تتطور نظم الحياة والحضارة كما تتطور أساليب التفكير والتعليم والتربية في ألمانيا في ظل النظام الهتلري بسرعة مدهشة؛ والمحور الأساسي الذي يقوم عليه هذا التطور في جميع مناحي الحياة الألمانية هو صبغ هذه الحياة بالصبغة الجرمانية المحضة وتحريرها من جميع المؤثرات الأجنبية؛ ويجري في ميدان التعليم والتربية تطور حاسم أيضاً يقوم على تكوين الجسم الألماني تكويناً صحيحاً وتنمية القوى الجسمية إلى جانب القوى العقلية. والإنجيل الذي تطبق تعاليمه اليوم على الشعب الألماني هو كتاب هتلر المعروف (كفاحي) ؛ ففي هذا الكتاب يتحدث هتلر عن التربية ويحمل بشدة على تفضيل تنمية الذكاء في الفرد، ويقول إن النظام القديم يرمي إلى خلق عقول وأفراد فقط؛ ولكنا نريد أن نخلق قبل كل شيء أجساماً قوية وإرادات ثابتة. ويكفي أن نخصص في الأسبوع ساعتين فقط للرياضة البدنية. ومذ تولى هتلر الحكم وهو يعمل لإنشاء هذا النظام الرياضي؛ ففي سنة ١٩٣٣ صدر قانون (تحسين النشء) ، ومبناه اتخاذ جميع الإجراءات التي يحسن اتخاذها لتقويم صحة الشباب وعقله وتفكيره؛ ثم صدر بعد ذلك قانون (السنة الخلوية) وهو يحتم على التلاميذ تمضية عام في الريف والحقول عقب إنهاء الدراسة الابتدائية؛ وهنالك أيضاً نظام (الخدمة العامة) الذي يحتم على كل رجل أعزب وامرأة عزباء الإقامة ستة أشهر مع أبناء أو بنات الشعب
في معسكر ريفي في العراء؛ ثم تنتقل مدارس المعلمين في القرى أو المدن الصغيرة؛ وكذلك انتقال أساتذة المدارس الابتدائية بين حين وآخر إلى الريف للاشتغال ببعض الأعمال القروية. والقصد من ذلك كله هو أن يمد الشباب والنشء بروح العزم، وضبط النفس، واحتمال المشاق. وللفتاة الألمانية أيضاً نصيبها الوافر من التعليم الرياضي الذي يهيئ لها الجسم الصحيح ويعدها أماً صالحة للشعب الألماني
وكذلك يتجه النظام الجديد إلى تجنب الثقافة الجنسية التي يعدها عاملاً في إفساد الفتى والفتاة؛ فليس بين برامج التعليم الحاضر شيء من مسائل الثقافة الجنسية التي كانت تلقى بكثرة في ظل النظام القديم؛ وعلى الآباء والأمهات أن يلقنوا أبناءهم وبناتهم ما يحسن تلقينه من المسائل الجنسية المحتشمة، كذلك يرغب النظام الجديد عن نظام اختلاط الفتى والفتاة في ميدان التعليم ويعتبره تقليداً ضارا بمستقبل النشء
ولم تبق الجامعة في نظر النظام الجديد مكانا تحشد فيه المعلومات في الرءوس، ولا موطناً يعد الشباب للكسب الفردي؛ فالفرد إنما يجب أن يعمل للمجموع، وأن يستخدم في ذلك السبيل أي موهبة أو كفاية؛ ولا يريد النظام الجديد بعد شباباً ذابلاً تملأ رأسه المعلومات المختلفة، فذلك الضرب من الشباب يجب أن يختفي
وقد أدخلت تعديلات كثيرة على نظم القبول في المدارس والجامعات، وأضحى العامل العقلي والتعليمي أقل شأناً مما كان من قبل، وأضحى العامل الجسمي والخلقي في مقدمة العوامل التي تؤهل الطالب للقبول
وقد اتخذ تعليم التاريخ وسيلة لتكوين العقلية الألمانية الجديدة؛ فلم يعد يلقن الشباب تلك التفاصيل التاريخية المسهبة، وإنما يلقن التاريخ موجزاً من الناحية العامة، وتخص الناحية الجرمانية بكل عناية؛ وتتخذ نظرية السلالة الألمانية أهمية خاصة: سلالة الجنس الشمالي وتطورها ونقاؤها والأخطار التي تتعرض لها. هذا أهم ما يلقن الشباب الألماني، وهذا ما يشير إليه هتلر في كتابه بقوله إن غاية التربية الأخيرة هو أنه يجب أن يغرس في عقل النشء أن الجنس الجرماني هو أرفع أجناس الخليقة
وهكذا تفيض جميع نظريات التربية الألمانية القديمة التي عمل العلماء الألمان لاستخدامها على ضوء التجارب والأصول
العلمية المقررة، وتحل مكانها نظريات جديدة جل غايتها أن تقوي الفكرة العسكرية في الشباب الألماني تحت ستار التربية الرياضية وأن تخلق من الشعب الألماني قبل كل شيء شعباً عسكرياً يعتز بقواه وكفاياته المادية

