" فصول ملخصة من كتاب تاريخ الادب والعقل الفرنسى الحديث لاستاد الآداب فى جامعة السوربون " دانيال مورني تبحث تطور الشعر والرواية والنقد والتاريخ والفلسفة "(١) ودانيال مورني استاذ له مدرسته التحليلية وطريقته الأدبية التي يفرضها على آداب امته فى هذا الجيل ! وهو مؤرخ للأدب بطريقة خاصة يكاد يكون بها نسيج وحده، تقرأ كتبه ومقالاته فتشعر باطلاع واسع عميق وجهد كبير وفكر عاال استطاع أن يقرأ ويفيد ويحلل فتأخذ منه ما اوجزه فانا به تخفى طى سطوره القليلة ما يغني !
يكتب بأسلوب سهل كتابة يغلب عليها الاسلوب الأدبي طورا والاسلوب التحليلي تارة , وهو فى كل ذلك حى تجري حياة الفكر فيه , يكتب عن المدرسة الادبية أوحياة الأديب صفحة أوصفحتين ويقف وإنك لراغب فى الزيادة ! ولكن وقوفه هو الحاجز الذى يجب ان يقف عنده ولن يمضي زمن حتى ينشأ هذا الاسلوب الموجيز فى تحليل الادب وتعيين مواقفه الحاسمة . واشهر كتبه المنشورة تاريخ شامل للأدب الفرنسى قديمه وحديثه . وتاريخ لمراحل خاصة للعقل الفرنسى وقد أحببت أن أدرس هذا الكتاب لانه درس شامل لعقل وادب . لا يذهب وراء الخيال كثيرا كأنه كل شيء ،
ولا ينطلق وراء العقل كثيرا كأنه كل شيء .... لان صاحبه يرى التأثير متبادلا بينهما , ففيه نرى تأثير العلم فى تطور الادب وتأثير الادب فى الفلسفة . وفيه يرى أصحابنا تأثير النظريات الفنية والعلمية فى توجيه الأدب ؟ " خ , ه "
رقية العلم عام ١٨٨٠
لم تبلغ العلوم الطبيعية من الذيوع والقوة مابلغته فى أواخر القرن التاسع عشر. فإن اهم اكتشافاتها ومخترعاتها إنما تمت فى عهد قبل عهد الاواخر فكتاب " داروين " مثلا عن اصل الأنواع إنما ظهرعام ١٨٥٩ وكذلك فى الأعوام الأخيرة نشأت اكتشافات جديدة غمرت الأرض وألقت فى أخلادهم أن العلم قادر على تبديل الحياة الاجتماعية وغير عاجز عن تغيير الحياة
ذاتها . وساعدت على نشر هذا الاعتقاد الانتصارات المتتالية فى كل ميادين العلم . ولم يقبل عام السبعين حتى ازداد هذا الاعتقاد عنفا ورسوخا حتى اعتنقه بعضهم كما يعتنق دينا . على ان الناظر لا يرى خلقا جديدا فى مذاهب العلم وأساليبه وأصوله , ولكن غير العلماء كانوا يتحرون فى أصوله عنالنور الذي ينبغي له أن ينير مسالك الحياة الاجتماعية والحياة الخاصة وما قدر لها .
فـ " رينان وتين " قد جمعت آثارهما قبل عام السبعين ولكن الشباب لم يتخذ منهما قائدين إلا بعد هذا العام . وهكذا انتشر سلطان العلم وغلب على كل سلطان وطنى على الادب وأصبح موضع الأنظار . وأعلن أحد رسل العلم " برتلو " بعد اكتشافه فى الكيمياء مذهب تأليف الأجزاء المتفرقة بانه بواسطة هذا المذهب يستطيع إنسان الغد أن يصبح المسيطر على عالم الأجساد والنفوس . فهو يضع غذاءه ويخلق عصور الرفاهية التى تتجلى فيها المساواة والإخاء إزاء شريعة العمل المقدسة . كل شىء سجله العلم ويخلقه خلقا جديدا . وكذلك شأن الأخلاق يدركها هذا التطور الذي أدرك الطبيعة
كل شىء فى الحقيقة ينتظم .ليخضع كل فكرة إنسانية لقوانين العلم . وقد كان علم طبقات الارض وعلم الآثار القديمة والتوسع فيها كانا ذائعين فى القرن الثامن عشر قبل أن تتفجر عن العلم اكتشافاته وتزداد حركته . و هنالك مجامع كثيرة قامت ومدارس نشات تطلب أن تقيم الدراسة المحض للحقائق بدلا من الركض وراء الخطرات الخيالية اللامعة على غير جدوى .
ولكن هذه المطالب كانت لاتزال تقدم رجلا وتؤخر أخرى ، فيها تردد غير المطمين وشك غير المؤمن . فبق التعليم وجامعاته والنقد وحركاته أمينة لمذاهب الأدب القديمة التى تعتمد على الذوق والذهاب إلى إحياء فن الأوائل بالخيال , حتى بزغ عام السبعين فبدأت الأذواق تنفر من هذه الأخيلة . ودعا الأدباء الى اعتناق علم , الالمان , الذين ربحوا الحرب , ليكون منهم علماء فى دراسة اللغات ومؤرخون وأساتذة , وأن تكون دراساتهم مرتكزة على بحث الحقائق وتجريدها ونقدها نقدا علميا . وقد طغت هذه الدعوة العنيفة على جامعات فرنسا وغزت مجامعها الأدبية , فتغير الأسلوب وتبدلت المناهج , ونرى أثر ذلك فى
مدرسة ( أثينا ) الفرنسية التي أخذت تنهج فى الدرس نهجا حديثا ، وفي بقية مدارس انشئت لهذه الغاية لمدرسة ( روما ) ومدرسة القاهرة ، وفى بعض مجلات علمية أنشئت لتعمل على تشجيع هذا المذهب الجديد!
وقد سرى هذا الارتجاج الى الفلسفة فخالت ان العلم يبدل منهجها . وبدا أثر هذا الاحتجاج فى الدراسات النفسية التى كانت تعتمد على الدرس الباطنى فبدل نوع هذا الدرس وجاءوا بعلم جديد لدرس النفس لايعتمد الا على الفحص والتجريب والبرهان .
وخزانة الفلسفة الفرنسية لا تزال طافحة بهذا النوع الجديد من اللدرس كآثار الفيلسوف " ريبو " فى معالجة أمراض الذاكرة والارادة والشخصية . وكلها أبحاث قائمة على الفحص العلى والبرهان العملى الذى لامجال للخيال فيه وهي تثبت أن أصول علم النفس الروحانى لاتتلاءم مع الاعمال , واننا درسنا علميا - لفساد المادة الدماغية ندرس كذلك فساد الفكرة التى لابد أنها مظهر من مظاهرها وأثر من تأثيرها.
أما علم درس المجتمعات فهو لا يشبه العلم فحسب , بل يجب أن يكون علما صارما فى تطبيق مبادئه وفى تطبيق نتائجه , كما هو الحال فى علوم الطبيعة ولم ينشا هذا العلم فى فرنسا الا بعد عهد , ولكن هذا لا يمكن ان يكون وليد المذاهب العقلية . وإنه علم ومنطق يراد به خلق اصوله ومذاهبه . وقد وقف العالم ودوركهايم " جهوده على القول بان الحوادث الاجتماعية هى حوادث مخصصة معينة يجب اعتبارها كأنها خاضعة لقوانين خاصة يكتشفها علم الاجتماع كما يكتشف علم الطبيعة قوانين الطبيعة و هنالك فئة علمية تدين بالعلم . هذه الفئة التي قدم لها "رينان" كتابه "مستقبل العلم" هذه الفئة هى التى مشت وراء تعاليم "دارون" وعلى هذه الفئة ثبت مستقبل العلم ومستقبل الديموقراطية ,
وفى الحقيقة كانت الجمهورية الفرنسية متقلقلة متزعزعة حتى عام فتألب رجال السياسة والصحافة على استنقاذها من مأزقا ، فعمدوا الى التبشير بكلمات " برتلو , بالمساواة والحرية والاتحاد والسعادة , بالعمل على تأييد العلم الذى يجازى العاملين من أجله بالسلامة والعافية ورفاهية العيش , وهو الذي سيحل عقده الحياة والوجود .
ان هذه الرقية العلمية غزت الأدب فيما غزت وكان لها فيه
تأثير بليغ.
