يذكر الشابي - رحمه الله - قبر الفولاذ - وهاته الكلمة تستدعى بعض التوضيح .
كتب الى الشابي بتاريخ ؛ رمضان ١٣٥١ هذه الرسالة : أخي الاعز - تحية وسلاما .
" وبعد فان الليل الان صامت ساج والطبيعة هادئة ساكنة والناس لائذون بالبيوت " " من برد الظلام وانا والاخ البشروش (١) نتحادث فيما سنفضى اليك به - لقد " " فكرت انا والاخ البشروش فى تاسيس مشروع لا غاية له سوى النهوض بالادب " " من كبوته فى هاته البلاد المنكودة - فكرنا في ان نبذر نواة الحياة الادبية في تونس " " وذلك بان يضع كل منا مقدارا من المال باحدى البنوك او بعض فروع البريد وما " " يتجمع من الاصل والفائدة يكون تحت طلب من يريد طبع كتابه من المؤسسين " فيطبع منه كتابه كقرض يقترضه ثم يؤديه بعد ذلك - وهكذا دواليك - وبهذا " " نكون قد فرجنا ازمة النشر في تونس على بعضنا في الاقل "
" وهاته الفكرة كنا تفاوضنا فيها فى الصائفة الفائتة وكنت انت من محبذيها " " والداعين اليها - وهي لا تحتاج الا للعمل والتنفيذ وتنفيذها سهل للغاية فاننا " " اذا وضع كل من ثلاثتنا فرنكات ٧٠٠ لهذا الغرض او الف على الاكثر تكون " " المشروع وبرزالى حيز الوجود - على اننا يمكننا بعد ذلك ادخال عناصر اخرى " " معنا ان كان ذلك ميسورا والا فحسبنا اننا عملنا لفائدتنا عملا منتجا مفيدا " " ولهذا فقد عرضنا عليك فكرتنا وفى انتظار الجواب تقبل تحيات اخويك " " ابي القاسم الشابي ومحمد البشروس "
وقد احبته عن هاته الرسالة برسالة جاء فيها : " رايتك ايها الاخ
تحدثني بالفكرة التى فرغنا من النظر فيها ووقفنا عندها وبقى السعى لاخراجها فاذا هي تعود على بساط المذاكرة متضائلة قميئة فتحسب انها من السهولة بالمكان الذي ظننت وان ازمة النشر تنفرج متى قام ثلاثتنا باعباء ذلك المشروع وارى ان هذا لا يمكن لا عمليا ولا نظريا فان قلت ان المشروع يقوم على ثلاثة افراد فهى محاوله فاشله ويكفي ان يساعد بعضنا بعضا على النشر دون حاجة الى مشروع اقول هذا ايها الاخ لتعلم ان المسألة اصعب مما تظن وانه يجب التامل فيها من جميع الوجوه حتى اذا وضع الاساس كان محكما متينا وكان صالحا لان يبنى فوقه طبقات اخرى في المستقبل - فعلينا ان ننشر الدعوة اولا ثم نكاتب من يظن فيهم الاهتمام بهذا المشروع ومتى حصل لدينا خمسة عشر نفرا يؤمنون بجدوي هذا المشروع امكن اخراجه الى حيز الوجود . . "
ولم تعجب الفكرة الشابي فكتب الى البشروش قائلا " ليدفن المشروع في قبر من الفولاذ " وحين راجعني البشروش - رحمه الله - فى الموضوع وذكر لي كلمة الشابي هاته كاتبت الشابي برسالة مؤرخة ٢٣ شوال 1351 جاء فيها:
" ماذا تم في مشروعا ؟ اقول ماذا تم وانا اعلم انك اعددت له قبرا من الفولاذ وذلك من أول رسالة في هذا الغرض - ولم اقل فى تلك الرسالة ما يثبط العزم ويدل على الفتور بل نصحت بالتثبت والتامل وقلت انه لا يقوم على ثلاثة افراد انا اريد به تفريج ازمة النشر بتونس كما قلت في كتابك - فلماذا - ايها الاخ
احضرت القبر الفولاذي وكانك اتهمتني ضمنا باني ارسلت لك المشروع قتيلا بعد ان ارسلته لي وليدا يغنى اغنية الامل على انني قرات في العالم الادبي وسمعت من كثيرين بتونس ان هناك جمعية للنشر والتأليف تكونت بتونس وسيقدم قانونها الى الحكومة بعد وقوع المناقشة فيه فان خرج هذا المشروع الى الوجود(1) فهي فكرتنا التى نشرتها جريدة " الزمان " واختمرت فى العقول الآن فلا غضاة علينا ان دخلنا في هذه الجمعية . .

