من الخطأ في هذا العصر أن نجعل محور الحديث الديني هو المحور التقليدي السابق الذي يدور العقل به حول الصورة القديمة للكون في عقول القدماء تاركين النظر إلي الوضع الجديد لهذا الكائن الإنساني الذي ابتدأت قدرته وعلمه يحلان محل آلهة الخرافة عند القدماء .
فلقد كان منطق العجز والألم والجهل هو الذي يسيطر على عقول أكثر الإنسانية إلي ما قبيل هذا القرن ، بل إلى ما قبل الربع الثاني منه ، وكان هذا المنطق يوحي بالتشاؤم والنظرة السوداء إلى الحياة والسخط على ما فيها من سدود وقيود ؛ وكان الدين حينذاك بلسما يبرد الجراح وعزاء يخفف وقع الآلام وطوق نجاة تتعلق به الأرواح الغريقة لتصل إلي شط الطمأنينة والسكينة لحظات لا تلبث أن تأخذها بعدها الحوادث اليومية إلى اللجة فتضرب فيها بأكفها الصغيرة الهزيلة.
أما الآن فيجب أن يكون منطق القدرة والعلم والراحة التي جلبها العلم هو الذي يسيطر على عقول الإنسانية ويوجهها إلى الله وإلى الخير ، ويوجهها إلى التأمل العميق في هذه القدرة والعلم اللذين صارت تتصرف بهما في حياتها ، وإلي التأمل أيضا في هذا الوضع الحر الذي تتمتع به بين الكائنات المقيدة ، والدورات الأبدية المكررة .
وإني أكرر - ولا بأس أن أكرر ما دمت في صدد بسط دعوة - أن الإنسان صار له من القيمة والاعتبار ما يوجب عليه ان يفكر في نفسه ووضعه بعد أن صار عاملا عظيما من عوامل التكوين والتخريب في الكون المادي .
وإذا كنا لم نعرف الله رب الكون ونؤمن به إلا عن
طريق ما نراه من مخلوقاته وما فيها من إبداع وتنويع وتفريع ، وإذا كان القرأن الكريم ، وهو أعظم بيان ديني عن الله ، لم يأت بأي صفة له تعالى إلا وهي منتزعة من فعله سبحانه في هذا الكون ، فإننا حينئذ لا بد لنا من الاستئناس بهذا في الاستدلال على ما للانسان من قيمة خطيرة في الأرض وفي الكون المادي كله بعد أن صار عاملا عظيما من عوامل التكوين والتخريب والتنويع والتفريع في عالم المادة والحركة والسرعة والاتصال رغم الأبعاد والمسافات.
وفي رأيى أن أعمال الإنسان الآن إنما هي تفسير لما سمعناه وآمنا به عن صفات الله وأعماله ، فقد كانت عقول أكثريتنا القاصرة لاتفهم أن أمور الله فى التكوين والتخريب والعلم والاتصال بمخلوقاته إنما هي قوله للشئ : " كن " فيكون . . وقد كانت عقول قدمائنا حتى عقول بعض الأنبياء لا تدرك عمل الله سبحانه في التكوين والإحياء وتتوهمه سبحانه خاضعا في عمله للوسائط ، والأدوات والكيفات المادية ، فكان بعضهم يسأله : " رب ارني كيف تحيي الموتى " أني يكون لى غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا " ، " أني يكون لى ولد ولم يمسسني بشر " . وهكذا كانت جميع عقول البشرية لا تدرك أن الله الذي خلق هذا العجب الذي نراه من لا شئ ، لا يجوز أن يكون مقيدا وسجينا بقوانينه التي هو واضعها ، وأنه لا شك يستطيع أن يخلق عجبا غيرها إذا أراد تغيير سفنه في نشأة اخرى ، وأنه إن خرقها في حادثة جزئية فذلك استثناء يشير إلى القاعدة وينبه الأذهان إليها من تخدير الألفة والاعتياد والذهول .
فلما وصلنا إلى درجة من العلم والقدرة تتيح لنا أن نقول لكثير من الأشياء " كوني " فتكون بسرعة البرق واللاسلكي والكهرباء بعد أن نهيئ لها قوانينها ونتخذ لأبوابها مفاتيحها ، فلا يجوز حينئذ أن يخفي علينا
تفسير قول الله : " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون "، إذ أننا على عجزنا وضآلتنا ومحدوديتنا استطعنا أن يضيء الطفل منا مدينة بضغط أصبعه على مفتاح كهرباء فيطلع فيها شمسا ، وأن يجري أنهارا من الماء في بيته بفتح صنبور ماء ، وأن يتصل بمن يريد وبما يريد فيراه ويسمعه ويسمع أنفاسه ويري حركاته من أقصى الأرض بالتلفزيون والتليفون والراديو والرادار ، وينسف مدينة عظيمة بقنبلة ذرية كالبيضة أو كالفولة ، وأن يحارب أعداءه بالطائرات والدبابات التي تسير باللاسلكي فيجعلها تكر وتفر وتقبل وتدير في ميادين الحرب ، وهو عنها بعيد بمئات الأميال، فما بالنا بالخالق الباريء والمبدع المنشئ مخلوقاته من لا شئ ؟ !
وفي أكثر العقول الدينية استبراق واستدراج خاطئ في فهم الدين وفقه القيام بأعماله .
إنهم حين يعيشون ساعة الوجدان الديني ينسحبون من الحياة ومنطقها وينسلخون أو يودون أن ينسلخوا من بشريتهم العملية ، ويحسبون حينئذ أن أعمالهم الدينية ليست للحياة الدنيا وإنما لأمور أخري خارجة عن نطاق الدنيا .
فهم يشهدون بالله الواحد ، لا كمفكرين ارتضوا الإلهية والتوحيد مذهبا فكريا قبل ارتضائه قضية سماعية موروثة مأخوذة بجملتها من يد الأم والآب ، بل كأطفال يحكون أقوال الأمهات والآباء ، حكاية السماوات ، مع أن هذه الشهادة أعظم وقفة في حياتهم ، لأنها إبرة التوجيه ومفتاح التحويل وبدء الطريق الفكرية والحيوية .
وحين يصلون مثلا لا يشعرون وهم مقبلون على الصلاة أنهم يؤدون عملا في صميم الحياة ، إذ يقفون في (طابور) الصباح والظهر والمساء كما لو كانوا معروضين قادمين على شكر رئيس في الحياة يحبونه ، لأنه يسدي إليهم هبة
الحياة ونعمها ، إنما يصلون وهم يشعرون أنهم منفصلون عن الحياة في تكليف خارج عنها ، ولا يتصل بمنطقها ، وهم لا يزكون وهم يشعرون أنهم يؤدون واجبا مدنيا لإصلاح حياتهم الخاصة والعامة ، إذ يمنعون عنها جرائم التفاوت الظالم والتقاطع القاسي بين الطبقات ، وإنما يفعلون ذلك لاحتياز قصر في الجنة وللبعد عن حفرة في النار وحسب .
وقل مثل ذلك في باقي الأفكار والأعمال والرسوم الدينية ، فهي تفعل وتزاول كأنها أفعال خارجة عن نطاق خدمة الحياة الدنيا .. ولذلك انفصل الدين عن الدنيا في عقول هؤلاء وقيل دين وقيل دنيا . . ولا عجب أن ينفصل ، لأن الدين يلقن قبل دور التمييز والحكم العقلي ، ثم يهمل التفكير فيه إذا جاء الدور اللائق به ، فما لم يكن للشخص احترام لعقله يحمله على التفكير في كل شئ موروث ، تلحقه هذه الجناية .
ألا إن الدين هو أداة صلاح الحياة الدنيا التي نحياها هنا أولا ، ولن تصلح الاخرة إلا بصلاح الدنيا ، ولم تكن جنة ونار إلا نتيجة لأعمال الإصلاح اللائق بتأهيل الناس لسكني الجنة ، وأعمال الإفساد اللائق بسكني الثانية . فليستيقظ المسلمون المغمضو العيون الأخذون أقوال دينهم كأنها أقوال كهانة وطلاسم سحرة ، تلفظ وتجري علي الألسنة في غير وعي ، لا لتنتج شيئا هنا وإنما لتنتج هناك فقط !
إن الإسلام دين الطبيعة ، ولو لم يكن دينا موحي به لكان المذهب العقلي الفلسفي الوحيد الذي يجب اتباعه وحمل العقل عليه لاحترام النفس ، والاحتفاء بالحياة العاجلة والاطمئنان إلى المصير السعيد . وقد مضي زمن الطفولة الذي لم تكن أسرار الدين تعلم فيه على أنها أسرار للدنيا .
والطفل يقال له قبل التمييز : " هذا قبيح " ومعه
العصا ، و "هذا حسن " ومعه الحلوى " ؛ لأخذه إلي طريق الجماعة كما يؤخذ الحمل الصغير إلى طريق القطيع بأعواد الكلأ الأخضر أو بالعصا ، لأنه في الواقع حمل صغير لا يمكن أنه يعلو عقله إلى منطق التعليل وفقه الواجبات والحقوق، وكذلك كان يقال للانسانية هكذا ، ويفعل معها هكذا قبل دور الرشد .
أما الآن فرشدها العقلي المجرد يقول لها ما كان يقوله لها آباؤها الأنبياء المدركون السابقون قبل آلاف السنين
ومهمة الجماعة في التدريب والتعليم أن تقول لناشئيها ما كشفته من قوانين حفظ حياتها سليمة كما هدتها التجارب السابقة .
فالدين في جملته ليس أكثر من سياج للمعروف من أخلاق المجتمع التي ارتضاها لحفظ حياته ، وطريق عقلي يصل الإنسانية بخالقها ومكرمها الذي ارتضى لنوعها هذا الطريق العلمي الكريم الذي فتح عليها بركات من السماء والأرض، وليس الله تعالى كذلك التركي الذي جمع جرارا ونأمر على الناس في الشرب منها ، وجلس يقول للظامئين من السائلة الواردين عليه ومعه عصا يشير بها : اشرب من هذه . . وأنت اشرب من تلك . . لغير سبب إلا حب الأمر والنهي . .
إن هذا أسلوب الجائعين للشهرة والسلطة . . وما كان لمالك السموات والأرض وما بينهما أن يقصد ذلك وله المثل الأعلى !.
وإنما هو يقول : " فمن اهتدي فإنما يهتدي لنفسه ومن يضل فإنما يضل عليها " .
وأوجب الواجبات في تطور فهم الدين أن نقصى من فكرنا اعتقاد أن الحياة دار عذاب بطبيعتها لا بجناياتنا نحن واعتدائنا عليها ، فليس شيء أشد ضررا بالدين والحياة من هذا الاعتقاد !.
فإن كان الفرد يريد الحياة السعيدة فليعمل هو لذلك وليضع أسسها . . ليترك أكل أخيه كما ترك أكل ابنه . ليتكفل بأبناء وطنه المحتاجين كما يتكفل بأبناء أخيه . . ليشعر بالقرابة بينه وبين أبناء وطنه كما يشعر بأواصر القرابة في الرحم والعصب والنسب . . وليعدل أساس توزيع الثروة بين أبناء وطنه كما يعد له بين أبنائه . . ليشعر بالإنسانية الواحدة ويغضب لمصلحتها كما يشعر ويغضب للقومية . وهكذا فليتطور تطورا آخر في فهم علاقاته الاجتماعية ، ليضمن لنفسه أن يسعد بسعادة الناس كما يسعد بنفسه وذوي قرباء .
وأبدًا تكون الحياة من يد الله صحيحة سليمة ، وإنما تفسدها يد الإنسان ، وكل الشر والسخف ناشئ من سوء فهم قصد الحياة ومن سوء توزيع الثروة، وما عدا ذلك من شرور المرض والآفات الطبيعية فهو ضرورة صار في يد العلم التغلب على كثير منها ، ولابد من حدوثها في فترات .
.والمسألة الاقتصادية هي أم الشر إذا حلت ذهب تسعة أعشاره
والإنسان الذي استطاع ترويض الأساد والنمور والفيلة بالتجويع والسياط والحيلة حتى صارت تلعب في (السيرك) وأمامها اللحم الشهي من الأطفال الضعاف ، يستطيع أن يروض أو يقمع أخلاق المفترسين من بنى البشر .. فبالتربية لمن يفهم والسوط لمن لا يفهم يستطيع المصلحون أن يفعلوا شيئاً عظيما.
وأمم الشمال الاسكندنافية في الغرب مثل مضروبة لمن يريد أن يفعل للإنسانية فعلا يسعدها ويجعلها تطمئن لهذه الحياة بالقدر الذي تسمح به دار مؤقتة . !
