أدب حرب - أدباء العروبة - علية بنت المهدي والعصائب - قصة زواج أم كلثوم . . . .
أدب حرب:
كان من فعل الحرب الماضية أن غمرت الأسواق مصنوعات رديئة، خلت لها بانعدام البضائع الجيدة، فلاقت الأولى ما لم تكن تلقاه الثانية من السعر والرواج، واهتبل الفرصة كثير من صغار الصناع والدخلاء في الصناعات، فجدوا، ولم يلبث كبارهم والمهرة منهم أن باروا أولئك فلم يأبهوا بالإتقان واختبار المادة، وأزجى أولئك وهؤلاء بضاعتهم إلى السوق، ورزءوا بها المستهلكين.
ونواحي الحياة من اقتصادية وأدبية وغيرها مشتجرة متفاعلة فكان من الحتم أن يمتد ذلك التيار إلى الأدب، وكان من النتائج ذات المقدمات إن نرى قوما قد استشرى بهم السعار، فراحوا يؤلفون، ويؤلفون. . . أي ينتشون (١) من الكتب ويجمعون .. ويكونون من الأشتات والنتوشات كتباً يطوفون بها على إدارات الصحف ومكاتب الصحفيين، مرة للإعلان بالثمن ومراراً لرجاء القريظ والتنويه!
أثار بنفسي تلك الشئون والشجون مقال الدكتور أحمد فؤاد الأهواني في (تجار الأدب (٢) ) وإن كان الدكتور قصر حديثه على هؤلاء الدخلاء فإن الأمر - من حيث الإكثار وما يقتضيه من عدم الإجادة - قد امتد إلى كبار الكتاب. . . فهذا كاتب يسود الصفحات ذات العدد ولم يبدأ بعد قصته، فإذا أخذ في التعريف بأبطالها ترك البطل واقفا ينتظر عودة الكاتب من (مشوار) بعيد. . . وذاك كاتب كثرت مقالاته بكثرة ما يصدر من الصحف والمجلات في هذه الأيام، فيجلس على (مصطبة) كل منها (يدردش) لا يكاد يرتفع حديثه عن هذر الأحلاس
بالمقاهي. . . وآخر يملأ الصفحة من حجم الجرائد اليومية بأمشاج من الأخلاط، كلمة من الشرق وكلمة من الغرب، وشطحة لا تدري من أين. . . وأخرى لا تعرف إلى أين. . . ولغيرهم في مثل هذا طرائق قدد. ولا أريد أن أسمي أحداً، فما التجريح وجهة همي، وإنما أقصد أن المعضلة هي مسألة هؤلاء الكبار. أما أولئك المحتبطون فأمرهم ليس بذي بال، فسينكشفون عن الأدب بتنبيه القراء إلى زيفهم، وأما كبارنا - ولهم في الأدب والنتاج القيم ماض مجيد وبلاء محمود - فيظهر أنهم قد اغتروا بذلك واطمأنوا إليه وحسبوا أنهم بلغوا نهاية الشوط فأخلدوا إلى الراحة من عناء الدراسة والإجادة والإيجاز. . . واستسهلوا الإكثار واستهواهم كسبه.
ولا أنكر على حملة القلم أن يكسبوا من كده ما يمكنهم من العيش الكريم، بل أرى ذلك باعثاً على الإنتاج الأدبي ومشجعاً عليه، ولكنا نريد جودة النتاج وعدم الذهاب إلى جشع التجار
أدباء العروبة
لعلك قرأت في الصحف أخيراً أنباء أو نشرات عن جماعتين تسميان باسم واحد هو(جامعة أدباء العروبة)ولا بد أنك إذن عجبت، فهو أمر يدعو حقاً إلى العجب! على أن الأعجب منه أن تتصفح ما تتضمنه هذه النشرات من الأسماء فلا تجد بينها (معرفة) في الأدب عدا واحدا أو اثنين من غير الصف الأول!
في أوائل هذا العام دعيت إلى تأليف جماعة أدبية قيل لي - فيما قيل - إنها ستؤلف من أدباء البلاد العربية، فلبيت، وأنا وإن كان بي انقباض عن المجتمعات إلا أنني مصاب بحب الاستطلاع، فرأيت هناك أفراداً من مصر، لقليل منهم بعض النشاط الأدبي، وبعضهم من المتخلفين في الأدب، وسائرهم إما غني(يدفع) أوصاحب (مكان وتلفون) أو مخبر في جريدة ولكل وجهة، وتلتقي الوجهات كلها عند الرغبة في التسلق. . . ووقع الأختيار على رجل كبير، معروف - إلى جانب صفته السياسية بالشغف بالأدب ومودة الأدباء، هو معالي إبراهيم دسوقي أباظة باشا الذي تفضل فشمل الجماعة بعطفه. . .
وشرعت (جامعة أدباء العروبة) في العمل، وماذا سيعملون؟
حملهم رجل كريم في سيارات إلى القناطر الخيرية ليجتلوا الربيع هناك ثم إلى الأهرام ليناجوا القمر. . . ومكن لهم معالي الوزير من إسماع من لم (يقفلوا الراديو!)
ومنذ شرعوا في العمل ظهر بينهم شيء من (مفرزات مركب النقص) ما كدت ألمحه حتى نجوت بجلدي. . . وظل (مركب النقص) يعمل حتى تنازعوا وانقسموا إلى فريقين: فريق ما يزال في كنف معالي دسوقي باشا، والآخر قد اختار لرياسته الأستاذ عبد الحميد عبد الحق، وكل من الفريقين يتسمى بجامعة أدباء العروبة!
ونعود إلى العجب من تنازع الفريقين اسماً ليس أحدهما حقيقاً به، لأن المتبادر إلى الذهن من هذا الاسم أنه علم على جامعة عربية أدبية، أي جماعة من رءوس الأدباء في البلاد العربية المختلفة، وليس بين هؤلاء ولا هؤلاء واحد منهم، على أن الصفة الغالبة على الرئيسين هي السياسة، فلو أنهما تخليا عن هذه الرياسة لانصرف كل من الفريقين إلى شأنه
علية بنت المهدي والعصائب:
نشرت جريدة (أخبار اليوم) صورة كتبت تحتها: (تسريحة للشعر عرضت في المؤتمر الدولي الثاني للحلاقة الذي عقد في باريس، ويلاحظ تأثير الذوق الشرقي في الحلية التي تستر جزءاً من الجبين في حالة اتساعه عن المألوف.)
صحيح أن هذا ذوق شرقي، ولكن ما أصل هذا الذوق؟ يخيل إلي أنه يرجع إلى علية بنت المهدي أخت الرشيد، فقد أثر عنها أنها كانت من أجمل النساء، لكن بها عيب، كان في جبهتها سعة تشين وجهها، فاتخذت العصائب المكللة بالجوهر لتستر بها جبينها، قال صاحب الأغاني في ذلك:(فأحدثت والله شيئاً ما رأيت فيما ابتدعته النساء وأحدثته أحسن منه)
وما أخال إلا أن هذه (المودة) قد انتشرت بمحاكاة علية، وسارت بين النساء على اختلاف الأجيال وتعاقب الأزمان حتى الآن، وها هي ذي تأخذ طريقها إلى باريس. . .
وتلك هي سنة الناس في ابتداع (المودات) وانتشارها،
وما أظن كثيراً من أوضاع الملابس التي نرتديها الآن، كربطة العنق وثنية السروال، إلا من عيب كان بأحد الناس في سالف الزمن، أو اضطرار لمواجهة حالة، أو ما إلى ذلك.
قصة زواج أم كلثوم
إن كان حقيقياً ما يقال وما تدل عليه الدلائل فقد انخدعنا - كما نخدع سائر الناس - في ما كتبنا بالتعقيبات الماضية عن زواج أم كلثوم، إذ أيقنا أن هذا الزواج أو العزم عليه حقيقة واقعة، وكانت طريقة إذاعة النبأ تحمل على الوثوق به، ولكن يظهر أنها طريقة أمريكانية...
أسبوع واحد جرت فيه الأعاجيب: استعداد تام لعقد الزواج الذي لا بد أن يكون قد فرغ من بحث مقدماته، فإذا المقدمات تتأخر عن ظرفها حتى تبرز في هذا الأسبوع المسحور فتعرف أم كلثوم أن خاطبها متزوج، فترده! ولا ينبغي أن تسأل لم لم تعرف من قبل؟ وهل يخفى مثل ذلك في مثل هذه الحال؟! ليس لك هذا، لأن الأسبوع المسحور يجب أن يتسع لكل شئ
قالوا لأم كلثوم: إن بعض (أفلامك) لم تنجح أخيراً، لأنه لم يعمل لها الدعاية اللازمة، وسنكفيك هذا الأمر، فالرواية من عندنا، والدعاية علينا. . .
ويزاد في ذلك أن ما نشر عن هذا الزواج هو الحوادث الأولى في(الفلم) الجديد الذي يلحن أغانيه محمود شريف وقد يغني فيه من قلبه المفجوع. . . وتغني أم كلثوم مصورة أحاسيسها وانفعالاتها. . .
وسواء أكان ذلك صحيحا أم لم يكن فإن أم كلثوم ليست بحاجة إلى دعاية ولا إلى نجاح (أفلام) ففنها يتركز في أنها (مطربة حفل) وهي ناجحة فيه (بدرجة فوق الممتاز) وهذا حسبها، وأكثر ما يجنى من الدعاية للقائمين بها...أما أن هذا لائق أو غير لائق فهو موضوع آخر، وإن كان يجب ألا يغفل حسابه. . .
