محنة الأخلاق فى الجامعة
هذه الكلمات التى انقلها هنا، كما وردت بنصها فى رسالة من أحد (تلاميذ) الدكتور عبد الرحمن بدوى، أود أن أقدمها مرة أخرى إلى معالى وزير المعارف، والى مدير جامعة إبراهيم، والى عميد كلية الآداب بتلك الجامعة.. أود أن أقدمها إلى هؤلاء الذين بيدهم الأمر، ولهم سلطة الاشراف، وعليهم فى النهاية تقع المسؤولية!
قال التلميذ (الفاضل) وهو من ناشئة الجيل الذى أشرف على (تربيته) الأستاذ (الفاضل) : (قرأت تعقيبكم على فقرات من كتاب (الحور والنور) للدكتور عبد الرحمن بدوى، فرأيت أن أراد ما جاء به من اتهام مجحف بما يأتى:
(١) إن العلاقة الجنسية عملية (بيولوجية) لاستمرار الحياة. . فالتحدث عنها وعما يستلزمها من استمتاع بالأعطاف والأرداف ليس فيه ما يخجل!!
(٢) ما هى قيم الناس المقدسة؟ أن هى إلا أضحوكة صاغها العرف ودعمها من يسميهم الناس أنبياء. . فله الحق (يقصد الدكتور بدويى) فى رفضها أو قبولها!!
(٣) إن عبد الرحمن بدوى لا ينال بمثل هذه الكلمات من سمعة الجامعة العلمية أو الخلقية. . بل أن الجامعة لتفتخر به)!! إلى هنا وتنتهى رسالة التلميذ (الفاضل) ، وهو كما قلت من ناشئة الجيل الذى يشرف على (تربيته) الأستاذ (الفاضل) . . أن هذه الرسالة هي الدليل المادي الذي لا يدفع، على أن هذا الأستاذ قد استطاع أن يطبع تلاميذه بطباعه، وأن يخلق منهم (رجالا) يواجهون معركة الحياة الطويلة بسلاح الخلق. . الخلق الذى يطالعك معدنه (النفيس) من وراء تلك الكلمات!
هذا هو ما كنت انتظره وأخشاه، وهذا هو ما دفعنى إلى إثارة المشكلة من قبل أمام المسؤولين، مشكلة التدهور الخلقى الذى يخشى منه على طلاب الجامعة. هذه التيارات الفكرية التى تعصف بالقيم وتحتقر المثل وتهزأ بالتقاليد، من الذى نثر بذورها الآثمة ورعى ثمارها المجرمة فى رؤوس أصحاب الغد، رؤوس هذا الجيل المرتقب من شباب الجامعة؟ ترى هل يحتاج السؤال إلى جواب؟ وإذا كان محتاجا فمن يجيب؟ هال أجيب أنا أم يجيب مدير جامعة إبراهيم، أم يجيب عميد كلية الآداب بتلك الجامعة؟!
إن مثل هذا الطالب الذى يدافع عن العلاقة الجنسية بأنها عملية بيولوجية، ويؤكد أن الاستمتاع بالأعطاف والأرداف ليس فيه ما يخجل، وأن القيم المقدسة إن هى إلا أضحوكة من صنع العرف أو من صنع من (يسميهم) الناس أنبياء. . مثل هذا الطالب - وهو نموذج مادى صارخ لغيره من الطلاب - لا ذنب له فى رأى الحق ولا لوم عليه؛ لأن هناك (الأستاذ) الذى أقنعه بان هذه هى القيم، وبأن هذه هى المثل، وبأن هذا هو الطريق. . هناك الأستاذ الذى أقنعه بهذا كله فى قاعات الدرس وهو يحاضر، وبين صفحات الكتب وهو يؤلف، ولا بأس فى منطق (الدين الجديد) من أن نفخر الجامعة بداعى الدعاة!!
أرأيت كيف يفخر التلميذ (الفاضل) بكلمات أستاذه (الفاضل) ؟! لقد علمه فأحسن التعليم، وأدبه فأحسن التأديب، ووجهه فاحسن التوجيه، وبلغ من ذلك كله الأوج وأشرف على الغاية. . إن هذا الطالب وأمثاله شهداء؛ وإذا كان الشىء يذكرنا بنقيضه، فإننى لأذكر فى هذا المجال شهداء آخرين، وما أبعد الفارق فى حساب الشعور بين شهداء (الوطنية المحمومة) وشهداء (الأفكار المسمومة) . . إن (أبناء القنال) مثلا يفخرون بحديث الجهاد والبذل، وبمعنى الفداء والتضحية، ثم بشرف الانتحار بين يدى العدو اللدود؛ أما (أبناء الجامعة) فيفخرون بحديث الأعطاف والأرداف، وبمعنى المساواة بين الخالق والمخلوق، ثم بشرف الانتحار بين النهود. . ألبست هذه الألفاظ هى ألفاظ (أستاذ الجيل) كما أزدان بها كتاب (الحور والنور) ؟!
حديث وحديث، ومعنى ومعنى، وشرف وشرف، وهى فى جوهرها دروس ودروس. . دروس فى (الاستقلال) يتلقاها فريق من شباب مصر، ودروس فى (الانحلال) يتلقاها فريق آخر من هؤلاء الشباب، وابحث عن الدوافع النفسية لهذه الظواهر الخلقية، ابحث عنها فى تعاليم (القادة) والموجهين هنا وهناك!!
لقد بقى شىء كنت أود أن أذكره وهو أسم هذا الطالب الجامعى لعله يخجل. . كنت والله أود أن أفعل ولكننى تذكرت تذكرت أن أستاذه (الفاضل) قد علمه وعلم أمثاله أن الهبوط والسقوط، ليس فيهما ما يبعث على الخجل أو ما يدعو إلى الحياء!!
ذكرى شاعرة سورية:
هل تذكرون تلك الفتاة الأنيقة الرشيقة. . (الآنسة) هجران شوقى؟ وهل تذكرون ذلك اليوم الذى رفعت فيه القناع عن الوجه المزيف والحديث الكاذب والشعور المصنوع؟! لقد استطاع ذلك الشاعر السورى (المعروف) أن يلقانى بوجه امرأة، وأن يتحدث إلي بصورة أمرأة، ولكنه نسى شيئاً واحداً لم يفطن إليه. . وهو أن يتزود بدهاء النساء، نسى مع الأسف الشديد هذا السلاح الخالد من أسلحة حواء. . ومن هنا انكشف أمره وانتهت المعركة!
أقسم إنى كنت أعرفه، أعنى (الأستاذ) هجران. . وأننى ذكرت اسمه لكثير من أهل الأدب حين سئلت عنه، بعد تلك الكلمة التى وجهتها إليه على صفحات (الرسالة) ورجوته فيها أن يفصح عن اسمه وإلا أفصحت عنه!. . رجوته فخيب الرجاء ولج فى الهجر، وأمعن فى الدلال، شأن ربات الحجال! ومن هنا خاننى الصبر فبحت باسم الأستاذ الشاعر فى مجالس الأدب فصدق أناس وتردد فى التصديق آخرون. . ترددوا على الرغم من الأدلة المادية المقنعة التى تقوم على المقارنة بين شعره وشعر (الآنسة) ، وبين النماذج الخطية لكتابتها وكتابته وهى موجودة بدار (الرسالة) ؛ فضلا عن السبب الاصيل الذى من أجله بدل من قسمات الوجه وغير من نبرات الصوت. . وهو دفاعه الصادق المخلص عن شاعر يمينه فى مسابقة شعرية أقامتها مجلة (العصبة) المهجرية!!
تلك الفئة المترددة فى التصديق كانت قليلة على كل حال، وعذرها فى ذلك مقبول حين نضع نصب أعيننا هذه الحقيقة، وهى أن الشاعر الذى وضع على وجهه نقاب امرأة شاعرة معروف تعرفه صفحات (الرسالة) منذ خمسة عشر عاما على وجه التقريب وتبعا لهذا (الشرف) يعرفه القراء فى مصر والبلاد العربية. . ومن هنا عز على بعض المقول أن تصدق تلك (الفعلة) التى لا يقدم عليها غير الأدباء الناشئين أو غير الصبية المراهقين!!
وأترك تلك الفئة المترددة وأخاطب القراء، مقدما إلى أذواقهم هذه الأبيات التى أقتطفها من قصيدة ألقاها الشاعر الذى أعنيه، فى حفلة تكريم أقيمت للشاعر المهجرى جورج صيدح بدمشق، ونشرتها مجلة (الأديب) اللبنانية فى عدد ديسمبر عام 1951. . قال الأستاذ الشاعر وهو يتحدث عن نكبة فلسطين بصوت (لرجال) محييا الشاعر المهجرى الذى نذر لها ديوانه (النوافل) هبة شعر وشعور، قال حفظ له الله وجهه الحقيقى بغير نقاب:
عليك سلام العرب يندى مواجعا ... ويشرب دمع العين غربا إلى غرب
ولم رحت لا تلوين إلا على النوى ... أمن أمل رحب إلى أمل نهب؟
ديار الهوى لا زلت مخضرة المنى ... ترف على مغناك فينانة العشب!
خيالك فى عينى وذكرك فى فمى ... وبى منك ما يغرى المحب وما يصبى
وما غبت عن طرفى وإن بعد المدى ... ولكننا فى الحب جنبا إلى جنب
وما ذكرتك النفس إلا تولهت ... وهيمها رح فباتت بلالب!
يهيج جواها الشوق والشوق عاصف ... كأن على أنفاسه زفرة النحب!
دهتك من الدنيا كوارث جمة ... وألقت بك الويلات فى مسلك صعب
فقد ينجلى الليل الطويل عن السنا ... وتزدهر الأعواد فى المهمه الجدب!
إذا دهمته الداهمات تلجلجت ... به النفس وأنهارت تقول له حسبى
وطوف رباع الخلد تطواف عاشق ... حسير الأمانى وابك بالدمع السكب
إليك أؤدى بعض ما تستحقه ... رفيفا من التحنان والنغم العذب
وأنت جدير بالدرارى فليتنى ... أصوغ بياتى من سنا الأنجم الشهب!
هذه هى الأبيات، ومعذرة لضياع الوحدة النفسية فيها وكذلك الوحدة الفنية، لأن هناك بيتا مقتطفا من هنا وبيتا مقتطفا من هناك، تبعا لحرصى على جمع (الإكليشيهات اللفظية) التى سأترك لك المقارنة بينها وبين (إكليشيهات أخرى) مماثلة، هناك فى قصيدة قديمة وجهتها (الآنسة) هجران شوقى إلى الشاعر عزيز أباظة، فى العدد (٩٠١) من الرسالة. . وهو العدد الصادر فى ٩ أكتوبر عام ١٩٥٠! قالت (الآنسة) الشاعرة التى نسيت أننى أقرأ مجلة (الأديب) وما زلت أذكر شعرها الحبيب:
وأنت سماوى القصيد قبسته ... من اللاعج المشبوب والمدمع السكب
ولما نزل سؤل النفوس وقصدها ... وشغل الليالى الزهر والأنجم الشهب
فيالك من شعر رقيق منغم ... برف رفيف الطل في ناضر العشب
ترقرق بالشكوى وضمخ بالأسى ... فجاد بما يغرى وجاش بما يصبى
وأشربته نجوى تذوب رهافة ... وتخضل بالتذكار والأمل النهب
تخلده الأحقاب فى الطير شاديا ... فإما شدا بات المحب بلا لب
وفى الغائب النائى الذى لفه الردى ... ففاض حنانا وهو فى زغرة النحب
غريب حريب لا يقر قراره ... إلى أن نرى فى الخلد جنبا إلى جنب
فما الشعر إلا ابن المدامع والأسى ... تجود به الأجفان غربا إلى غرب
إذا خاطب الأرواح رفت بشاشة ... ولو أنها فى وحشة المهمه الجدب
يظل حداء الركب ترمى به النوى ... فينسيه ما يلقاه من مسلك صعب
نشاوى وما ملوا غناء ولا سرى ... ولا تعبوا أو قال قائلهم حسبى!
فيالك صداحا ويالك شاعرا ... تفرد بالتحنان والنغم العذب
أرأيت إلى هذه (الإكليشيهات اللفظية) المكررة فى هذه القصيدة وفى القصيدة السابقة؟!. . إنها (إكليشيهات) تطالعك كثيرا فى شعر هذا الشاعر، وهى من (لوازم) التعبير التى تكشف لك عن شخصية الأديب أو الشاعر ولو حججت تلك الشخصية وراء الأستار!. . (المدمع السكب) ، والدمع الذى تجود به الأجفان (غربا إلى غرب) ، و (الأنجم الشهب) ، و (المسلك الصعب) ، و (المهمه الجدب) ، و (زفرة النحب) ، و (بات بلا لب) ، و (الأمل
النهب) ، وفى الحب أو فى الخلد (جنبا إلى جنب) ، وتلك أو الذى (يقول له حسبى) ، وذلك (التحنان والنغم العذب) . . إلى آخر تلك (الإكليشيهات) المحفوظة على طريقة تلاميذ المدارس، والتى يمكنك أن تجد الكثير منها بلحمه ودمه فى قصيدة أخرى نشرت (للآنسة) هجران على صفحات الرسالة، وهى القصيدة التى رثت بها (أختها) الشاعرة المصرية الراحلة، الآنسة ناهد طه رحمها الله!!
عيب الأستاذ الشاعر أنه ضعيف الذاكرة، ولو لم يكن ضعيف الذاكرة لما نسى أن وظيفتى الفنية هى النقد، وأن النقد من عاداته أن يرفع الستر عن الأشياء الدفينة. . لقد سطا الأستاذ فى جرأة بالغة على شعر الآنسة هجران، ولم يتحرج من أن يحيى الشاعر جورج صيدح بهذا الشعر المسروق!
ليصدقنى القراء إننى لم أكن أنتظر أن يسطو هذا الشاعر المعروف على شعر هذه الشاعرة الناشئة. . قد يدافع هو عن نفسه فيقول لنا بصوته الطبيعى الذى لا تشويه رقة الغانيات: هذا اتهام جائر لأن الشعر شعرى هنا وهناك، سواء نظمته من وراء الأستار أم نظمته فى وضح النهار. . عندئذ لا يسعنا إلا أن نعتذر للأستاذ أنور شوقى أو للآنسة هجران العطار!!
حول أسئلة القراء:
يؤسفنى جد الأسف أن تشغلنى محنة الأخلاق فى الجامعة وذكرى الشاعرة السورية، عن التفرغ للأسئلة التى تلقيتها من بعض القراء وأشرت إليها فى العدد الأسبق من (الرسالة) . . ولقد تلقيت فيضا آخر من الرسائل فى الأيام الأخيرة، وأرجوا ألا تشغلنى من التعقيب نحن أخرى وذكريات!
بقى أن أوجه أنظار القراء إلى هذه الحقيقة، وهى أن وقتى لا يتسع لكتابة الرسائل الخاصة حول المشكلات الخاصة؛ المشكلات النفسية التى تمتلئ بها نفوس الشباب فى هذا الجيل. إننى أقدر هذه المشكلات كل التقدير وأعطف على أصحابها كل العطف، ولكننى أعتذر لهم بضيق الوقت وبشىء آخر، وهو أن كثيراً من المشكلات لا يمكن علاجه بكلمة أو كلمات!

