الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 964 الرجوع إلى "الرسالة"

تعقيب: ، الأدب وطلقات المدافع

Share

ربما كان من أحب التهم إلى نفس الأديب تهمة (شهوة  الكلام) الذى تفضل الصديق الكريم الأستاذ محمد عبد الغنى  حسن فرمانى بها! فإن امتلاء النفس بشهوة الكلام وجيشان  المعانى فى صدر الإنسان واحتدام رغبته فى أن يكتب ويعبر. . .  هى الدلالة الصادقة على أنه الأديب حقا، فما بالك إذا كان ذلك  منه للرغبة الخالصة فى الدفاع عن الكتابة والأدب؟ وما بالك  إذا كانت شهوته هذه لم تواته فى المواسم والأعياد وحفلات الوداع  والاستقبال وما إلى ذلك! وإنما واتته لدفع تهمة خطيرة عن  الأدب وقيمته وأثره فى حياتنا الراهنة؟ وعلم الله ما أردت تجريح  الصديق الكريم ولا الزراية به، فله عندى حرمة الصديق  القديم. ولكن ها لنى أن يكيل الأستاذ التهم للأدب كأنه له  العدو المبين! ها لنى أن يرى الأدب عملا (غير جدى) كما يقول,  وها لنى أن يحمد الأستاذ فى أمته (الأفعال لا الأقوال) كما يقول  أيضاً، وها لنى أن يكون رأيه فى الأقوال هكذا:

هذه الأقوال لا تحمى شهيدا ... من ضحايا الحق أو تشفى أواما

أطلقوا المدفع. . لا حنجرة ... وارجعوا للسيف فى الحق احتكاما

وها لنى أن ينادى - وهو الكاتب - فى الناس بهذه  الأقوال:

لا تردوا عنكموا غدر الأعادى ... بالعبارات نثارا ونظاما

الكلام اليوم لا يحمى حقوقا ... والبيان اليوم لا يرعى ذماما

وكانت الطامة الكبرى عندى أن يقول (. . فنحن اليوم  إلى سلاح صوال، احوج منا إلى لسان قوال) !  ها لنى ذلك وخشيت أن يتأثر به بعض ذوى العقول الساذجة  من الناس، فملكتنى (شهوة الكلام) لأصحح هذا الوهم  ولأدفع هذا الظن، ولأبين للناس أن الأدب هو الذى يطلق

المدافع ويسوق الجيوش ويحرك الجحافل، وان الأدب هو الذى  يستنهض الهمم ويشحذ العزائم، وان الأدب هو الذى يحمى  الحقوق ويرى الذمام ويرد غدر الأعادى. . أردت هذا فانبرى  الصديق الأستاذ محمد عبد الغنى حسن يعقب على كلامى بسلسلة متصلة  من التهكم اللطيف لا تمس هذا الموضوع من قريب أو من بعيد!

ولكننى - برغم هذا - حمدت للأستاذ الصديق رجوعه  إلى الحق وأعترافه بأنه (لا ينكر خطر (الكلمة) وفعلها فى  النفوس وأثرها فى العواطف) ولكننى رأيت الأستاذ يستشهد  على خطر هذه (الكلمة) فيقول (أليست الكلمة هى من روح الله التى تجلت للجبل أمام موسى الكليم فجعلته دكا وخر موسى  صعقا؟ أليست الكلمة هى التى أوحت إلى النحل أن تسلك  سبل ربها ذللا فتأكل من كل الثمرات ثم تلفظها شهدا شهيا  فيه شفاء للناس؟) فلم أستطع - والحق يقال - أن أتبين  علاقة هذين الأمرين بما نحن بصدده من بيان خطر الأدب  والكتابة وأثرهما فى الحياة! أما الأولى فهى أن موسى عليه  السلام طلب أن يرى الله وقال (رب أرنى أنظر إليك قال أن ترانى  ولكن أنظر إلى الجبل فإن أستقر مكانه فسوف ترانى فلما تجلى  ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا) فلا أدب هنا ولا أدباء  ولكن الله تعالى أراد أن يعلم موسى أنه طلب أمرا عظيما حين  طلب رؤيته فدك الجبل به وبمن طلب الرؤية لهم معه وخر موسى  صعقا (فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) .  وأما الثانية فهى هداية من الله للنحل والهام لها بقوله تعالى:  (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر  ومما يعرشون، ثم كلى من كل الثمرات فاسلكى سبل ربك ذللا  يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، أن فى  ذلك لآية لقوم يتفكرون) فلا أدب هنا ولا أدباء أيضا، ولكنه  وحى والهام من الله وآية على قدرته، فما إقحام هذين الأمرين  فى موضوع تأثير الأدب فى الحياة ومدى فعله فيها؟

وأستشهد الأستاذ على تفاهة قدر القلم بالبيت الشهير الذى  يحفظه التلاميذ جميعا وهو:

السيف أصدق أنباء من الكتب ... فى حده الحد بين الجد واللعب

ولا أدرى كيف غاب عن الأستاذ الصديق أن أبا تمام لم يكن

فى هذا البيت يكتب موضوعا إنشائيا جميلا لطلاب المدارس (على  حد تعبير الأستاذ الفاضل) يوازن فيه بين السيف والكتاب،  ولكنه كان يفند أقوال المنجمين الذين أشاروا على الخليفة  (المتوكل) إلا يخرج للحرب فى يوم من الأيام لتطهيرهم منه وتوقعهم  له الهزيمة والفشل فى ذلك اليوم، فلم يستجب الخليفة لتنجيمهم  ومضى إلى الحرب فكان الفائز المنتصر! فابتدره أبو تمام بقوله:  (السيف أصدق أنباء من الكتب) أى من المنجمين! ويعترف  صديقنا بان قصيدته لم تكن  (كفرا بالأدب ولكنها فى الحق  كفر بالخطب وكفر بالمقالات والكتب) كما يقول، ولا أدرى  أيريد الأستاذ بذلك أن يقول أن الخطب والمقالات والكتب  ليست من الأدب فى شىء؟ إن كان الأمر كذلك فتلك هى  الآفة الكبرى التى أجل أدب الأستاذ وفهمه عنها! فإن الخطب  والمقالات والكتب هى أشياء من صميم الأدب وبخاصة فى مقام  الاستحثاث والاستنهاض الذى نحن بصدده!  ولا أدرى يا صديقى كيف وأنت تزعم قراءة عصور الأدب

الفرنسى والإنجليزى جميعها إذ تقول (لقد قرأت من زمان طويل  ما قاله (هازلت) فنازلا و (سارتر) فصاعدا. . ولعلك خبير  بتسلسل هذه العصور في فرنسا وإنجلترا) لا ادرى يا صديقى أى  شىء يكون (صاعدا) بعد سارتر؟ والذى اعلمه علم يقين أن ليس  بعده شىء! وانه حى يرزق! وانه لا يزيد عمره على عمرك المبارك  إلا قليلا، وان مذهبه - واعنى به الوجودية - هو آخر  المذاهب الأدبية التى اعتورت الأدب من عصوره اليونانية القديمة  إلى يومنا هذا! وهو مذهب تتفتح بوا كيره ولم يعم انتشاره  بعد!

يا أخى: أن الأدب - رضيت أو لم ترض - هو الحركة  الأولى لكل شىء في الحياة. وكل ثروة حربية إنما سبقتها ثورة  أدبية مهدت لها وأدت اليها، والكلام فى هذا يطول والشواهد  عليه لا تحصى، فأما أن تقول كلاما فى الموضوع وأما أن تتقبل  تحيتى وسلامى!

اشترك في نشرتنا البريدية