الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 41الرجوع إلى "الثقافة"

تطور الظروف وجمود الانسان

Share

وضعت الحرب العظمي أوزارها بعد جهاد طويل، وتألفت عصبة الأمم لتسوية المشاكل المتعددة التي خلفتها الحرب، فسادت العالم موجة من التفاؤل الحسن. والاستبشار بالمستقبل، وتطلع الناس إلى عهد يمتنع فيه القتال، وتقوي فيه بين الأمم روح التعاون والإخاء؛ ولكن العصبة فشلت في حل مشكلات السياسة والاقتصاد، فانقلب الأمل يأسا، وعاد التشاؤم إلي النفوس، وكاد الإنسان يشك في مصير الحضارة باسرها، بل وفي قيمة الحياة ذاتها، وحلق شبح الحرب فوق الرؤوس، فتحرج الموقف واشتدت ازمة النفوس. وتبين للبصير أن موجة التفاؤل التي ارتفعت عام ١٩١٩ قد طغت على الناس في غير حينها، وان الجماعة الإنسانية ما زالت - إلي حد بعيد - على خلقها العتيق في مواجهة الظروف، لا تساير تقلبات الزمن، ولا تجاري صروف الدهر. إن الإنسان ما برح يعالج الآزمات بالطريقة عينها التي كان يعالجها بها منذ آلاف السنين ، ترتقي النظم السياسية والاجتماعية في ظاهرها، وتبقى النفوس على ضمنها، والغرائز على سجيتها وهواها.

أجل، إن اخلاق الفرد قد ارتفعت إلي مستوى رفيع، وأصبحت صلته بأعضاء أسرته وبأصدقائه تقوم - إلي مدى بعيد - على المحبة والاخلاص والنزاهة، ولم يعد الإنسان، كما كان اسلافه الاقدمون، لا يكاد يدرك لغير نفسه وجودا. ولكن اخلاق الجماعة ما زالت بدائية منحطة، وما زال النزاع الذي نشب منذ فجر التاريخ بين المثل الخلقية العليا وبين اطماع السياسة قائما تضطرم نيرانه وتحتدم. وأصحاب النفوس الكبيرة

إزاء هذا الصراع بين اثنين: فإما ان يواجهوه على مضض وكره، وإما ان يفروا من ميدان الحياة، ويلوذوا بحياة الأديرة والرهبنة، كما فعل الكثيرون من المسيحيين في العصور الوسطى. ولكن هذه الوسيلة الثانية تؤدي إلي تحطيم المجتمع، ولو سلكها الناس جميعا لانحلت الرابطة بين البشر؛ فلا مندوحة إذا عن مواجهة المشكلة. ولا مناص من أن تؤدي ما لقيصر لقيصر وما لله لله. وقد سارت الأمم في هذه السبيل، إلا أنا لم ننجح في صلتنا (بقيصر) نجاحنا في الحياة الخاصة، ولم ترفع أخلاقنا حين نعامله إلي مستوي العلاقات الشخصية. ولذا فان المثل الخلفية العليا - كالعطف والصبر والشفقة والعدالة - لا تجد سبيلها في علاقة الفرد بالدولة ، كما تجده في علاقته بغيره من معارفه وإخوانه. من منا ينفق من ماله على الدولة كما ينفق على بيته ؟ ومن منا يعطف على أبناء وطنه عطفه على أبناء أسرته ؟ ومن منا يؤدي ضريبة المال طائعا كما يؤدي دينه لصديق ؟

لقد سبق نظام الدولة إذا طبيعة الإنسان ؛ ومما يعمل على اتساع الخرق بينهما ان السياسة لا تقوم إلا على القوة، وان الحكومة ما برحت تعتمد في تنفيذ إرادتها على الشرطة والجيش. حقا أن القوة محايدة في أصلها، فلا هي خير في ذاتها، ولا هي شر في ذاتها، وإنما هي أداة لا لون لها، قد تعود بالنفع إذا أحسن استغلالها، وقد تعود بالضر إذا أسئ استخدامها، وخيرها وشرها موكول إلي تصريف من هي بيده . بيد أن القوة - كالثروة - تغري صاحبها، وكثيرا ما تدفع به إلى سبيل الشر. وقد علمنا التاريخ أن السلطان المطلق

اذا اجتمع لفرد استبد وظلم :

والظلم من شيم النفوس فان تجد

ذا عفة فلعلة لا يظلم

وكثيرا ما أعنت المفكرون قرائحهم عليهم يكشفون عن الطريق الوسطى التي تقف في وجه طغيان القوة من ناحية، ولا تحرم الشعب من نفعها من ناحية اخري. أو بتعبير آخر: هل نستطيع أن نكبل (قيصر) بالأصفاد دون أن نعطله عن المسير ؟ وقد زادت هذه المشكلة اشتباكا في هذا العصر لاتساع دائرة السياسة وتعقد العلاقة الدولية.

ومما زاد الطين بلة أن وازع الدين، الذي كان يردع الفرد ويرده عن سبيل الشر، قد ضعفت شوكته، وتدهورت المسيحية في أوربا بعد الحرب العظمي، وكاد ينعدم لدى الأنسان الضمير الديني او الخوف من يوم الحساب. ولا يخشى رجال الحكم اليوم غير الهزيمة في ميدان الحرب او ضعف نفوذهم بين الامم. ولا سبيل إلي علاج هذه الحال إلا ان يطبق اولو الامر معايير الأخلاق الخاصة على الشئون الدولية العامة، وان يعود للدين نفوذه وقوته، وان يسيطر على الحياة العملية في شئون الناس، وبذا يمكن ان نقارب بين الأخلاق والسياسة، وبين الظروف الظاهرة والطبائع الباطنة.

ومن الأحداث المهمة التي نسوفها مثالا قويا لتطور الظروف مع جمود الطبائع البشرية والأوضاع الاجتماعية تلك (الثورة الصناعية) العظيمة التي بدأ دبيبها يدب في اوربا في اواخر القرن الثامن عشر، نتيجة للطريقة التجريبية العلمية التي حمل لواءها في انجلترا " باكون " الفيلسوف و" نيوتن " مكتشف قانون الجاذبية. كان من نتائج الثورة الصناعية أن تطورت ظروف الحياة الخارجية بمقدار ما تطورت في الأجيال السالفة جميعا، ولم يحاول الإنسان ان يوفق بين خلقه وبين هذا الظرف الجديد.

ادت هذه الثورة إلى انتشار السكك الحديدية والبواخر وإلي ذيوع الالة البخارية والسيارة والطائرة واللاسلكي والكهرباء وما إليها من نتائج العلم. وتغلغلت هذه القوي في كل جماعة. ولكننا ما برحنا نعيش كلا علي هذه المخترعات، لا نسيطر عليها ولا نحسن تدبيرها فنوجهها وجهة نافعة؛ فالطائرة - مثلا - تستخدم للتخريب كما تستخدم لسرعة الاتصال، والآلة تؤدي إلي البطالة كما تؤدي إلي توفير المجهود. إن الثورة الصناعية ينبغي أن تتبع بثورة اجتماعية حتي يعود استغلالنا للطبيعة بالخير العام كما يقول (باكون) نفسه رائد الحركة التجريبية في العلوم .

أدت الثورة الصناعية إلي زيادة القوي ووفرة الطعام وتوثيق عربي الروابط بين الامم؛ فهل تاهبت النفوس لتلقى هذا الخبر صفوا من غير كدر ؟

كان الإنسان يكسب قوته " بعرق الجبين " وكانت الأرستقراطية تعتمد على الرقيق يقومون بالأعمال اليدوية العنيفة. ولكن العلم وفر علي العامة هذه النقمة، فاستبدل بالقوي اليدوية القوي الآلية، وحلت الآلة محل الرق. فهل تغيرت علاقة الخاصة بالعامة ؟ وهل ارتفع مستوي العامل ؟ وهل قربت الشقة بينه وبين سيده ؟ إن أغنياءنا ما فتئوا ينظرون إلي الفقراء نظرهم إلي الأداة تستغل لمصلحة غيرها لا لمصلحة نفسها.

وأدت الثورة الصناعية إلي كثرة الإنتاج ووفرة المحصول، فلم نعد نسمع بالقحط الذي عاني منه الإنسان في تاريخه الماضي كثيرا، فهل توفرت بعد هذا سبل العيش لكل إنسان ؟

إن العلم يعمل على إلغاء الرق ومحو المجاعات - وهما نقمة الإنسانية منذ العصر الحجري - فهل نعمت النفوس بالسعادة بعد الشقاء ؟ كلا. إن كثرة الناس ما زالت تعمل كثيرا وتكاد لا تجد قوت يومها. وإن الدول ما برحت تتسابق وتتشاحن في سبيل القوة والثراء

كأن نصيب العالم منهما قليل إن الثروة وفيرة وقوي الطبيعة في كل مكان. ولكن هو الانسان ما يزال يفكر على الأسلوب البالي العتيق. فالقوة ما تزال لديه - كما كانت عند الفراعين القدماء - هي سيطرة الإنسان على الإنسان، لا سيطرة الانسان على الطبيعة. وهو ما يزال يطلب الثروة ويجمع الذهب لإرضاء شهوة الملكية في نفسه، ولما يدرك بعد - ما أدرك رجال الاقتصاد النابهون - أن الثروة تيار ينبغي أن يتدفق من يد إلي اخري، وان يتوجه لخير الجميع وللصالح العام.

إن الانسان لم يساير التطور الذي نجم عن الثورة الصناعية ولم يكون لنفسه بعد عادات جديدة تتلاءم وهذا الاتجاه الجديد؛ ومرجع هذا إلي طبيعة الجمود في الانسان؛ فالحوادث تجري جريان السيل، والعقل يتقدم تقدم الجليد، فما زالت كل دولة تسعى إلي غزو غيرها طلبا للغنيمة في عصر الوفرة، ومازالت تقيم الحواجز التجارية في عصر ينبغي أن تعتمد فيه كل امة على غيرها فيما ينقصها من مواد.

إن الفكر الانساني يسير سير السلحفاة، فلقد لبث الفرنسيون يفكرون ويمعنون في التفكير مائة عام على الأقل قبل ان يقر قرارهم على الثورة وقلب نظام الجماعة ؟ وها نحن أولا نفكر في ضم العالم في امة واحدة، بعد ما اصبحت جميع الظروف تشير إلي ضرورة هذه الوحدة، وقد تمضي مئات السنين قبل ان نبلغ ما تريد.

وإنما يدعو الإنسان إلي الجمود تركيبه الطبي، فهو لا يأخذ عن آبائه سوي الصفات الموروثة، أما الصفات المكتسبة فتفني بفناء صاحبها. والأثرة موروثة والإيثار مكتسب، والغضب غريزى والحلم مكتسب، والنضال طبعي والاتفاق جديد. ولما كانت كثرة الصفات الموروثة دنيئة كان التقدم الخلقي بطئ المسير. فالطبيعة الانسانية والدوافع والغرائز التي تدفع ساستنا في العصر الحاضر، هي بعينها التى كانت تدفع زعيم القبيلة في العصر الحجري؛

فالإنسان في مسلكة لا يزال بدائيا رغم انقلاب الظروف والأحوال .

ولكن الانسان - رغم طبيعته الجامدة - قد استطاع في الأزمنة السحيقة ان يخرج من فرديته إلي تكوين الأسرة والقبيلة، واجتاز بذلك المرحلة الأولى ثم خرج من الكهف إلي القرية، وتخلص من صلة الدم إلي صلة الجوار، وهذه الخطوة الأولى هي أشق الخطى وأعسرها، لان القرية عالم معقد في حيز صغير ، فليس بعيدا على الانسان إذا - بعد هذا - أن يوطد دعائم الدولة المحلية، ثم يؤسس الحكومة العالمية.

ولكنا لا نرتقب اتحاد العالم في أمة واحدة في المستقبل القريب، لانصاف الانسان بالجمود كما ذكرنا. وكل ما نطلبه من الفرد اليوم ان يدرك ان وطنه وحدة من وحدات عديدة قد تتحد في مستقبل الأيام في امة واحدة. ولكنا إذا كنا لا نكلف الجمهور تغيير طبيعتهم المحلية او العيش في دائرة اوسع من " الجماعة المحدودة " كما يقول برجسن، إلا أنا نطالب إلي خاصتهم من رجال الحكم، وكبار التجار وأصحاب الاموال، واعلام الفن والأدب، ان يضعوا تطور العالم من القومية المحدودة إلي العالمية المتسعة نصب اعينهم دائما، وان يعلموا أبناء الجيل الجديد أن من واجبهم ان يعملوا لخير الجميع.

اشترك في نشرتنا البريدية