كان لاقتراب طلائع الجيش الأحمر في شهر يناير الماضي من حدود بولونيا والجمهوريات البلطية القديمة أثر سياسي هام في تنظيم الدولة البلشفية ، وتعديل الدستور الأساسي لاتحاد جمهوريات السوفييت
وقد استحالت روسيا القيصرية عقب ظفر الثورة البلشفية إلى جمهورية اشتراكية بمقتضي الدستور السوفيتي الأول الصادر في سنة ١٩١٨ ؛ ولكن النظام الاتحادي لوحدات الوطن الروسي القومية لم يتقرر إلا في دستور سنة ١٩٢٤ ، وهو الدستور السوفيتي الثاني ، وبمقتضي هذا الدستور غدت روسيا البلشفية لأول مرة " اتحاد جمهوريات السوفيت الاشتراكي " وهو الوضع الدولي الذي ما زالت تعرف به روسيا السوفيتية حتى اليوم .
وكان الاتحاد السوفيتي يشمل يومئذ أربع جمهوريات كبيرة فقط هي : روسيا ، واليوكرين ، وروسيا البيضاء ، والفرقاز ؛ ثم زيد عدوها بعد ذلك إلى سبعة ثم إلى عشرة هي : روسيا، واليوكرين، وروسيا البيضاء ، واذربيجان
وكرجستان ( بلاد الكرج ) ، وفازاق ، وتركميان ، وبلاد الفرقيز ، وطاخكستان ، وأزبكستان ؛ وبذلك حققت المساواة السياسية والدستورية بين القوميات المختلفة التي يتألف منها الاتحاد السوفيتي ، وحصلت الوحدات الإسلامية الأسيوية التي يشملها الاتحاد ، وهي : أذربيجان ، وبلاد الكرج ، وبلاد التركمان ، وبلاد الفرقيز ، وطاشكستان ، وأزبكستان ( التركستان ) على نوع من الاستقلال الذاتي . كما في الجمهوريات السوفيتية الأخرى .
وصدر الدستور السوفيتي الثالث ( دستور ستالين ) في ديسمبر سنة ١٩٣٦ ، مؤيدا لهذا التنظيم الأساسي لاتحاد جمهوريات السوفييت .
ولما نشبت الحرب الحاضرة ، واجتاح الألمان بولونيا في سبتمبر سنة ١٩٣٩ ، استولت روسيا علي جزء كبير من شرقي بولونيا مما يلي روسيا البيضاء ؛ ثم استولت على الجمهوريات البلطية الثلاث وهي : لتوانيا ، ولاناقيا ، واستونيا ، وأعلنت ضمها لاتحاد جمهوريات السوفيت ، كما انتزعت ولاية
بسارابيا من رومانيا وضمها إليها . واستطاعت روسيا أيضا خلال الحرب التي شهرتها على فنلندة أن تنتزع قسما من ولاية كاروليا المجاورة لمدينة لتنتجراد ، وان تعقد مع فنلندة صلحا يقر هذا الاستيلاء .
وكان من الواضح أن روسيا السوفيتية تعمل لاستعادة حدود روسيا القيصرية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا ، وأنها قد انتهزت فرصة اضطرام الحرب الأوربية لإزالة ما وقع بها من حيف من جراء معاهدة يرست ليتوفك التي قرضت عليها في الحرب الكبري ( سنة ١٩١٧ ) ، واقتطمت منها فنلدة وولايات البلطيق وبولونيا ، وقد جعلت جميعها دولا مستقلة بمقتضى معاهدة الصلح ( معاهدة فرساي ) في سنة ١٩١٩ .
وعلي ذلك فقد كان الاتحاد السوفيتي في أوائل سنة ١٩٤٠ يشمل جميع حدود روسيا القيصرية إذا استثنينا فنلندة والقسم الذي احتلته المانيا من بولونيا ؛ ولعل حكومة موسكو كانت تفكر يومئذ في إجراء التعديل الدستوري الذي قامت بإجرائه أخيرا ، وإدخال هذه الولايات الجديدة في مجموعة الامم السوفيتية ، لولا أن عاجلت ألمانيا روسيا بالغزو والأستيلاء على بولونيا الشرقية والدول البلطية وبسارابيا في صيف سنة ١٩٤١ .
- ٢ - والآن وقد استطاعت روسيا بعد كفاح رائع أن تحطم مشاريع الغزو النازية ، وان ترد جيوش هتلر إلى الوراء ، واستطاع الجيش الأحمر ان يحرر معظم أراضي الوطن الروسي وأن ينفذ إلى الولايات البلطية وإلى بولونيا الشرقية ، فإنه من الواضح ان تعديل الدستور السوفيتي على النحو الذي تم أخيرا إنما يحقق أمنية قديمة للسياسة الروسية ، ويحقق لروسيا مطامع إقليمية وسياسية بعيدة المدي .
ويتطوي هذا التعديل الجديد الذي بسطه الرفيق مولوتوف قومسير الشئون الخارجية ، أمام المجلس الأعلى
( البرلمان السوفيتي ) على إنشاء ستة وحدات سياسية جديدة تنضوي تحت لواء الدولة السوفيتية هي : كاريليا واستونيا ولانافيا ولتوانيا ( والثلاثة الأخيرة هي الجمهوريات البلطية القديمة ) وهي التي يتقدم نحوها الجيش الأحمر الآن بخطي سريعة ؛ ثم القسم البولوني من روسيا البيضاء ، ومنطقة اذربيجان المجاورة لإيران ، وبذلك يصبح عدد الجمهوريات الاتحادية السوفيتية ستة عشر بدلا من عشر كما أقرها دستور سنة ١٩٣٦ .
وإدماج الدول البلطية وروسيا البيضاء البولونية في أسرة الاتحاد السوفيتي يعود بحدود روسيا إلى ما كانت عليه في أواخر سنة ١٩٣٩ قبل الغزو الألماني .
على أنه يبدو أن الناحية الإقليمية ليست هي كل شئ ؟ ذلك أن التعديل الدستوري الجديد لنظام الدولة السوفيتية يقوم على عنصرين جديدين في منتهي الأهمية وهما :
أولا : أن يكون لكل جمهورية داخل الاتحاد السوفيتي حق عقد العلاقات الدبلوماسية المباشرة مع الدول الأجنبية وتوقيع المعاهدات المستقلة معها .
ثانيا : أن يكون لكل جمهورية حق إنشاء جيش إقليمي خاص بها يكون وحدة في الجيش السوفيتي العام ، وبدا تحول قومسيرية الدفاع السوفيتي إلي قومسيرية دفاع للجمهوريات السوفيتية
وقد اختلف الرأي في تكييف الأغراض السياسية التي ترمي إليها حكومة موسكو من وراء هذا التعديل ؟ وتتلخص التعليقات الرسمية فيما يأتي : " ان الغرض منه هو توسيع نطاق العلاقات الخارجية وتعزيز روابط التعاون بين الاتحاد السوفيتي وبين الدول الأخرى ، فإذا كان ذلك هو حقا كل ما ترمي إليه السياسية السوفيتية ، فإننا نكون بذلك أمام إجراء دستوري امبراطوري يشبه من وجوه كثيرة قانون وستمنستر النظامي الذي اصدره البرلمان الإنجليزي في سنة ١٩٣١ منظما لحقوق الأملاك المستقلة ( الدومنيون ) وعلائقها مع التاج ومقررا حقوقها في عقد
العلائق الدبلوماسية المستقلة وتنظيم التمثيل الخارجي الخاص بها , وإنشاء القوات الدفاعية القومية ، ويكون المقصود بالتعديل الدستوري الجديد هو أن تنظيم العلائق بين حكومة موسكو المركزية وبين الجمهوريات الاتحادية المنطوية تحت لوائها علي أسس جديدة ، تستبدل فيها السيطرة المركزية بنوع من اللا مركزية الذي تزدهر في ظله الرغبات والاتجاهات القومية المحلية ، ويساعد على توثيق الروابط بين القوميات المختلفة التي يتألف منها الاتحاد السوفيتي وبين روسيا الأم الكبرى على نحو ما هو قائم بين انكلترا وبين الأملاك المستقلة البريطانية .
أما ما يذهب إليه البعض من كون حكومة موسكو ترمي بالتعديل الجديد إلى ان تفوز في مؤكد الصلح القادم وفي اللجان العالية لتسوية شئون ما بعد الحرب بعدد من المندوبين يتفق مع عدد الجمهويات السوفيتية الجديدة ، فتعليل غير مقبول ؛ ويجب ان نلاحظ في هذا الصدد أن روسيا ترى فيما يتعلق بالتغييرات الاقليمية علي الاقل ورسم حدود روسيا الجديدة مع دول أوربا الشرقية والوسطى انها مسألة روسية محضة ، وان روسيا ترمع فيها يبدو ان محلها بمعرفتها على يد الجيش الاحمر ، ودون دخل ما من جانب الدول المتحالفة بل ودون طرحها على مؤتمر الصلح وقد رأينا في اتجاه السياسة الروسية في المسألة البولونية ما يؤيد هذا الفرض كل التأييد ، إذ رفضت حكومة موسكو وساطة خليفتيها انكلترا وأمريكا لحمل النزاع الروسي البولوني .
وهناك تعليل آخر وهو ان حكومة موسكو ترمي بالتعديل الدستوري الجديد إلي غاية بعيدة المدي ، وهي أن تضع الأسس الحرة المستقبلة لامبراطورية سوفيتية عظيمة الشأن تنضوي بحث لوائها الأمم السلافية الأخرى في شرق اوربا بمحض اختيارها ورغبتها ، وقد تشمل هذه الأمم بولونيا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا وتغدو أعضاء حرة في مجموعة الأمم السلافية الكبرى ، التي تصبح
عندئذ حاجزا عظيما تتحطم عليه محاولات الجنس الجرماني في سبيل النهوض والإندفاع نحو الشرق أو الجنوب ؛ ويكون الدستور الأساسي السوفيتي الجديد مشجعا لمثل هذا المشروع الشخم لأنه يسمح لكل قومية بالحرية التامة في انشاء قواتها الدفاعية الخاصة وتنظيم علائقها الدبلوماسية مع الدول الأخرى ، ويمتد بذلك سبل البلشفية المتدفق من تلقاء نفسه نحو شرقي أوربا ووسطها .
تلك هي الفروض التي اقترنت بتعديل الدستور السوفيتي ، وهي فروض ما تزال موضع التخمين والحدس على أنه مهما كانت الأغراض الحقيقية التي ترعي إليها حكومة موسكو بإتخاذ هذه الخطوة الجديدة لتنظيم الدولة السوفيتية فلا ريب انها تنطوي قبل كل شئ علي تحقيق أماني روسيا الإقليمة والسياسية في مناطق لبثت قرونا جزءا لا يتجزأ من الوطن الروسي .
والظاهر ان هذا الزحف الإقليمي الروسي والغرب ، قد أثار بعض المخاوف والشكوك في بعض الدرائر مما قد تجيش به السياسة الروسية من أطماع جديدة في التوسع في أوربا الوسطي ؛ وقد رأى المارشال ستالين أن يرد على هذه التهمة في تصريحاته التي حملتها إلينا الأنباء الأخيرة ؛ ويؤكد زعيم روسيا السوفيتية ان روسيا لا تفكر مطلقا في بسط سيطرتها على أوربا ، ولا تنوي التوسع في غربي أوربا أو أوربا الوسطى ، وكل ما هنالك انها تعمل على تحقيق ما تتطلبه حاجات روسيا الاستراتيجية من تعديلات إقليمية في شرقي أوربا ، كما أن روسيا لا تنوي أن تضم من الاراضى البولونية شيئا غربي خط كيرزون ، وهو الخط الذي اقترحته الحكومة البريطانية عقب الحرب الكبري حسما للخلاف بين روسيا وبولونيا
وتصريحات المارشال ستالين هذه تعتبر عهدا جديدا من جانب روسيا يحدد سياستها في التوسع الإقليمي بيد أنه لابد لنا أن ننتظر حتى نهاية الحرب لنشهد كيف ترسم خريطة أوربا الشرقية والوسطى

