) يتطور العالم الإنساني اليوم ، ولاشك ، نحو الاشتراكية ، وقد زادت الحرب الحاضرة من سرعة تطوره في هذا الاتجاه ؛ فهل من لزوم لهذا التطور ؟ وماهي أسبابه ؟ وهل يتفق اتجاهه الحالي مع الاتجاهات التي سلكتها الكائنات الحية في تطورها قبل اليوم ؟ تلك أسئلة لا مفر من الإجابة عليها إذا أردنا تكوين فكرة علمية صحيحة عن قيمة هذه التطورات الجديدة ، فنطلب إذا من العلم أن يلقي الضوء على مشاكل السياسة( . . . .
الحياة عنوانها الحركة والتطور ؛ أما السكون فمن شيم الجماد ، تلك سنة الكون من يوم أن ظهرت الحياة في المادة ، وقد كان داروين أول من أقنع الناس بذلك ، فدلل على وجود التطور ، وبين اتجاهاته ، ووضح أساليبه . فالكائنات الحية كلها ، من حيوان ونبات ، في تطور مستمر ، بدأ وقت أن بدأت الحياة ، ولن ينتهي قبل انتهائها ؛ لكن التفاوت واضح فيما بينها في درجة التطور ومبلغ الرقي ؛ فأحقرها هي الأميبا ذات الخلية الواحدة التي لم تتطور قط أو تطورت تطورا يمكن إغفاله - وأرقاها هو الإنسان ذو العقل الجبار الذي وصل في تطوره إلي أعلي رتبة بلغها كائن ما إلي يومنا هذا .
أما الغرض من هذا التطور ، فهو تقوية الكائن الحي في كفاحه المستمر ضد البيئة ؛ فهو يسعي للحصول منها على ما يلزمه لحياته وحياة نسله من بعده ، وهي تسعى من جانبها للحد من حياته ومنعه من التناسل ؛ ولا سبيل إلى توفيقه في سعيه هذا إلا إذا تطور وارتقى ، فازداد تبعا لذلك قدرة على مجابهة بيئته . أما إذا بقي على حاله ، أو تطور تطورا لا يكفي ، فالبيئة التي لا ترحم لابد متغلبة عليه فتوصله إلى المصير المحتوم ، فيموت الفرد وينقرض
النوع . الهدف إذا أمام الكائنات الحية مزدوج : المحافظة على حياة الفرد والمحافظة على نوعه ، وتقاس درجة رقي كائن ما بما يصيبه من نجاح في هذا الذي يستهدفه
وقد سلكت الكائنات الحية كلها في تطورها طريقا واضح المعالم ، فارتقت من خلية بسيطة كالأميبا تقوم بمفردها بكل مهمات الحياة الضرورية ، مستقلة عن غيرها استقلالا تاما ، إلى كائنات معقدة كل التعقيد تتكون من عدد من الخلايا لا يحصى ، ترتبط كل واحدة منها بباقي الجسم ارتباطا وثيقا لا يفصم سوى الموت عراه ؛ ولكل واحدة منها وظيفتها الخاصة لا تتعداها : فبعضها للتغذية ، وبعضها للتنفس ، وبعضها للتناسل ، إلى غير ذلك ؛ كما تتسلط عليها جميعا مجموعة خاصة من الخلايا ، هي المجموعة العصبية مهمتها التوفيق والتنسيق بين خلايا الجسم المختلفة .
فالارتقاء في عالم الحيوان والنبات يتحقق إذا بأن يتعقد تكوين الفرد ، وتتعدد وحداته ، ثم تتعاون هذه الوحدات فيما بينها وتتمخض ، ثم تسند قيادتها إلي إدارة مركزية تتولى تصريف الأمور التي تتعلق بسياسة الفرد العليا في بيئته ، فتعمل على حفظ حياته وعلى الإكثار من نوعه
لقد كان تطور الأجسام هذا هو المظهر الوحيد لتطور وارتفاع الكائنات الحية ونجاحها في علاقاتها مع بيئتها دهورا طويلة ، ثم سلكت الطبيعة طريقا إضافيا ، فظهرت في بعض الكائنات غريزة جديدة ، هي الغريزة الاجتماعية ، وأخذت الكائنات التي من نوع واحد تتعاون فيما بينها لفائدة الجماعة بعد أن كان الفرد يعمل لمصلحته الذاتية فقط مستقلا عن غيره استقلالا يكاد يكون تاما .
وقد بلغ من ارتقاء هذه الغريزة عند بعض الأنواع أن نظمت حياة الجماعة تنظيما عجيبا ، فتخصص بعض الأفراد لأداء مهمات خاصة - كما تخصصت خلايا الجسم
الواحد قبل ذلك - وأسندت القيادة إلي فرد - كما أسندت خلايا الجسم قيادتها إلي المجموعة العصبية - وأصبح للملكة في النحل ، مثلا ، الكلمة النهائية في المجتمع ، كما أصبحت حاجيات الأفراد في مثل هذه الجماعات يقضى بعضها بسعيه الخاص وبعضها بسعى الجماعة .
لكن الغريزة الاجتماعية لا تتطور في النوع الواحد ، فلا تقوي الصلة بين الأفراد ، ولا تتعقد نظم الجماعة ، فأسس التعاون ثابتة ، والنظم المتبعة في المجتمع جامدة فقد قامت على غريزة ، والغريزة لا تتغير . فالنحل والنمل مثلا - وفيهما الغريزة الاجتماعية على أقواها وأرقاها - لا تغير كثيرا أو قليلا في نظم التعاون ، أو درجة التخصص أو مقدار تعقد الإدارة - لكنها تسير دائما علي وتيرة واحدة
أما بين الأنواع وبعضها ، فقد تطورت الغريزة الاجتماعية قوة وضعفا ، فظهرت بعض الأنواع وفيها الغريزة ضعيفة جدا كالماشية والذئاب مثلا ؛ فمظهر الغريرة الوحيد فيها هو اجتماعها في قطعان تشترك في البحث عن مرعي أو في الهجوم على الفريسة . أما في النحل والنمل ، فالغريرة فيهما ، كما أسلفت ، راقية قوية تشمل مرافق الحياة كلها .
لقد ارتفت الكائنات إذا وازدادت نجاحا في كفاحها ضد البيئة بطريقتين : ارتقاء الفرد أولا ، وارتقاء العلاقات بين الأفراد ثانيا . فأما عن الطريقة الأولى فهي متبعة في كل نوع وفي كل فرد . وأما الطريقة الثانية ، فهي مقصورة على بعض الأنواع دون غيرها ، فمن الكائنات ما لا غريزة اجتماعية له البتة ، ولا يشترط أن يبلغ الفرد في تطوره الاجتماعي نفس المرتبة التي بلغها في تطوره الجسمى ، فقد يكون أرقي في اتجاه عن اتجاه ، فالنحل مثلا أقل رقيا في تكوينه الجسمي من الماشية ، لكنه أرقي منها بما لا يقاس في تنظيمه الاجتماعي
خطت الطبيعة بعد ذلك في تطورها خطوة جديدة ،
فظهر في العالم كائن جديد هو الإنسان ، يمتاز عن غيره من الكائنات بأنه يفكر . ولا يهمنا في هذا المقام أن ندخل في جدل نظري حول ماهية الفكر وطريقة ظهوره وهل يختلف ، أو فيم يختلف ، عقل الإنسان عن إحساس الحيوان ؟ إلى غير ذلك من المناقشات التى لا طائل وراءها والتي لا تغير من واقع الأمر شيئا . إنما الواقع هو أن الإنسان ، بما له من عقل مفكر ، قد نجح إلي حد كبير في كفاحه ضد بيئته ، فأصبح له الآن عليها سلطان عجيب وأصبح في مقدوره هو أن يغير فيها ويبدل بعد أن كانت هي التي تتحكم في الكائنات كلها ، فتجبرها على التطور مجاراة لها وخوفا لما قد يجره الجمود من موت وانقراض . فتسلط الإنسان على البحر والجو واليابسة ، وأخضع الحيوان والنبات لجبروته ، وسخر الجماد لخدمته
لا يرجع الفضل في نجاحه هذا إلى سعي الفرد ، ولا إلى سعي جماعة مدفوعة بغريزة اجتماعية جامدة ، بل إلى فكره . الذي جعل من تلك الغريزة قوة نامية تعمل دائما على ازدياد التعاون بين الأفراد وعلى تعقد نظم الإدارة عند الجماعة ، بعد أن كانت الغريزة عند باقي الكائنات الحية جامدة لا تتغير . وانتظم أفراد الجنس البشري في جماعات صغيرة كما انتظم غيرهم من الكائنات في مملكة النمل والنحل قبل ذلك - وأصبح الأفراد يعملون لصالح الجماعة لا لمصلحتهم الذاتية فقط ، كما أصبحت الجماعة تعمل لصالح كل فرد مكون لها ، وبدأ التخصص في الأعمال ؛ فقد كان الفرد قبل ذلك يقوم مفرده بكل الأعمال التي تتطلبها حياته ؛ أما بعد انتظامه في جماعة فتخصص كل في عمل لا يأتي سواه ، فوجه بعضهم إلى الحصول على الطعام وبعضهم إلي ) إعداده وكلف غيرهم بالبحث عن مأوي ، وغيرهم بالدفاع عن الجماعة إلى غير ذلك .
كانت تلك الجماعات أول الأمر صغيرة ثم أخذت تكبر شيئا فشيئا ، فتطورت الجماعة من عائلة إلى قبيلة ،
إلى قرية أو مدينة ، إلى دولة نقوم في مدينة واحدة كدول الإغريق مثلا ، إلى دولة تشمل مدنا كثيرة كدول أوربا الحالية ، إلى الأمبراطورية الواسعة التي لا تغرب الشمس عنها ، وقد أسندت الإدارة المركزية في كل مجتمع إلى حكومة لها الكلمة الأخيرة في مسائله ، فهي التي تدير دفة شئونه وتوجه سياسته ، وهي التي تعمل على حفظ النظام داخل المجتمع . وقد تعقدت نظم هذه الحكومات بمضي الأيام ، وازداد التعاون بين الأفراد وثوقا ، كما ازدادت درجة التخصص في الأعمال ، وأصبحت الحكومات تهيمن على نواح متزايدة من نواحي نشاط الفرد ، وأصبحت في العالم نظريتان ، تقول إحداهما بزيادة
التعاون بين الأفراد ، والتخصص في الأعمال ، وتعمل على توسيع سلطة الحكومات وتوحى بأن يضحي الفرد بمصلحته الخاصة في سبيل مصلحة المجتمع كله ؛ أما الثانية فتقول ببقاء الفرد حرا لا يخضع للجماعة إلا في القليل ؛ فتوحى بالإقلال من سلطة الحكومات وتغلب حرية الفرد علي مصلحة الجماعة . وقد انقسم الناس في كل بلد إلي حزبين يشتد التنافر والتناحر بينهما : يسمي الأولون بأهل الشمال ، ويسمى الآخرون بأهل اليمين . ولنترك الكلام عن هذا النزاع بين أهل الشمال وأهل اليمين وتأثير الحرب فيه ، إلى فرصة أخري
