لم يكن انضمام بلغاريا لميثاق المحور الثلاثي ، ثم احتلال ألمانيا لها غداة هذا الانضمام مفاجأة ، بل كان أمرًا متوقع الحدوث ، وكانت أعمال الألمان في التمهيد له ظاهرة غير خفية ؛ ولم يك ثمة شك في أن بلغاريا ضالعة ، رغم ترددها ، مع دولتي المحور ، وأنها ستلقى نفس المصير الذي لقيته رومانيا عاجلًا أو آجلًا ؛ وبلغاريا تتبع في ذلك سياستها التقليدية القائمة على انتهاز الفرص ، ومن المحقق أنها وعدت بالحصول على نصيبها من الغنائم والأسلاب ،
سواء من الأراضي اليونانية التي تمكنها من الوصول إلى بحر إيجه ، أو من الأراضي اليوجوسلافية ، متى أتيح لهتلر أن يحرز النصر المنشود ، وأن يرسم خريطة أوربا كيفما شاء .
ولا ريب أن احتلال بلغاريا ، مثل احتلال رومانيا ، إنما هو عمل تمهيدي لما تنوي أن تقوم به ألمانيا في الميدان البلقاني ، أو في شرقي البحر الأبيض المتوسط . ولم تتضح بعد مشروعات ألمانيا في هذه الساحة وضوحا
كافيًا ، والمعروف حتى الآن أن القوات الألمانية التي ترابط في رومانيا ، والقوات الألمانية التي احتلت بلغاريا , لا تكفي للقيام بأعمال عسكرية خطيرة ؛ بيد أن الألمان احتلوا جميع النقط العسكرية على نهر الدانوب وجميع المطارات والموانئ الرومانية والبلغارية ، وأصبح الطريق إلى قلب البلقان ، وإلى اليونان وتركيا مفتوحا أمام الجيش الألماني .
ولسنا نعتقد أن الألمان يمهدون بهذه الاستعدادات للقيام بزحف كبير في اتجاه الشرق الأدنى ، فمثل هذا المشروع ليس هينا من الناحية الفنية والعسكرية ، وهو يعرض الألمان لصعاب وأخطار جمة ؛ ولكنا نرجح أن احتلال الألمان لبلغاريا يرمي إلى تحقيق أغراض محلية عاجلة ترتبط بالأخص بتطورات الحرب الإيطالية واليونانية ، وموقف تركيا ويوجوسلافيا وسيطرة ألمانيا على البلقان .
فألمانيا اضطرت بعد الذي رأته من توالي الهزائم الشنيعة على شريكتها وحليفتها إيطاليا في ألبانيا وفي أفريقية أن تتقدم لإنجادها ؛ وقد ظهر أثر هذه المعاونة بوجود الطائرات الألمانية في صقلية ورودس وطرابلس ، ومهاجمتها لقوافل السفن البريطانية ، ومواقع الدفاع البريطاني في البحر الأبيض المتوسط ؛ والزحف الألماني في اتجاه اليونان هو الخطوة التالية في هذا البرنامج ؛ وقد تحاول ألمانيا بهذا التهديد ، أن ترغم اليونان على الانسحاب من الميدان ، وعقد صلح منفرد مع إيطاليا ، يعيد الحالة إلى ما كانت عليه . فإذا لم تنجح في تحقيق هذه الغاية بالوعيد ، غزت اليونان بالفعل ، واستولت بسرعة على سلانيك ، لترغم اليونانيين على توزيع قواهم ، وتمهد السبيل بذلك إلى قهر اليونان وانتصار حليفتها ، وتدارك ما تصدع من هيبة المحور في البلقان . كذلك ترى ألمانيا في نفس الوقت إلى الضغط على تركيا ويوجوسلافيا ، وإرغامهما على قبول الأمر
الواقع في هذه الساحة ، والتزام موقف سلبي يتفق مع أغراض المحور .
ومن المرجح أن تقبل يوجوسلافيا هذا الموقف ، ولكن من المشكوك فيه أن تبقى تركيا جامدة إذا اجتاح الألمان اليونان ، وخصوصًا إذا تحركت بلغاريا إلى جانبهم . فتركيا ترتبط مع بريطانيا العظمى بمعاهدة تحالف ؛ ولا ريب أن المباحثات التي جرت أخيرًا بين مستر إيدن وزير الخارجية البريطانية والسير جون ديل رئيس هيئة أركان الحرب البريطانية ، وبين رجال تركيا المسئولين ، قد تناولت جميع الاحتمالات التي تترتب على تطور الحوادث وعلى تدخل الألمان في هذه الساحة ، كذلك لا ريب أن الفريقين قد تفاهما على جميع الأعمال المشتركة التي تبذل في الوقت المناسب لمقاومة الغزو الألماني . وتدخل تركيا يصبح أرجح إذا تحركت بلغاريا لغزو تراقية الشرقية ، أو إذا تحرك الألمان في اتجاه البواغيز .
ولسنا نعتقد أن الرسالة الشخصية التي وجهها المستشار هتلر إلى الرئيس إينونو في آخر لحظة ، ستغير شيئًا من موقف تركيا الذي تحدد في مباحثات أنقره . ولم يذع مضمون هذه الرسالة حتى كتابة هذه السطور ، ولكنها قد تحتوي على الأغلب نوعا من التأكيدات الهتلرية المعروفة بضمان السلامة وعدم الاعتداء ، أو نوعا من التهديد المصوغ في قالب الصداقة والمودة ؛ وهذا لا يؤثر فيما نعتقد شيئًا في موقف دولة وزنت كل الظروف قبل وضع خططها النهائية .
وفي وسعنا أن نتوقع قيام القوات البريطانية في مثل هذه الحالة بالمحاولات الآتية :
( ١ ) ضرب السلاح الجوي البريطاني لجميع الأهداف العسكرية الألمانية في رومانيا وبلغاريا ، وفي مقدمتها آبار الزيت الرومانية .
( ٢ ) ضرب الأسطول البريطاني لشواطئ بحر إيجه التي يحاول البلغار أو الألمان احتلالها .
( ٣ ) احتلال القوات البريطانية لجزيرة رودس ، أهم القواعد الإيطالية في جزر الدوديكانيز ، وربما احتلال هذه الجزر كلها .
وقد بدأت القوات البريطانية هذه المحاولة بالفعل باحتلال جزيرة كاستلوريزو الواقعة شرقي رودس .
( ٤ ) وقد تحاول القوات البريطانية فوق ذلك احتلال سلانيك قبل أن يتمكن الألمان من احتلالها .
وهذا غير المعاونات العسكرية السريعة التي ينتظر أن تقدمها بريطانيا إلى تركيا في هذه الحالة لتشد أزرها في مقاومة القوات الغازية سواء في تراقية الشرقية أو في منطقة البواغيز .
أما موقف روسيا إزاء تطور الحوادث فلا يزال غامضًا كل الغموض ؛ فقد احتل الألمان رومانيا فلم تبد اعتراضًا أو ملاحظة ، وهي تلزم مثل هذا الجمود إزاء احتلال الألمان لبلغاريا . وقد أعلن راديو موسكو أن وزارة الخارجية السوفيتية أبلغت وزير بلغاريا المفوض أن حكومة السوفييت تعد دخول الجنود الألمانية في بلغاريا أمرًا يترتب عليه توسيع نطاق الحرب في البلقان ، وأنها أي حكومة السوفييت لا تستطيع أن تؤيد خطة الحكومة البلغارية ؛ ومهما كان من قيمة هذه الملاحظة السلبية في التعبير عن عدم موافقة روسيا على حركة الألمان ، فإنها لا تفيد شيئًا ولا تؤثر في مجرى الحوادث ؛ ومن الواضح أن روسيا لا يسرها توغل الألمان في البلقان ، وأنها تخشى بنوع خاص سيطرة الألمان على البوسفور والدردنيل وهما شريان التجارة الروسية في الجنوب ، وأنها تؤيد من صميم قلبها مقاومة الترك والإنكليز لهذه السيطرة ؛ ولكن
روسيا بوقوفها هذا الموقف السلبي منذ البداية إزاء مشروعات الألمان في البلقان تحمل على الاعتقاد بأنها إما على تفاهم في ذلك مع ألمانيا ، وأنها قد حصلت على وعود معينة بالاستيلاء على منطقة البواغيز ، أو غيرها مما تطمح إلى تحقيقه ؛ وإما أنها لا تأنس في نفسها من القوة ما يحملها على معارضة المشروعات الألمانية جهرًا ، وما زالت تتربص الفرص ، وروسيا لا تستطيع أن تنسى أو تتجاهل مطامع ألمانيا في سهول اليوكرين ، وفي آبار القوقاز .
ومن الواضح أن ألمانيا لا تقصد بإنجاد إيطاليا والعمل في البلقان ، انتشال إيطاليا فقط من المأزق الذي انحدرت إليه ، وكان له أسوأ الأثر في هيبة المحور , ولكنها تقصد بالأخص إلى تمكين قبضتها من إيطاليا ذاتها ، وإرغامها على السير في الحرب إلى النهاية ، ومنعها من التسليم أو عقد أي صلح منفرد مع بريطانيا العظمي , وحماية الفاشيستية من الانهيار الداخلي ؛ وقد اعترف موسوليني في خطابه الأخير بأن القيادة أصبحت في يد هتلر ، وأن إيطاليا ستسير مع ألمانيا إلى النهاية ، وأنها تؤدي منذ الآن دور التابع للمتبوع ؛ وهذا هو الثمن الذي تقاضته ألمانيا نظير معاونتها لشريكتها في المحور في منطقة كانت تعتبر مجالًا حيويًا لإيطاليا ؛ وهي لم تبذل هذه المعاونة إلا بعد أن أصبحت إيطاليا على وشك الانهيار الداخلي .
وإذا كانت بوادر العاصفة التي ينتظر اضطرامها في بدء الربيع تنذر الآن بالانقضاض على البلقان ، فلا بد لنا من جهة أخرى أن ننتظر اضطرامها في نفس الوقت في الغرب ؛ وقد قال لنا هتلر في خطابه الأخير : إنه ينتظر الربيع ، وإنه سيبدأ فيه حرب الغواصات ؛ ومن الغريب أن يكرر في خطابه ما قاله في خطاب سابق ، وهو أنه على استعداد
لملاقاة الإنكليز في أي جهة من القارة . ويلاحظ أن الإذاعة الألمانية والصحف الألمانية لم تشر منذ أشهر إلى مشروعات الغزو الألمانية للجزر البريطانية بعد أن لبثت مدى حين تكثر من التحدث عنها . وأغلب الظن أن ألمانيا لن تستطيع إقدامًا على هذه المحاولة الخطرة التي يخشى أن تكون مقبرة لمجدها الحربي ، وأنها قد نبذت هذا الحلم نهائيًا ، وأنها ستقنع في الغرب بتشديد حرب الغواصات ؛ وإذا اتسعت الأعمال الحربية في البلقان بصورة تجعل هذه الساحة ميدانًا رئيسيًا من ميادين الحرب ، فإنه يبدو من المشكوك فيه أن تحاول ألمانيا القيام بأية محاولة خطيرة في ساحة أخرى ، وتخالف بذلك الخطة التى جرت عليها منذ بداية الحرب من حصر جهودها الرئيسية في ساحة واحدة .
هذا ، ولاشك أن اليابان من جانبها ترقب سير الحوادث ، وتتربص فرص العمل في الشرق الأقصى ، في الوقت الذي تعتقد فيه أن اشتغال بريطانيا العظمي في الغرب بالنضال مع ألمانيا ، يشل مقدرتها الدفاعية في أية جهة أخرى ؛ بيد أننا لا نعتقد أن اليابان على استعداد لأن نخوض حربًا جديدة في الشرق الأقصى ، وهي تعلم أنها تواجه من بريطانيا واستراليا وأمريكا قوى لا يستهان بها ؛ وأن ألمانيا التي تدفعها إلى مثل هذه المحاولة لا تستطيع أن تعاونها بأية وسيلة ، فإذا لم تكن بتصريحاتها ومحاولاتها الحاضرة تعالج نوعًا من حرب الأعصاب ، وإذا عرض لها أن تخوض مثل هذه الحرب ، فلا ريب أنها ستخوض مغامرة خطيرة لا تؤمن عواقبها . (***)

