يصعب على الذهن الحر أن يسيغ أي حجر على حرية الرأي أو أي اتجاه إلى التشديد في المؤاخذة على زلات القلم؛ وقد كانت النصوص الخاصة بجرائم النشر في مصر موضع تعديلات كثيرة في الأعوام الأخيرة بسبب التطورات السياسية والدستورية المختلفة التي وقعت في هذه الفترة؛ وأخيراً رأت السلطات المختصة أن
تجري تعديلا جديداً في هذه النصوص، وأن تشدد العقوبة في بعض المواطن قمعاً لنوع سيئ من القذف هو التهجم على الأعراض والكرامات الشخصية؛ وقد كان القانون يعاقب بالحبس أو الغرامة على أمثال هذه الكتابات القاذفة، وكان اتجاه القضاء في الغالب إلى التخفيف والاكتفاء بعقوبة الغرامة، فنشاً عن ذلك أن ذاع هذا الأسلوب المستهجن من الكتابة في الآونة الأخيرة ذيوعاً مثيراً، فرأى الشارع في التعديل الجديد وجوب الحكم بالحبس على من يدينه القضاء في أمثال هذه الكتابات
والذي يهم الكاتب أن يسجل من الناحية الأدبية هو أن حرية القلم والرأي لا يمكن أن تتأثر بتشديد النصوص الجنائية في مثل هذه المواطن، فالقلم يجب أن يتحلى إلى جانب الحرية بخلة الأدب والتعفف عن مس الكرامات والأعراض الشخصية؛ وما يبعث على الأسف هو أن يضطر الشارع إلى الالتجاء إلى النصوص في تحقيق هذا المثل الذي يجب أن يحققه القلم لنفسه دون إرغام؛ وقد كان خيراً لو استطاع الكتاب أنفسهم أن يضعوا لأنفسهم دستورهم الخاص. وأن تحدد حدود الجدل والنقد بسائر صنوفه بحدود متينة من النزاهة والعفة والترفع عن لغو القول؛ والقانون الإنكليزي يعاقب السب والقذف الشخصيين بعقوبات شديدة رادعة، ولكن يندر أن تتورط صحيفة إنكليزية في مثل هذا الجرم؛ والصحافة الإنكليزية تضرب أرفع الأمثال لأدب الحوار والجدل وعفة النقد والمناقشة؛ فماذا يضيرنا أن نهتدي نحن في كتاباتنا بهذه المبادئ السامية؟
