح هالك) على أن  من حسنات عبقريته أنه وجد في   (ستندال)  وفي     (تين)   وفي  عبقريته الشخصية شيئا لم يقف عند التنقيب عن الأسباب والأعمال  فانه تعلم - من وراء ذلك - حال تركيب العلل والاسباب،  وهو القائل (إن العقل المدرسي الذي يجدي في المخاصمة الخطابية  يجدب حين يريد أن يخضع لقوانين قوة النمو - المخنوقة والمتبدلة -  في الحياة، والدرس العلمي ينبغي له ألا يقنع بتوضيح هذه القوات  المشوشة، وإنما ينبغي له أن يعمل على إظهار التبدل فيها، والدوافع  والحياة، ومن هذه الناحية وحدها تصبح آثار بورجيه روايات  - لا مناقشات - كل شخص فيها عالم مستقل بذاته - عالم  لا قانون - هذه خلاصة قصته   (قلب امرأة)  - وهي خير  ما سطره يراعه، لا تقف رواياته على التحليل المنطقي فحسب،  وإنما هي توليد وإحضار وبعث للنفوس.

ما المثالية Ideal العلمية عند بورجيه فقد اختلفت جد  اختلاف عن مثالية (تين)   فهو لا يجحد المذاهب العلمية، حتى  إذا حاول أن يذود مثلا عن مذاهب سياسية تراه يجرب أن  يجعلها قواعد تجريبية ترتكز على أعمال في المجتمع وأعمال في  التاريخ ولكنه - في عالم الإيمان - نراه اخذ يتحرى عن  شجرة غير شجرة العلم، وعنه يقول النقادة   (جول ليمتر) : إن  رجل اليوم هو عقلية مزيجة من العقل العلمي، والشعور الرقيق  الكئيب، والقلق الخلقي، والرقة العطف، والتصوف. الروح  العلمية - عنده - لم تنجح إلى عمارة الدين والأخلاق ولكنها  تركتهما قليلا قليلا يعملان على فرض قواعد الحياة، وقبل أن  يغدوا بورجيه رسول دين وسياسة تحول عن حلقة العلم الضيقة.

وهو القائل: إن إنسان الرغبة والأنانية، الذي لا يحيا إلا  ليحلل نفسه، ولو كان من جزاء ذلك تعاسة الآخرين، هذا  الإنسان قد مات بنفسه) وهو القائل: (بألا حياة حقيقية إلا  في مثل أعلى للإخلاص والتزهد، مثل أعلى في الدين، إذ لا تمكن  الحياة مطلقة تحت رحمة الأهواء وتقلباتها المستمرة.

هنالك فئة من الأدباء حاربت أدب الديمقراطية والاشتراكية  حربا عنيفة. ولقد عالج بورجيه في روايته   (التلميذ)  المذهب

المادي، وتطرق إلى قواعد تين وبرتلووريبو. والقصة ترى  أن المذهب المادي خطأ، ولا يمكن في كل الأطوار البرهنة على  أنه مذهب حق. على أنه إذا كان حقا فلا يمكن نشر ذلك  والجهر به، إذ أن هذا التعليم يمكن أن يخلق تلاميذ كهذا (التلميذ) يرتكب جرائم خلقية ثابتة، يكون المعلم فيها هو  الضامن الكفيل. فرجل الآداب والمفكر لا يحق لهما أن  يكتبا كل شيء، ولكن واجبهما أن يكونا نافعين. وهكذا تعلم  قصص بورجيه أن الفرد ورضا الفرد وإرجاع العدل إلى  الفرد كلمات فارغة. إذ يرى أن المجتمعات هي أعضاء منظمة  مرتبة، ملاجئها الحية هي الأسرة، فكل ما يضر ببقاء الأسرة  وخصبها وتنظيمها يفنيها كما هو الحال في الجرائم التي تودي  بالكائن الحي. ومنها الطلاق والانهماك في الفسق والزنا، وهجر  الأولاد قبل البلوغ. والمجتمعات حالها كحال الأعضاء في استطاعتها  أن تتحرك ولكنها لا تستطيع ذلك إلا ببطء. وكل تبديل  فجائي يجر معه المرض والموت. وهذه الأخيلة الباطلة التي  تبشر بها المساواة والديمقراطية تؤول إلى هذه التغيرات والفساد،  فان الطبقات الاجتماعية لا تجوز   (مرحلتها)  إلا على مهل، خارجة  من الحياة العالمة إلى اكتساب الثقافة العقلية وحسن استعمال  الثروة ومعنى السلطة. ومن اجل هذا ينبغي إجلال   (سياسة  محافظة أرستقراطية)  وديانة توحي إلى الإنسان احترام الأسرة  واحترام نظامها. وهكذا تبدل بورجيه في نهاية ايامه، واصبح  رجل وغظ في السياسة والدين.

فشل العلم

نقد الفلاسفة

كان لبورجيه كما كان لبرتلوتين وغيرهما، إيمان لا يتزعزع  بالعلم. . . والعلم وحدة لا يكذب أصحابه، وهو ينطوي على اسمي  الآمال، ولكن بورجيه لم يكن وحده حين هجر نبوءته، وهجر  الآمال الخادعة التي يذيعها فإن الفلاسفة قبله قالوا: ليس للعلم  مستقبل فيما وراء الطبيعة، إذ انه لا يقدر أن يعطي إلا يقيناً علمياً  عملياً اصطلاحياً، ولا يقدر أن يعطي اليقين ذاته. وقد قال   (اميل بوتروس)  في إحدى مقالاته المنطقية:   (إن المذاهب

العلمية لا تأتينا واضحة إلا لأن مقاييسنا غير واضحة. ولا توضح  الحوادث إلا بحوادث اصطلاحية قد لا تكون صميم الأشياء  ولكنها - صك تحكيم - بين العقل والأشياء)  على أن هنالك  عدداً من الفلاسفة الذين درسوا العلم وقالوا بأنه لا يعطي الحقيقة  المطلقة. وهذا   (هاملان)  دون أن يجحد تأثير العقل قال: بأنه  لا يستطيع أن يفهم الحقيقة العميقة إلا إذا أولها وفسرها، وأخيرا  جاءت فلسفة هنري برجسون جاحدة بالفلاسفة والعلم الذي  آمن به (تين وبرتلو)  من قبل

هنري برجسون

نقد العقل n IIenri Bergso

ولد سنة ١٨٥٩ واشهر تصانيفه   (معلومات الشعور المباشرة،  مادة وذاكرة، والقوة المبدعة)  ويذهب برجسون في (كتابه  الأول إلى القول بأن الشعور المنطلق عن العقل، الشعور  الفطري فيه لا يتلاءم أبداً مع ما استخرجه العلماء من العقل  المتحول المتبدل - كما أراده وسهلوه -. فالعلماء هم في حاجة إلى  قياس الفضاء وهو سهل عندهم، وإلى قياس الزمان وهذا أقل  سهولة. لأن قياس الزمان معناه الافتراض بأن الزمان تتألف  أجزائه من طبيعة واحدة Homagene وأن اللحظات المتتالية  على حادث قد تكون من بعض وجوه متشابهة متطابقة،  تطابق طول متر مع طول متر آخر. ولكن هذا ما هو إلا افتراض،  إذ حين نتأمل نرى أن زمان هؤلاء العلماء هو زمان مجرد أو هو  التجريد. أما الذي يوجد فهو الدوام، والشيء الذي يدوم  يختلف - في لحظة ملحوظة - عما كان عليه قبل اللحظة السابقة،  ولهذا ينطوي هذا الشيء على شئ هو   (دوامه) . فالدوام هو  متألف من أجزاء مختلفة طبيعتها. تختلف عن ذاتها بدون نهاية  ولكي ننكر صفة   (الدوام)  التي قال بها زينون ولم ينكرها  عليه أحد، نرى أن الشيء يمكن أن يكون ساكناً ومتحركا في  وقت واحد، وأن   (أشيل)  العادي وراء سلحفاة لا يستطيع  - عقلياً - إدراكها. وهكذا نرى العلم المبني على الاصطلاح  لا يمكن أن يكون إلا اصطلاحياً

وقد أتم برجسون في كتابه   (مادة وذاكرة)  برهانه هذا،  فالإنسان - بوهم عميق الجذور فيه - آمن بأن عقله يبسط له

الحقيقة، إن عين الحيوانات ليست موضوعة لتعرف أصحابها  بحقائق الأشياء، وإنما وظيفتها وظيفة عملية تهدي أصحابها إلى  الانتظام بين الأشياء. فلو عاشت هذه الحيوانات على غير الأرض  لاختفت لأنها تصبح عديمة النفع. وكذلك لكي نستطيع أن  نحيا بين الحوادث، قادرين على استخدامها على وجهها الأحسن  المستطاع، نجد هذا لا يطلب إلينا أن نعرفها بحقيقتها كما هي.  وإنما يطلب إلينا أن نختار - بصورة عملية الوجه الأحسن  استعمالا وفائدة لنا، لأن عقلنا لا يلمح إلا هذه الناحية العملية.  إذ ليس هنالك عقل أو عقل شاعر إلا حيث يمكننا أن نمسك  جزءاً من الشيء الذي نفكر فيه. والعقل والفكر الشاعر ليسا  بوسيلتين للمعرفة وإنما هما وسيلتنا للعمل. والعلم الذي أوجداه  وشيدا أركانه ما هو إلا نظام جديد لوسائل العمل. وفن مستقيم  لاستخدام الحقيقة في سبيل حاجاتنا. فهو لا يعلمنا الحقيقة ولا  يكشف لنا أسرار الوجود كما هو الحال في أن الأرنب لا يكشف  لنا طبيعة السرعة والخفة.

نقد العلماء

وأما العلماء أنفسهم فقد قلبوا وجوه العلم ودققوا مسائله.  فانتهوا إلى القول بان العلم إنما هو مذهب ووسيلة إلى استخدام  الاشياء، والعلم لن يصل أبداً إلى   (المطلق)  وقد عملت بعض  مدارس الطبيعيين على رد علوم الطبيعة إلى مذهب رياضي صرف  غايته الأرقام التي تأتي نتائجها صحيحة. وخلاصة هذا النقد توجز  في أبحاث الرياضي الكبير   (هنري بوانكاريه)  فهو في كل ما كتبه  أعطى الأدلة القاطعة على بيان فضل العلم. ودافع عن نفسه بأنه  رجل شاك. وهو يرى أن التمحيص العلمي ليس عملا عبثاً. بل  إنه عمل اقل عبثاً من غيره من أعمال الإنسان. وهو في الغالب  يكون مذهباً مطلقاً. وكل العلوم - مثلا - هي علوم الحركة،  على أن من المحال أن نثبت حركة مطلقة، وأن نبرهن - بقياس  منطقي - على حركة الأرض

وهكذا نجد الفلاسفة والعلماء ينضم بعضهم إلى بعض  للاتفاق على هذه الخلاصة، وهي أن هنالك حقيقة مركبة متحركة  بدون انتهاء، وعقلا وعملا - من اجل إدراكها واستخدامها - على  فرض بساطتها واتحاد فكرتها وقوانينها ولكنه بعمله هذا غير  الثوب وأفسد الحقيقة.

الفلسفة الشاكة والنقد الشاك!

رينان في عهده الأخير

جمع رينان عام ١٨٩٠ كتابه   (مستقبل العلم)  وأنجز تاريخه  في أصل المسيحية. وقد كان ذلك المعلم الذي يعلم   (بألا تقبل  الحقيقة في التاريخ الإنساني والعلوم أيضا إلا ما شهد العقل عليه  مرفوقا بالأعمال على انه حقيقة)  أما آثاره الأخيرة فقد جاءت  تعلمه بان ليس في القدرة التثبت من أية حقيقة. وان هذا العجز  قد يكون ضروريا في بعض الأحيان. إن محاوراته الفلسفية  تعلمنا أن الحقائق المطلقة، الحقائق الفلسفية، لا يمكنها أن  تكون هدف البراهين! وقد يكون هذا خيراً. إذ من يعلم  أن الحقيقة ليست بدافعة إلى الحزن؟ من يعلم أن الأخطاء  والأوهام ليست بنافعة أو ضرورية؟ لقد كان الشعب حيوانا  ضارياً مولعا بالاعتقادات الباطلة. فذللت صرامته ومشادته  باعتقادات باطلة مثلها. ما عسى يغدو الإنسان إذا أصبح واقعيا؟  إنه يصبح سيداً صارما أحمق! من يعلم بأن حكمة سليمان لم تكن  على حق، تلك الحكمة القائلة:   (كل شئ باطل، باطل الأباطيل،  وكل شئ باطل تحت الشمس)  وإذا لم يكن كل شئ باطلا فان  الفلسفة الحقيقية قد تكون فلسفة الصراصير والقبرات التي لم تشك  أبدأ في أن نور الشمس ليس جميلا، وأن الحياة ليست هبة سنية،  والأرض ليست معقلا حسناً للأحياء. إن خير ما نصنعه على هذه  الأرض هو إلا نستغرق في تعليل الأشياء والتحقيق فيها. وإنما  نعمل على محبتها. فان سر الحياة لا يقف على العلم ولكن على  الحب، وبهذا عمل رينان على تهذيب شكه وتشذيبه، وشهد على  أن اكثر الأشياء ضمانا وجداً، مهما ذهب الظن، هو العلم،  وهنالك فئة كبيرة ذهلت من شك رينان الذي غمرها، وكان ذلك  لعمر قصير، ولكن عادت هذه الفئة إلى التأثر بمؤثرات  جديدة أخرى

النقد المنفعل Impressionisme

(جول ليمتر) J.Lemaire ١٨٥٣ - ١٩١٤

إن رينان قد أكمل دورة العلم قبل أن يناقشه ويحاكمه.  وجول ليمتر لم يذهب إلى أبعد من ذلك. إنه أكمل دورة النقد

وحده. وقد لقي في المنابر والنوادي والصحف الكبيرة نقداً له  فذهب من مزاعمه انه يهذب الرأي باسم الذوق السليم والعقل.  فسانت بوف - برغم عبقريته - لم يترك في النقد مدرسته، وتين  لم يأخذ عنه النقد إلا دساتيره، وقد ألفى جول ليمتر أن هذا النقد  عمله أن يحكم على بولدير وفلوبير وفرلين وهنري بيك وسواهم.  ووجد فيه ما يبعث على السأم فشهد على أنه نقد فيه غش ومداهنة  لأنه مبني على أصول ومذاهب، ولكي يتم اليقين بهذه المذاهب  ينبغي أن تبدل بمذاهب غيرها. وغيرها أيضا إلى ما لا انتهاء. لأن  هذه المذاهب ما بين جيل وجيل إما أن ينقض بعضها بعضا، وإما أن تتلاشى، إذ ليس هنالك في الحقيقة إلا ارتياح أو ضجر،  إلا انفعالات وتأثير. وقال أناطول فرانس في كتابه   (الحياة  الأدبية) : الحقيقة هي ما لا تخرج عن نفسها أبدا وفي هذا أكبر  بلائنا. فلنتحمل إذن بخلوص نية هذا البلاء، ولا نصدر أحكامنا  على الآثار، ولنصدر انفعالاتنا!

لقد كان جول ليمتر صادقا ولكنه كان اقل اهتداء مما راح  يزعم، فلقد انتمى في أواخر أيامه إلى مذاهب سياسية، وكان  زعيم الحزب الوطني، وهو - في فترات راحته - لا تشعر منه  بذلك الرجل الذي يتحدث للتحدث وحده، ولكن تحس ذلك القاضي الذي يحكم ويدين، على انه يبقى رجلا عالمياً ببعض آثاره  العالية، ومذهبه الانفعالي قد ترك له مجال الخوض واسعاً.  فهو يستطيع أن يخوض حقولا مختلفة في الأدب والفن  لا يصرفه عن ذلك شيء، وقد عمل على تجديد الأدب القديم  وكانت له فيه محاولات لاستنقاذه من قيود الفصاحة التقليدية  المدرسية لكي يندمج مع الحياة الراهنة. وإذا كان النقد  الانفعالي لم يجعل همه التحقيق والإقناع فهمه إذن أن يسر،  وهكذا أراد جول ليمتر أن يسر! ولقد كان هذا الناقد ممن أوتي  روحاً وخفة وفناً ومتزناً مستقيما، فكان تأثيره عظيما وأعظم  آثاره   (المعاصرون)

ريمي دي كورمون Remy de Gourmont ١٨٥٨ - ١٩١٥ لا يمكن الخوض كثيراً في الحديث عن   (ريمي دي كورمون)   فلقد كان له قراء أمناء، لكن عددهم قليل. إذ كان يمقت الفوز  والجماعات والمجد المدرسي، على أنه كان معلماً، معلم صفوة مختارة  من القراء، اتبعت تعاليمه ومذاهبه. وكانت تجد فيها فكرة رائعة  متنوعة، لا تقف على الأدب وحده، لقد كان يفتش في الآداب

خاصة عن ترجمة صادقة للحياة، وكان يرى أن ليس في الإمكان  تفهم الحياة بغير العلماء والفلاسفة، ولذا تناول في بحوثه  شخصيات مختلفة، أرباب علم وأدب وطبيعة وطب وأرض  واجتماع، وتحدث عنها كما يتحدث عن شعراء وروائيين،  ولكنه لم يحمل في كل هذا علم اليقين. إذ لا يقين - عنده - في  العقل الذي لم يبلغ إلا ذرة من الحقائق الظاهرة! إلا ذرة  واحدة! ولا في القلب الذي لا يمثل لنا إلا فصولا مختلفة، لا هم  له منها إلا إلقاء السدول على العقل، ولا في نظريات   (ما وراء  الطبيعة)  ولا في الأديان التي تطفح بعوامل التعصب.! نراه  يجنح إلى الشك. لاشك التشاؤم: هنالك فلسفة السعادة. . .  ينبغي أن تحيا سعيداً! وأن تكون فوق كل شئ وأن تحتقر كل  شئ وأن تحب كل شئ. وأن تدرك بأنه لا يوجد شئ، وإن  هذا اللاشيء في الإمكان أن يكون كل شئ، والحياة بعد هذا  كله - مشهد، يكفر ما فيها من اللذة عما فيها من عناء وشقاء،  وأن في الجهود المصروفة إلى تعرفها وتفهمها معنى قد يرفع  العقل إلى ما فوق حدود الفناء.

وقد وضع في حياته الأدبية سلسلة أفكار قيمة، وقد ظل  يؤمن بأن هنالك كتابا صعاليك وهم من يدعون   (بالمدرسين) ،  وكتابا لبقين دأبهم أن يتحروا عن الأساليب الجديدة والتعابير  الحية في الفن، وقد حارب بشدة في سبيل المدرسة الرمزية وناوأ  خصومها أشد مناوأة.

اشترك في نشرتنا البريدية