الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 587الرجوع إلى "الرسالة"

تعقيب ورد

Share

١ -  أوافق الأستاذ الجليل نقولا الحداد على قوله فى كلمته  المنشورة فى العدد ٥٨٣ تعليقاً على مقالى   (مسائل فى وحدة  الوجود) : (إن الأديان السماوية الثلاثة ترفض نظرية   (وحدة  الوجود)  رفضاً باتاً وأنها مجمعة على أن الله والوجود المادى  منفصلان، وأن الله خالق الوجود المادى ومسيره).

غير أنى لا أوافقه فيما ذهب إليه من أن بيئتنا الفكرية فى  البلاد العربية ليس فيها محل لحرية الفكرية أو القول أو القلم.  فإن ذلك حكم قاس على تلك البيئة التى عرفت أنواع الحريات  حتى فى القرون الوسطى

وليست مناقشة أهل مذهب دينى أو فكرى لأهل مذهب  آخر دليلا على أن الحرية غير مكفولة، فإن الصراع والنزال فى  المجال الفكرى لانتصار مذهب على مذهب ليس معناه الحجر  على الحريات ما دام هذا الصراع لم يتخذ سبيل القوة والإرغام والاضطهاد من جماعة لجماعة.

ولست بحاجة إلى التدليل على أن كثيرا من الآراء والمذاهب  فى البلاد العربية وفى مصر خاصة لا يتفق مع المقدسات من  العقائد. ومع ذلك يحيا أصحابها ويستطيعون أن يدافعوا عن  آرائهم وحججهم ولا تمس أشخاصهم بسوء.   (ولا يساقون  إلى قضاء الامتحان الدينى) .

نعم لقد تنسب لبعضهم تهمة المساس بالعقيدة الدينية   (ويحمل  عليه حملة تكافئه) . ولكن ليس يتعدى ذلك إلى غير الاتهام  وحملة الكلام. . . وهذا بالطبع جائز لكل مناظر يرى رأياً  ويقرر حكما فى حدود الأدب، وعلى المناظر الآخر أن يدفع التهمة  أو يرتضيها لنفسه إن كان ما صدر منه عن عقيدة راسخة يريد  أن يدعو الناس إليها

فإن كان الذين يريدون أن يمسوا العقائد الدينية الموروثة  معتقدين مخلصين لآرائهم، ويرون إنها الحق الذى يجب أن يدعى  إليه فلماذا لا يحملون فى سبيلها الاضطهاد والعذاب الذى  لاقاه مؤسسو هذه العقائد والأديان، ويلاقيه كل داع إلى الخير؟

والطبيعة البشرية حتى فى المجال العلمى الطبيعى تقاوم  كل نظرية حديثة وقصة مقاومة العلماء والأطباء لنظريات  إخوانهم المكتشفين لحقائق جديدة قصة معروفة حتى  فى هذا العصر. فليس الأخذ والرد والدفع والجذب  فى المجال الدينى والفلسفى فريداً لا نظير له، وإنما طبيعة الناس  المقاومة لكل حديث إما حسداً وإما جحوداً وضيق فكر،  وإما عن عقيدة واقتناع. والزمن كفيل بمعاونة الحق على الظهور  والنمو والغلبة. وبقاء الأصلح قانون طبيعى   (وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض)

فعلى أحرار الفكر الذين يرون آراء حديثة فى الحياة  أو الاعتقاد أو حياة الاجتماع أن يحملوها حمل آباء الإنسانية  الأولين من الأنبياء والحواريين، وان يلاقوا فى سبيل تبليغها  ما لاقى أولئك من التسفيه والتشريد والتجويع والتقتيل إن  كانوا بها مؤمنين، وللإنسانية مخلصين. وعليهم بعد ذلك  أن يتحملوا تهم الكفر والإلحاد التى رمى بها الأنبياء. فلقد رمى  كل رسول بتهمة الكفر والإلحاد فى العقائد الوثنية والتقاليد  والأخلاق الهمجية، ومع ذلك فقد سخروا من الاتهام وتحملوا  الآلام حتى انتصروا وانتصرت كلماتهم، وصار العالم الراقى  كله يدين لتلك الكلمات! وعلى هؤلاء الأحرار بعد كل ما تقدم  أن ينتصروا. . . وأن يحملوا الطبيعة الإنسانية على الاستجابة  لآرائهم إن استطاعوا وإلا فعليهم أن يعلموا أن الطبيعة  الإنسانية لا تأبى مذاهبهم ولا تستعصى على الاستجابة لها إلا لأنها   (نشاز)  وشذوذ لا يصلح معه أمر حياة الاجتماع،  ولا يأنس إليه الطبع الإنسانى العام الذى لا يخضع للعقل وحده،  وإنما يخضع لمزيج مبهم من العقل والغريزة والعاطفة. . .

وقديماً فشل العقل اليونانى بفلسفاته أن يوجد أمة صغيرة  كاليونان، ويقودها نحو الإيمان بالله الواحد، ويترك الوثنيات  التى كانت تنضج بها معابدها. . ولكن الطبع الباكى الضارع  الحنيفى الفطرى المتمثل فى إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد والمتعلق  بالله الواحد، وبأصول الخير والفضيلة قاد اليونان والرومان  ووحدهم. وقاد من بعدهم أمماً عظيمة لا تزال ولن تزال تسيطر  على مقدرات الأرض وسياسة الاجتماع ٢ -  بدت للأستاذ إبراهيم السعيد عجلان ملحوظتان حول  أمرين وردا فى المقال السالف الذكر

أولهما: تقريرى أن إبراهيم عليه السلام توهم أن الله تعالى  يخلق بأدوات ووسائل، مع أن إبراهيم سأل:   (كيف تحيى  الموتى)  ولم يسأل   (بأى شىء تحيى الموتى) .

والذى قلته بالحرف: لقد توهم إبراهيم أن هناك   (كيفية)   للإحياء، وأنه هناك أدوات ووسائل للخلق والتكوين فأنا لم أحول   (كيف)  عن معناها حتى ولا لفظها، بل  قدمت معناها، ثم ألحقته بلازمه الذى لابد يخطر بالبال عند  إجراء   (كيفية)  التكوين والخلق. فإن أدوات التكوين  والخلق فى خيال الناس تلحق   (بالكيفية)  وصورها ثانيهما: تفسيرى الفعل صار من   (صُرْهُنَّ)  باذبحهن. . . وهذا فى (رأى الأستاذ عجلان ينافى صريح اللغة وسياق الآية  والرد على هذا الاعتراض من وجهين:

١ -  فى قاموس الفيروزبادي:  (صار الشيء يصوره  ويصيره: قطعه وفصله) وهذا صريح فى معنى الذبح. وأكثر  من الذبح وهو التقطيع وتكون (إليك)  فى الآية ضميمة  لتصوير الحال إذ أن الحال فى ذبح الطير أن يميل به الذابح ويضمه  إلى جانبه ليتمكن من إجراء السكين.

٢ -  لو كان معنى (صُرْهن) ضمهن وأملهن فقط  لكان تفسيرها بالذبح تفسيراً بلازم والأمانة فى هذا  الموضع الذى يتعين فيه ذلك التفسير ليتناسب ذلك مع (ثم اجعل  على كل جبل منهن جزءا)

اشترك في نشرتنا البريدية