الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 900الرجوع إلى "الرسالة"

تعقيبات

Share

مشكلة الفن والقيود

قلنا ونحن نتحدث عن مشكلة القيود في الفن أن هناك قيوداً  مرفوضة وقيودا مفروضة. . أما المرفوضة فقد تعرضنا لها بالبحث  والمناقشة في العدد (٨٨٥) من الرسالة ونحب أن يرجع إليها  القراء. وبقيت القيود المفروضة التي نعود إليها مرة أخرى لأنها  محل خلاف بيننا وبين الأستاذ الفاضل علي محمد سرطاوي. وهذا  هو بعض ما قلناه:

(في القصيدة الشعرية، وفي اللوحة التصويرية، وفي القطعة  الموسيقية، وفي كل عمل يمت إلى الفن بسبب من الأسباب،  يحسن بالفنان، بل يجب عليه، أن يكون له هدف. هذا الهدف  لا بد له من تصميم، ولا بد له من خط سير، ولا بد له من  خطوات تتبع خط السير وتعمل في حدود التصميم. ذلك لأن  الفن في كل صورة من صوره يجب أن يعتمد أول ما يعتمد على  تلك الملكة التي نسميها (ملكة التنظيم) وكل فن يخلو من  عمل هذه الملكة لا يعد فنا، بل هو فوضى فكرية أساسها  وجدان مضطرب، وذهن مشوش، ومقاييس معقدة أو مزلزلة.  وأبلغ دليل على تلك الفوضى الفكرية في بعض ما نشاهده من  آثار تنسب ظلما إلى الفن، هو تلك الحركة السريالية التي هبطت  إلى ميدان الشعر كما هبطت إلى ميدان النحت والتصوير والقصة،  فعبثت بكل الأنظمة والمقاييس التي تطبع الفن بطابع التسلسل  والدقة والوحدة والنظام. مثل هذه الحركة في الفن ليس لها  هدف ولا تصميم ولا خط سير، وإنما هي أخلاط من الصور  وأشتات من الأحاسيس لا يربط بينها رابط ولا تحدها حدود.  وشبيه بتلك الحركة في جنايتها على معايير الذوق وموازين الجمال  كل حركة أخرى تمضي بالفن إلى غير غاية، هناك حيث تفتقر بعض

الأذهان إلى تلك (الملكة التنظيمية) التي تلائم بين الجزئيات  وتوائم بين الكليات، وتفصل ثوب التخيل على جسم الفكرة  بحيث لا ينقص منه طرف من الأطراف ولا يزيد. .

نريد من الفنان سواء أكان شاعراً أم مصوراً أم موسيقياً  أم كاتب قصة ومسرحية أن يخلق نموذجه الفني على هدى تصميم يرسم  أصوله وقواعده، قبل أن يبدأ عمله وقبل أن يمضي فيه وقبل أن  ينتهي منه. . نريد أن يكون بين يديه هذا التصميم الفني الذي يأمره  بالوقوف عند هذا المشهد، وبالتقاط الصورة من هذه الزاوية،  وبتركيز الانفعال في هذا الموطن من مواطن الإثارة. عندئذ  نوجد نظاما، وإذا ما أوجدنا النظام فقد خلقنا الجمال، وإذا  ما خلقنا الجمال فقد أقمنا بناء الفن. هذا التصميم الذي ندعو إليه  تنظم هيكله أصول (الأداء النفسي) في الشعر والتصوير والموسيقى  هناك حيث تتوقف قيمة الفنان على مدى خبرته بتلوين الألفاظ  والأجواء في الميدان الأول، وتوزيع الظلال والأضواء في الميدان  الثاني، وتوجيه الأنغام والأصوات في الميدان الأخير. . ولا بد  للأداء النفسي في الشعر وسائر الفنون من هذا   (التصميم الداخلي)   - وهو تصميم معنوي لا مادي -، لا بد من جمع أدوات  العمل الفني وترتيبها في ذلك المستودع العميق، مستودع النفس،  قبل أن ندفع بها إلى حيز الوجود كائناً حياً مكتمل الخلقة متناسق  الأعضاء. . إننا ننكر ذلك الشعر الذي تكون فيه القصيدة  أشبه بتيه تنطمس فيه معالم الطرق وتنمحي الجهات، أو أشبه  بمولود خرج إلى الحياة قبل موعده فخرج وهو ناقص النمو مشوه  القسمات) أهـ.

قلنا هذا وكنا حريصين كل الحرص على تسليط شتى الأضواء  الكاشفة على كل زاوية مظلمة، في سبيل الدقة اللفظية والتركيز  المعنوي حتى تتضح المشكلة للقارئ كل الوضوح. ونعتقد بعد  هذا الشرح والتحليل أن مشكلة القيود المفروضة في الفن كما  عرضنا لها من وجهة نظرنا الذاتية، لم يبق منها جانب من الجوانب  يحتاج معه القارئ إلى أن يسأل عما وراء الألفاظ من معان  أو عما يعقب وراء اللمحات من غايات. ولكن صديقنا الأستاذ  سرطاوي يعقب على هذه الوجهة من وجهات النظر فيقول:

(والذي ينعم النظر فيما اقتبسناه من رأى الأستاذ المعداوي

يخيل إليه أن عمل الفنان لا يفترق عن عمل المهندس، ذلك أن  المهندس يجلس إلى منضدته وأدواته الهندسية في زحمة الأرقام  والأبعاد والحجوم، وتحت سيطرة العقل الواعي وحدة الذهن،  وهدوء الطبع، يرسم على أوراقه التصاميم التي يطلب منه عملها  من عمارات، وجسور، وطرق، وأنفاق، إلى آخر ما هنالك  من أعمال هندسية، حتى إذا ما فرغ من عمله المعقد الدقيق،  وحساباته التي تحطم الرأس، نقل ما على الأوراق من أشكال إلى  مسرح العمل، وراحت تلك التصاميم تأخذ طريقها إلى الوجود. . الواقع أن الفنان، من شاعر ومصور وموسيقي، لا علاقة له بكل  ما ذكرناه. إنه يعمل في الجو الذي يندمج فيه الفنان بروحه مع  السر الغامض في الطبيعة حيث يسقط العقل الواعي صريعا  تحت ضربات النفس الإنسانية، إنه يعمل في منطقة التخدر  الحسي، تلك المنطقة التي لا يسيطر عليها غير العواطف) أهـ.

إلى هنا ونقف قليلا مع الأستاذ سرطاوي. . . نقف قليلا  لنقول له: ما أكثر وجوه الشبه بين عمل المهندس وعمل الشاعر  والمصور وكاتب القصة والموسيقار؛ كل واحد من هؤلاء فنان. .  ومبلغ الصدق في نسبتهم إلى الفن أنهم جميعاً ينشدون النظام  والجمال فيما يعملون. هذا المهندس الذي يضع تصميم بيت جميل  يراعي النسب والأبعاد ليخلق هندسة معمارية فنية، وهذا الشاعر  الذي يضع تصميم قصيدة محلقة يراعي النسب والأبعاد ليوجد  هندسة شعرية فنية، وقل مثل ذلك عن بقية الفنون عند سائر  الفنانين. . ما هي تلك النسب والأبعاد؟ هي مراعاة التوافق  والانسجام بين خط وزاوية في عمل المهندس، وبين لفظ ومعنى  في عمل الشاعر، وبين ضوء وظل في عمل الرسام، وبين مشهد  وحياة في عمل القصاص، وبين نغمة وشعور في عمل الموسيقار. .  و   (ملكة التنظيم)  وحدها هي التي تشرف على هذه (الهندسة  الفنية)  سواء أكانت معمارية أم شعرية أم تصويرية أم قصصية  أم موسيقية. . ولا فرق أبداً بين (خريطة) المهندس و (نوتة)  الموسيقار، لأن كليهما يا صديقي تمثل هذا (التصميم الفني) الذي رسم كلاهما أصوله وقواعده! وإذا كان المهندس يجلس إلى  منضدته وأدواته بين يديه، فإن كلا من الشاعر والقصاص وكاتب  المسرحية يجلس إلى نفسه وأدواته في ذلك المستودع العميق الذي

أشرنا إليه. . نريد أن نقول أن التصميم الفني هنا معنوي هنا  ومادي هناك.

وما دام الأستاذ سرطاوي قد دفع بنا إلى أفق المقارنة بين عمل  المهندس وعمل الفنان، فإننا نود أن يرجع إلى العدد الصادر من  مجلة   (العالم العربي)  فبراير سنة ١٩٤٨، لو رجع الأستاذ  الفاضل إلى هذا العدد لوجد في صفحة النقد الأدبي مقالاً وضعنا  فيه تحت المجهر كتابا من كتب المهجر، هو (حفنة ريح)   للكاتب اللبناني سعيد تقي الدين. . حيث وردت هذه الفقرة في  ثنايا المقال: (وتعال نستمع مرة أخرى، إنه يتحدث عن  تصميم القصة فيقول: ضع لقصتك تصميما كما يفعل المهندس  بخريطة البناية قبل أن يباشر البناء، بالطبع حين تجلس لتكتب،  سترشد عن الخريطة قليلا ولكن التصميم ضروري. . أن سعيد  تقي الدين يذكرنا بقول مارك سوان: يجب أن يكون للقصة  تصميم فني كذلك الذي يضعه المهندس المعماري للبناء، أو كتلك  المذكرات التي يعدها المحامي قبل مباشرة إحدى قضاياه).

هذا هو ما عقبنا به على إحدى اللفتات المشرقة للكاتب  اللبناني، حيث أشرنا إلى مدى التشابه بين رأيه ورأي (مارك  سوان) ، وهو تشابه يعبر عن النقاء نظرتين في طريق من هذه  الطرق التي تتوارد فيها الخواطر تبعا لوحدة الفهم العامة لمشكلة  من مشاكل الفنون.

وإذا كان الأستاذ سرطاوي يركز مظاهر الاختلاف بين عمل  المهندس وعمل الفنان في أن الأول يضع تصميمه الفني وهو تحت  سيطرة (العقل الواعي وحدة الذهن وهدوء الطبع) ، وأن  الثاني يعمل في جو آخر   (يندمج فيه بروحه مع السر الغامض في  الطبيعة حيث يسقط العقل الواعي صريعاً تحت ضربات النفس  الإنسانية) . . إذا كان الأستاذ يركز مظاهر الاختلاف في هذه  النقطة فإننا نقف معه مرة أخرى: ترى هل يريد أن يجرد الشاعر  والقصاص والمصور والموسيقار من سيطرة (الوعي) في مرحلة  الإبداع الفني، لأن كلا منهم لا يعمل إلا في منطقة التخدر  الحسي، تلك المنطقة التي لا تسيطر عليها غير العواطف كما يقول؟  لا يا سيدي! ونقولها لك لملء الفم وبكل ومضة من ومضيات

الإيمان. . أن مرحلة التخدر الحسي والوعي المسلوب لا تتمثل  إلا في حالة واحدة، وهي حالة التلقية الأولى، والإلهام الوليد، فالفنان  قد يتلقى الفكرة أول ما يتلقاها عن طريق الإلهام العابر في لحظة  من لحظات الذهول، يتلقاها جنينا غير منظم الخلقة ولا منسق  التكوين، جنينا تدب فيه الحياة بقدر من النبض والخفوق يتناسب  وهيكله الناقص وكيانه الهزيل، إنها الحياة وليست كل  الحياة. . أما بعد هذا فليس للعقل الذاهل مجال!

ترى هل يتابعنا الأستاذ سرطاوي ونحن معه خطوة بعد خطوة  ونمهد للنتائج في ضوء المقدمات؟ نريد أن تقول له أن  المرحلة الأولى من مراحل الإبداع الفني هي مرحلة الوعي الذاهل  أن صح التعبير، أما بقية المراحل الأخرى فهي ميدان العمل  الحقيقي للوعي العاقل على أصح تقدير. . هذه الفكرة الضئيلة التي  يوحي بها إلى الفنان على غير ترقب وانتظار، تسلمها الإلهام العابر إلى  العقل جنينا ليكفله بعد ذلك ويرعاه. فالإلهام العابر هنا في لحظة  التخدر الحسي هو (المؤلف)  الأول لهذه الفكرة الوليدة، أما  العقل فهو (المخرج)  الفنان الذي يتولى إخراجها على مسرح  الفكر بكل ما في الإخراج الفني من قواعد وأصول. . خذ مثلا  فكرة القصيدة أو اللوحة أو المسرحية أو السمفونية عندما  تنبت في رأس الفنان، إنها في تكوينها الأول لا تفترق في شيء  عن تكوين الجنين عندما يكون مضغة لا سمات فيها ولا قسمات،  ولكن من يشرف على هذا الجنين يتم له النضج ويكتمل له  التكوين وتبعث فيه الحياة؟ إنه العقل الواعي بلا جدال. . العقل  الواعي الذي يقول للشاعر: أن (الجو الشعري)  لهذه القصيدة  يصلح له هذا الوزن دون ذاك، وتتلاءم معه (هذه الموسيقى  الداخلية)  دون تلك، وإن البناء الفني ينبغي أن يخضع للوحدة  الموضوعية على هدى (العلاقة النفسية)  بين الفظ والإيقاع. .  العقل الواعي الذي يقول للرسام: أحرص على أن تكون النسب  الفنية بين الزوايا متعادلة، ضع هذا اللون المناسب لحقيقة المشهد كما  رأيته في لوحة الطبيعة، ألق هذا الضوء الباهر من هذا الجانب  ركز هذا الظل القائم ليزيد من قوة الإيحاء. . العقل الواعي الذي  يقول لكاتب المسرحية: ضع نفسك موضع الشخصية التي

تخيرتها لتلغدورها على المسرح، ثم أنطقها بما يمكن أن تنطلق  أنت به قبل أن تسجل الحوار، ثم نتبع سير الحوادث كما تتبعه في  واقع الحياة، ثم فتش عن الموقف الذي يجب أن يزخر بالانفعال  لتلهبه بحرارة الصراع، وهكذا كان يفعل الكاتب المسرحي (بومارشيه) . . العقل الواعي الذي فرض على الموسيقار الخالد    (بيتهوفن)  أن يكثر من (الشطب)  في نوته الموسيقية،. .  لماذا؟ لأن منطقة   (التخدر الحسي)  كانت تتعرض لهبوب  التيارات العقلية (المنبهة)  فيحدث الشطب الذي يعقبه التغيير  والتعديل!

إن العقل الواعي لا يسقط صريعاً إلا عندما يستخدمه  أصحاب المذهب السريالي أو أصحاب الشعوذة العقلية، أولئك  الذين يدافع عنهم الأستاذ سرطاوي بهذه الكلمات: (إن الحركة  السريالية ليست في واقع الأمر فوضى فكرية تنسب ظلما إلى  الفن)  كما يقول الأستاذ المعداوي، بل لعل فيها بعض الشيء الذي  لم نستطع تذوقه أو إبصاره، وأبصره وتذوقه بعض من سوانا  أن الذين يعرفون أسرار الذرة يعدون على الأصابع، ولكن هل  يعني جهل الكثرة من البشر هذه الأسرار أن قوانين تحطيم  الذرة مضطربة مشوشة لا يطمئن إليها الفكرة)؟

مرة أخرى نقول للأستاذ الفاضل: لا يا سيدي! أن القياس  هنا مع الفارق. . أن (الأبحاث الذرية)  تقوم على نظريات  علمية ثابتة ليس إلى إنكارها من سبيل، والعلم هو أكثر الظواهر  الفكرية دقة ونظاما حتى أنه لا يبلغ الهدف إلا إذا سار في طريق  مرسوم. صحيح أننا لا نعرف سر القنبلة الذرية ولكننا نعرف  نتائجها الواضحة. . أما (الأبحاث السريالية) فلا نعرف لها  هدفا تسعى إليه، ولا تدرك لها العقول مرمى ولا نتيجة، ولا تهتدي  الأذواق فيها إلى شيء من الدقة والنظام! قلنا فوضى  فكرية أساسها وجدان مضطرب، وذهن مشوش ومقاييس  معقدة أو مزلزلة. . والفوضى الفكرية لا يمكن أن تنتج فنا بمعنى  الفن أو علما بمعنى العلم، لأن كليهما يضيق بكل مظهر من مظاهر  الزلزلة والارتجال.

أي فن هذا الذي لا نستطيع أن نتذوقه ويظل تذوقه مقصورا  على منتجيه؟ أهذه هي رسالة الفن؟ أهذه هي مقوماته ومراميه؟  بالطبع ليس الأستاذ سرطاوي في حاجة إلى أن نشرح له رسالة

الفن وما يشترط لهذه الرسالة من مقومات. . ولكن حسبنا أن  نقوله له أن هذا العصر الذي نعيش فيه أصبح يثور على كل فنان  يستخدم فنه للتعبير عن مشاعر فردية أو ذاتية، مهما بلغ من  كمال الوعي ووضوح التعبير وجمال الأداء فإذا كانت هذه هي  طبيعة العصر وهذا هو ذوقه، فكيف يكون موقفه من الفنان  السريالي الذي يعبر عن مشاعره الخاصة وهو في غيبوبة عقلية  متصلة يتنجز معها كل وعي وكل وضوح وكل جمال؟!

ومالنا نذهب بعيدا وبين يدينا هذا المعول الهام الذي يهوى به  أحد أقطاب المدرسة السريالية على زملائه القدامى في غير رفق  ولا هوادة؟ لقد كان واحدا منهم في يوم من الأيام، أما الآن  فقد عاد إلى رشده وثاب إلى عقله واهتدى إلى الطريق القويم،  وعاد إليه عشاقه ومريدوه بعد أن انفضوا من حوله في أعقاب  الحرب العالمية الأولى يوم أن بشر في هذا التاريخ بمولد فن جديد  أو بثورة جديدة على هذا الفن العتيق الذي لم يعد يصلح لأبناء  هذا الجيل ويعني به فن دافنشي ومايكل أنجلو ورفائيل ورميرانت. .  كان هذا الثائر على فن أولئك العباقرة في أعقاب الحرب العالمية  الأولى هو الرسام الإيطالي العظيم (دي شريكو) ، يقاسمه في  حمل لواء الثورة والزعامة زميله الرسام الفرنسي (بيكاسو)  وكلاهما  كان يحمل اللواء في وطنه: هذا يدعو إلى المذهب السريالي بين  مريديه من الفرنسيين وذاك بين مرديه من الإيطاليين. . ولنستمع  إلى دي شريكو وهو يصوب سهام نقده إلى المدرسة التي كان  بالأمس واحداً من زعمائها المبرزين: (إن مدرسة السيالزم قد  أنتجت لوحاتها في مستشفى الأمراض العقلية. . وإن محاولتها في  خلق فن جديد قد بلغت أوج الفشل والإخفاق، لأنها محاولة  للسمو بالقبح والحط من قيم الجمال. . . إنه عجز المرضى وشذوذ  الفاشلين، حين يتحللون من كل قيد ويمسكون بالفرشاة ليرسموا  ما لأعين رأت ولا خطر على عقل بشر. . إنها مدرسة التحلل  والانحلال، مدرسة الرذيلة المعبرة عن النزوات المعقدة والغرائز  المكبوتة)! وهذه الكلمات تنطق على المذهب السريالي في كل  فن من الفنون.

وأخيراً بعقب الأستاذ سرطاوي على ما درنا حوله من  صلة بين الجمال والنظام فيقول: (ترى حل حقيقة أن الجمال

مرتبط بالنظام؟ وأننا إذا أوجدنا النظام خلقنا الجمال؟ لست  أدري، وإنما يخيل إلي أن إيجاد النظام كثيرا ما يعجز عن خلق  الجمال، فالطبيعة جميلة لسبب واحد، ذلك لأنها فوضى شاملة،  وإسراف في عدم النظام) !

مرة ثالثة نقول للأستاذ سرطاوي: لا يا سيدي! لقد فهمت (الحرية) على أنها (الفوضى)  وشتان ما بين المعنيين من  فروق. . أن مشهدا من مشاهد الطبيعة يتمثل في غابة من الغابات  يلتف فيها الشجر وتتشابك الغصون مشهد جميل، جميل لأن  الأشجار تلتف في حرية وتنمو في حرية فلا تقف في وجهها  الحوائل والمعوقات، جميل لأنه (متحرر)  من ذلك القيد)  الذي تلحظه العيون في مقص البستاني حين يرسله في أشجار  الحدائق بقصد (التقليم)  والتشذيب، جميل لأنه يد الله هي التي    (نظمته)  وليست يد الإنسان. . هي حرية وليست فوضى،  لأن الفوضى لا يمكن أن تقترن بالجمال، ولأن الحرية لا تناقص  النظام!

أما تلك الفروق بين الحرية والفوضى وموقعها من الجمال  في الفن فقد سبقنا إلى تسجيلها الأستاذ العقاد في عدد سبتمبر  من مجلة (الهلال)، في مقال قيم عنوانه (الفن والحرية) . .  ومن العجيب أننا قبل أن نطلع على مقال الأستاذ العقاد كنا  سنشير إلى نفس الفروق التي أشار إليها دون اختلاف كبير  في المعاني والأهداف. ولكن ما دام هناك أناس لا نأمن اتهامهم  لنا فيما لو عرضنا لهذه الفروق وقد سبقنا إليها كاتب آخر،  فلا بأس من أن نستشهد برأي الأستاذ العقاد ونغفل رأينا  الخاص، لأنهما يلتقيان في مجال واحد هو مجال العرض والتمثيل.  وهذا هو رأي الأستاذ العقاد وإنه لجدير بكل احترام وتقدير:

(والفن الجميل مدرسة النظام كما هو مدرسة الحرية. فهل  في ذلك عجب؟ قد يبدو فيه العجب لمن يحسب أن الحرية  تناقص النظام، أو يعتقد أن الحرية تبيح لصاحبها أن  يخرج على كل نظام. ولكن الخروج على النظام  هو الفوضى وليس هو بالحرية، ولا مشابهة بين الفوضى والحرية  في صورة من الصور، بل هما شيئان متناقضان، وقد يكون  الفارق بينهما أبعد من الفارق بين الحرية والرق في أثقل قيود

الاستبعاد.

فالحرية كما قدمنا هي أن تختار، والفوضى هي أن تفقد بكل  اختيار وأن تختلط عليك الأشياء فلا ترى فيها محلا للتمييز  والإيثار!

نقول: هذه فوضى، ونفهم من ذلك أننا فقدنا النظام وفقدنا  الحرية، فلا نحن مستقرون ولا نحن أحرار. . ونقول: هذا جميل  فنفهم من ذلك أنه تنسيق سليم من شوائب الخلط والاضطراب  فهو نظام، ونفهم منه أيضاً أننا نستحسنه ونختاره فهو حرية،  وما من شيء غير الفن الجميل يمنحنا هاتين النعمتين النفيستين  نعمة الحرية ونعمة النظام مجتمعتين)!

اشترك في نشرتنا البريدية