الوجهة التاريخية :
عند انتقالنا من يحث النظريات المتعلقة بالوجهة الدينية ومناخ البلاد لبحث الوجهة التاريخية - يحسن بنا أن نبدأ بحثنا منذ حكم الرومان والفرس أى من السنة الأولى للميلاد حتى سنة ٦٥٠ منه .. الخطأ كله الظن بأن العرب قبل الاسلام كانوا قوماً متوحشين . إن موقف العرب في ذلك الوقت كان صعباً جداً حيال أكبر امبراطوريتين عرفهما ذلك العصر. وموقفهم هذاجد شيه بموقف جرمانيا في القرن السابع عشر أو الثامن عشر عند ما كانت بين الامبراطورية الفرنسية والامبراطورية النمساوية . ان اضمحلال هاتين الامبراطوريتين مكن جرمانيا من الاستقلال والوحدة كما أن نفس السبب أى اضمحلال الامبراطوريتين الرومانية والفارسية مكن العرب من تأسيس وحدتهم عند ظهور الاسلام (1) واننى لا أظن بأن أحداً يحلم بأن يقول إن الجرمان لم يتمكنوا من الاستقلال قبل ذلك الوقت لأنهم شعب منحط ، ولذلك يجب أن
تعترف بأن العوامل الجغرافية قديرة على تأجيل اتحاد واستقلال أمة ما مدة طويلة .
بظهور الاسلام في القرن السابع ابتدأ الفتح الإسلامي العربي الذي اجتاح أكثر البلدان المعروفة في ذلك الزمان بمدة تقل عن مئة سنة . كما أن العرب تمكنوا من فتح بلاد وجد فيها أوربيون مثل شمال أفريقيا حيث سكن الوندال ، وأسبانيا حيث سكن القوط. ان هذه الفتوح التي تعتبر من أعظم الأعمال التي عرفها التاريخ أدت إلى تأسيس امبراطورية دامت ٣٠٠ سنة ؛ وقد حافظت على كيانها بالرغم من انقسامها فيما بعد. وبقيت قوية وعمرت أكثر من الامبراطورية البريطانية الحالية .
عند قدوم العثمانيين بعد سنة ١٣٠٠ للميلاد لم يبق للعرب تاريخ (۱) ولكن هنا نقطة واحدة يجدر بنا بحتها لتعلقها بسؤالنا حول قابلية العرب للرقى .
إن العرب لم يعيشوا في خلال السبعمائة سنة الماضية في جو مثبط للعزيمة أو في عصر مدنية راقية وقصروا عنها حتى يمكننا القول بأن طينهم فسدت وفقدوا مزاياهم . ان الاتراك استولوا على الوظائف الرئيسية ابان حكمهم وقطعوا صلات العرب بالعالم الآخر ومع ذلك يصح أن أقول إن العرب الذين تراهم اليوم عاشوا مئات السنين الماضية نفس المعيشة التي عاشها الأشخاص الفاتحون الذين قاموا بتأسيس تلك الامبراطورية الكبرى - طبعاً هم جهلة ومتأخرون لحد ما - ولكن لا يوجد شيء يجعلنا نعتقد بأنهم فقدوا صفات الشجاعة والذكاء التي مكنهم من القيام بفتوحهم وتأسيس امبراطوريتهم العظيمة
حيوية العرب المصريين :
دعنا ننتقل الآن برهة وجيزة لبحث حيوية العرب المصريين. وبما أن الوقت لا يتسع لبحث هذه القضية بحثاً واسعاً فسأقصر كلامى على وجهة أو وجهتين بالنسبة للوضع الحاضر . إنني لم أصادف في تجاربي وأعمالي ما يحملني على الاعتقاد بأن العرب غير قادرين على تيسير الأمور من وجهة حكومية أو إدارية
کا لحكام الاعتياديين في أوربا أو الاضطرابات والقلاقل التي تقوم عادة عند استقلال أي بلد عربي أمر طبيعي كما حدث في سوريا أو العراق عند انتقال الإدارة من السلطات الأوربية إلى السلطات العربية . وهنا أحب أن أذكر نقطتين : الأولى ان انتقال الإدارة من يد إلى أخرى لابد أن يوجد فترة عدم استقرار ؛ فعند ما تسلم البريطانيون والفرنسيون إدارة هذه البلاد من الأتراك حدثت اضطرابات أعظم من هذه ودامت سنين عديدة؛ ولكن الآن وبعد مضى هذه المدة الطويلة على حكمهم يمكنك أن تجد إدارة منظمة كالآلة وموظفين قدرين ، الثانية ، ورعا كانت الأهم أن أهل البلاد التي تحت انتدابنا يعرفون أن من وراء كل بريطاني أو فرنسي قوة عسكرية عظيمة ، وفهما حاولنا أن نخدع أنفسنا بقدرتنا فعلينا أن تعترف بأن كثيراً من أعمالنا لا يعزى إلى شخصياتنا بل إلى القوى البرية والجوية التى تزيد من هيئتنا. فاذا ما أخذ عربي مسؤلية الحكم عرف الجميع بأن لا قوة ولا أساطيل وراءه تحميه .
سأقدم إليكم مثلا من وجهة ثانية على قدرة العرب المصريين في تطبيق النظم الفنية والعلمية الحديثة والاستفادة منها . وبهذه المناسبة سأذكر عملا أشرفت عليه بنفسى : عند ما أنشأت قوة البادية حاولت أن يكون أفرادها من البدو الرحل – وهذه الفئة من العرب أجهلها - ولكن بعد مضى أربع سنين أو خمس - تمكن هؤلاء الجهلاء من القيام بقسم النقل الميكانيكي لتأمين مواصلات القوة كما تعلموا استعمال المدافع الرشاشة ؛ وهم الآن يتدربون على إجراء المخابرات اللاسلكية . إن عدداً من هؤلاء أرسل إلى مشغل فورد بالأسكندرية ودرسوا جنباً لجنب مع إيطاليين ويونان ومصريين وجنسيات أخرى وعادوا يحملون كفير هم شهادات فنية في ( الميكانيك » . ولقد قرأت حديثاً في كتاب أن البدوى يذبل ويموت - كالهنود الحمر - عند احتكاكة بالمدنية . فعدا عن خيال هذا الرأى أقرر بأن البدوى - إذا ما أعطى الفرصة - يمكنه أن يصبح متحضراً ومدنياً بكل ما في هاتين الكلمتين من معان
انقسام الشعوب العربية :
إن الصعوبة التى يواجهها العرب الآن هي عدم التجانس. وقد سبق أن قلت إن سوريا والعراق معرضتان للمؤثرات الخارجية من
جهة ، والتأثير العربي الخالص من جهة أخرى . وقد كانت تقوم في أواسط هذه الأقطار وعلى الأخص سوريا وفلسطين وشرق الأردن منافسة شديدة بين ثقافات متباينة. وقد ظهرت هذه المنافسة جلية واضحة بسبب تشدد الأمم الأوربية في مسألة القوميات . قد كان ظهور القومية فى أوريا سبباً في ظهور القومية العربية . ومثل هذه الفكرة كانت مفقودة في زمن الامبراطورية العثمانية ما كان العرب لا يعرفون قضية كهذه قبل ٥٠ سنة . لقد كان الولاء زمن الامبراطورية العثمانية ولا دينياً لشخص الخليفة أو للامبراطورية نفسها التي كانت خليطاً من أجناس متعددة . وقد كان العرب لا يهتمون بالقضية القومية حتى احتكوا بالأقوام التي حافظت على قوميتها فقاموا ينادون بأنهم أمة واحدة ذات قومية خاصة - وقد كان عرب فلسطين وهم مختلفو الجنسية والدين لا يعرفون القومية حتى احتكوا باليهود والانكليز فقاموا ينادون بأنهم عرب وأتحدوا (1) . ومن ثم بعد أضحوا يفهمون القومية شعروا بإشمئزاز مما يتخيلونه أو يتحققونه من استخفاف الشعوب الأخرى بأمرهم - والخطوة التي تلت ذلك أن القباب المتعلم قام يسجل ليتعرف إلى الأسباب التي مكنت الأوربيين . حكم بلادهم فوجدها العلم والمال والقوة ، أو بالأحرى ما هو عليه المجتمع الأوربى الحالى ، فقام يقتبس كل ما هو أوربى ويعمل على السير وأوريا في مضمار واحد . إن أمام هذه الفئة طريقين محمد الأول: أن تجرب أن تعلم العامة تسير الأمة وتهض كلها دفعة واحدة . وتطبيق هذا عملياً جد صعب - والثانى أن يقتبس المتعلمون وحدهم كل ما هو أوربى - وهذا ما فعلوه - فيتركون بذلك طبقة العامة من الأمة - وهم الأكثرية - وراءهم وبذلك يفتحون ثغرة واسعة بين طبقات الأمة . وأرى أن هذا ضعف كبير
التطورات الحديثة
رأينا في بحثنا عن قابلية العرب للرقى أن الإسلام لا يقف حجر عثرة في سبيل رقيهم ، وأن جو بلادهم لا يوجد أمة خاملة ، بل على العكس رأينا أنهم شعب قوى حيوى شديد المراس ، وأن تاريخ بلاد العرب الشمالية برينا أنهم أهل عزم وقوة ، وقد قاوموا جغرافية بلادهم الشاذة التي جعلت أقطارهم الهامة على الأطراف وأوجدت بادية الشام في الوسط فاصلة أقطارهم عن بعضها البعض - ورأينا كيف أنهم قديرون على الحكم والاستفادة من العلوم والفنون الحديثة كما وجدنا الروح القومية تساعدهم وتسيطر عليهم ولكنها لا تزال الآن محصورة فى طبقة خاصة كما أن الأمة غـير متجانسة.
على أن أذكر تحت هذا العنوان نقطتين وهما الموارد المعدنية وتحسين طرق المواصلة الحديثة . لقد سبق أن قلت إن أماً كثيرة حاولت أن تحكم البلاد العربية الشمالية ولكن لم يكن القصد من ذلك استثمار موارد البلاد الطبيعية نفسها ولكن لأنها المر إلى الشرق والجسر البرى الوحيد لأفريقيا .
وقد بقيت أواسط الجزيرة العربية حرة في كل أدوار التاريخ إذ كان يظن أنها فقيرة لدرجة أنها لا تساوى كلفة فتحها. لقد اكتشف النفط - البترول وزيوته في عدة مواضع من هذه الأقطار، ولكن لم تعرف مناطقه وكميته بوجه التحديد . وكذلك يظن وجود بعض المعادن الثمينة فيها ، ولكن لا يمكن لأحد أن يتكهن الآن عما ستكون نتائج هذه الاكتشافات – فهي إما أن تدر الثروة - التي هي أساس القوة في العالم على البلاد وإما أن تنبه أطماع الأمم الأوروبية
بقيت هناك قضية طرق المواصلات الحديثة . لقد سبق أن تكلمت بهذه المناسبة عن صعوبة اتحاد الأقطار العربية ثقافياً أو إدارياً أو عسكرياً بسبب الصحاري التي تباعد بينها ، وقد استغرقت رحلة قمت بها قبل ١٥ سنة على ظهور الجمال من العراق إلى شرق الأردن ثلاثة أسابيع، ولكن قطع هذه المسافة الآن لا يستغرق أكثر من ٢٠ ساعة بالسيارة أو ساعتين ونصف ساعة بالطائرة . يجوز أن يكون للتحسين الذي طرأ على طرق المواصلات ار يعيد في توحيد الثقافة بأقطار كالأقطار العربية التي تعد
صعوبة المواصلات بينها من أكبر الموانع للقيام بأى عمل من الأعمال ، ويجوز أن يقضى هذا التحسن على أهمية مركز حلب الحربى قضاء كلياً - فقد سبق أن تعرضت بكلامى لهذا الموضوع وقلت إن من يتمركز فى حلب يمكنه أن يعزل سوريا عن العراق عزلاً تاما - ولكن إذا أمكن تعييد طرق جيدة وكثيرة في وسط البادية فإن أهمية هذا المركز تزول .
وأخيراً أرى من الأهمية بمكان أن أذكر شيئاً عن الإذاعة واللاسلكي - مع العلم بأن هذين الفنين متأخران في الأقطار العربية - لا ريب أنه سيكون للاذاعة واللاسلكي أثر بعيد في تقدم التهذيب السياسي بين الشعوب المتأخرة كما أن الإنسان يمكنه إهمال إرسال الجرائد لأناس أميين ويمكنه أيضاً الاستغناء عن البريد ولكن من السهل عليه أن يث أية آراء سياسية بين سكان أقصى واحة من واحات الجزيرة مهما بلغ سكانها من الجهل وذلك بواسطة الإذاعة اللاسلكية.
هذه نهاية ما أردت أن أقوله وأحب إن سمحتم لى أن أقر عليكم قبل الختام النتائج التي وصلنا إليها في بحثنا
١ - إن موقع بلاد العرب الشمالية وتكوينها الجغرافي كمر إلى الشرق وجسر برى يؤدى إلى أفريقيا جعلها عظيم الأهمية - وستبقى على الأغلب كذلك مستقبلاً .
٢ - إن تباعد الأقطار العربية الشمالية وتكوينها مثلث تتوسطه الصحراء جمل الاتحاد السياسي والعسكري بينها صعباً جد
- إن البلاد المجاورة للصحراء من سوريا والعراق وشرة الأردن كان يؤمها ويتوطنها العرب النجديون على مر العصور ینما نرى بلدان الساحل من سوريا وفلسطين – وحديثاً – المدن العراقية خاضعة للتأثير التركي والأوروبي وبذلك وجدت ثقافات متانة في البلاد .
- إن روح القومية التي اكتسحت أوروبا خلقت مثله في الأقطار العربية وقد غذيت هذه الروح باتباع نفس الطرق التي اتبعتها أوروبا للحصول على القوة ونتج عن ذلك أن الفئ الراقية من العرب التي أرادت أن تجاري أوروبا بسرعة لم تتمكر من النهوض بسواد الشعب الجاهل مما سبب حدوث فروق ثقافي واسعة بين طبقات الشعب .
-٥- بعد درس مناخ و تاريخ و ديانة ونفسية سكان الأقطار العربية الشمالية يمكننا أن نقرر بأن ليس في الإمكان وضعهم في عداد الأمم غير القابلة للرق ؛ فقد ظهر لنا جلياً أن العرب يملكون كل المؤهلات التي تمكنهم أن يكونوا شعباً عاملا كلى شعب أوروبي .
- إن وجود النفط ومعادن أخرى في بلاد العرب أوجد احتمالات لا يمكن التكهن بنتائجها قد تدر الثروة على العرب فيضحون قوة عالية أو تكون مرتعاً جديداً لأطماع الأمم القوية الأخرى.
7- إن صعوبة المواصلات كانت تقف في وجه الوحدة العربية ولكن استمرار تحسين طرق المواصلات الحديثة قد يساعد في وصول البلاد العربية إلى اتحادها ونهائياً إلى وحدتها . المستقبل : يمكننا حصر منهج الرقي في البلاد العربية بما يلى .
١ - ستمضى برهة غير قصيرة حتى يتمكن سكان الأقطار العربية الشمالية من الحصول على تجانس سياسي وثقافى ويجوز أن تعجل طرق المواصلات الجديثة إنجاز هذا العمل .
٢ - إن وسائل الدفاع عن الأقطار المذكورة صعبة ولكن تحسين طرق المواصلات في البادية فين بتخفيف هذه الصعوبة.
-٣- إن العرب يملكون المؤهلات الكافية لصيرورسهم . أمة عصرية هامة ولكنهم لا يقدرون على السير وحدهم الآن
د - يتوقف الاستقلال السياسي في كثير من الأحوال على العوامل الخارجية ولذلك لا يمكن التكهن من الآن الوقت الذى يمكن للعرب فيه أن يصلوا إلى وحدتهم وينالوا استقلالهم السياسي .

