كان لهذا التقرير الذي أصدره حضرة صاحب المعالي وزير المعارف فرحة في قلوب الأباء والأمهات ، إذ وجدوا فيه وعدا صريحا بأن دور العلم ستفتح أبوابها بالمجان للأطفال والمراهقين وكثير من البالغين ، حيث يجدون غذاء العقل ، وغذاء الجسم .
وكان له أيضا صداء بين الأفراد والجماعات من المصريين وغير المصريين ، فتناولوه بالدرس والنقد . ومهما اختلفت فيه الآراء فإنها تكاد تتفق على أنه دستور تعليمي ثوري شامل " .
وقد يكون من اللياقة واللباقة معا ألا يتعرض مرءوس مثلي للتعليق على إنتاج رئيسه ، ولكن اعتقاد أن معالي الوزير لا يأتي النقد المخلص ، وأنه نشر التقرير " ليكون موضوعا للدرس والبحث ، وليتبين رأي الأمة فيه واضحا جليا " يشجعني على أن أساهم في التعليق على هذا المشروع الإصلاحي .
وأول ما يلفت نظر القارئ ، هو أن معالي الوزير قد استقل بوضع هذا التقرير معتمدا على ما قرأ من مئات الكتب والتقريرات ، ومن بينها تقريرات وصمها المدبرون العامون والمراقبون في الوزارة وقد جرت العادة في البلاد التي سبقتنا في الإصلاح ان يوكل وضع مثل هذا التقرير إلى لجان استشارية فنية ، تجتمع وتبحث المشكلات وتقدم مقترحها إلي الوزير الذي يفقها مبدئيا ثم يعرضها على البرلمان المناقشة وإبداء الرأي . ولعل معالي وزيرها لم يلجأ إلى هذه الطريقة التقليدية توفيرا للوقت ، ورغبة في الإسراع بإخراج المشروع وإتاحة الفرصة لمناقشته في البرلمان وخارجه . وقد أراد بهذا أن يكون عمل اللجان
النقد التكميلى ، وأن تقوم بوضع الخطط التفصيلية التنفيذية لسياسة المشروع العامة .
التعليم الأولى والتعليم الابتدائى : عقد التقرير فصلا
طويلا عن التعليم الإلزامى ، وذكر السبب في إخفاق نظامه ، وأن عيبه يرجع إلي قصر المدة المخصصة له ، وهي سنتان ونصف على الحقيقة ، ثم جاء بالإصلاح المنشود فجعل مدته سبع سنوات تبدأ في تمام السنة السادسة ، وذلك على نظام اليوم الكامل . ويقترح التقرير أن يوجه هذا التعليم " وجهة عملية تلائم حاجة البيئة التي نشأ فيها التلميذ ، زراعية أو صناعية أو تجارية أو ملاحية . . وفي الوقت نفسه يثقف الناشئ تثقيفا عاما كافيا ليعينه على فهم الحياة العامة في بلاده " . وهذا مثل عام للنظام الذي يجب أن يكون عليه التعليم الإلزامي في مصر . ولكن لدينا إلى جانب التعليم الأولى بتعليم إبتدائي ، وهو تعليم يبدأ في دور الطفولة المتأخرة من حياة التلميذ ، ويمتاز من التعليم الأولى بأنه إعداد المدارس الثانوية ، ولذلك يأخذ فيه المنهج اتجاها ثقافيا ، ويتعلم فيه التلميذ لغة أجنبية وقد أشار التقرير إلى أن التعليم الثانوي سيكون فنيا وثقافيا ؛ فبجانب المدارس الثانوية المعروفة " تنشأ المدارس الثانوية الفنية التى تعد التلميذ إعدادا فنيا في الزراعة أو التجارة أو الصناعة " .
ولم يتعرض التقرير للصلة بين التعليم الأولي ( الإلزامي ) والتعليم الابتدائى ، وما إذا كان التعليم الابتدائي بصورته الحالية سيلغي ليحل محله التعليم الأولي الشعبي ، أي توحد مرحلة التعليم الأولى لجميع أبناء الشعب تحقيقا لمبدأ الديمقراطية ، أو أن النوعين من التعليم الأولى والابتدائى سيظلان قائمين جنبا لجنب ، ولعلى لم أخطىء حين فهمت من التقرير أن كلا النوعين سيغلل قائما . فإذا صح فهمي هذا واجهتنا أسئلة محتاج إلى تفكير في جوابها ، منها . ١ - ما أسباب استبقاء النظامين الأولى والابتدائى
ما دمنا قد جعلنا التعليم ديمقراطيا تتساوي فيه الفرص ، حتى تظهر المواهب الكامنة في أبناء الشعب جميعهم ؟
٢ - أليس من الأصلح توحيد المرحلة الأولى من التعليم وإلغاء التعليم الابتدالي بصورته الحالية ، وإدماجه في التعليم الأولى ، التعليم العام للشعب ؟ ! إن هذا النظام المزدووج من التعليم غير معروف في الدول الديمقراطية ، بل لقد كان من نتائج تقرير هادو ان التي استعمال عبارة " التعليم الأولى " وأحل محلها عبارة " التعليم الابتدائى " . وعلى أية حال فالمشكلة ليست مشكلة ألفاظ وإنما هي مشكلة نوعين من التعليم لا ضرورة لبقائهما معا .
٣ - أمن الضروري تعليم لغة أجنبية قبل البدء في مرحلة التعليم الثانوي ؟
وجواني عن هذا السؤال بالفي . وهو جواب اثبته التجارب الكبيرة . وتعرض له بتفصيل الدثور وست ، وهو رجل امضي حياته في تجارب تعليم اللغة الإنجليريا بالهند ، واحتلف كتبه المحل الاول حيث تعلم هذه اللغة خارج )جلترا ، فهو يقول : " ويمكن ان نستخلص من موضوع كتابنا هذا (1) أنه يجب أن يجب المتعلم قراءة لغته الوطنية قبل البدء في تعليمه اللغة الأجنبية ، وليس هذا المبدأ قاصرا على الهند بل ينطبق على غيرها أيضا " .
الأزهر والمشروع : هذه نقطة شائكة لأنها ستخرج
بنا من اختصاص وزارة المعارف إلى اختصاص آخر . ولكني أومن بأنها من الخطورة والصلة بمشروع التعليم الذي ندرسه ، بحيث لا يصح أن أغفلها في مقالي هذا . فالأزهر جامعة دينية تعليمية ؛ لها معاهدها الخاصة . الابتدائية والثانوية ، ولها كلياتها ، وبها أقسام للتخصص وهي تعد أبناء الشعب لا بناته - لوظائف هامة في القضاء ، الشرعي ، والمحاماة ، والوعظ ، والإمامة ، والتدريس وغيره ومن بين هذه الوظائف ما يحتفظ بطابعه الديني
المحض ، ومن بينها ما يتجه الاتجاه المدني كالتدريس . وقد زاد الإقبال في السنوات الأخيرة على قسم التخصص لإجازة التدريس ، فالتحق به من اتموا تعلمهم في كلية اللغة العربية ، وعدد كبير ممن تخرجوا في كليتى الشريعة وأصول الدين ، وهؤلاء يطلبون التوظف في المدارس المدنية التي تشرف عليها وزارة المعارف او تديرها . وهؤلاء لا يجدون السبيل الممهد للوظائف عادة كغيرهم من أبناء الدولة ممن رتبتهم وأشرفت على إعدادهم وزارة المعارف . وهذا إنصاف وعدل . ولكن هناك شيئا غير طبيعي في تنوع الإعداد وتنوع الإشراف ، على حين أن المدرس الذي يراد إعداده نوع واحد . وهذه مشكلة طال تاريخها . وكنت أود مخلصا أن يتعرض لها هذا التقرير الذي سيكون إن شاء الله - دستور التعليم في مصر ، فيحلها حلا مرضيا لمصلحة الله والوطن .
تعليم الكبار وتعليم الأميين : وعقد التقرير فصلا قيما
لتعليم الكبار ، وهو ما يسمى بالإنجليزية Adult education وذلك لأن التعليم لا ينتهى بمغادرة التلميذ المدرسة - الأولية مثلا - ولكن نتاج له الفرص المنظمة للدرس والتفوق والتهذيب ، حتى يتسع أفقه ، وتزداد معارفه . وأشار التقرير إلى أن في وزارة الشئون الاجتماعية اتجاها لتحقيق هذا الفرض ، وأن وزارة المعارف ترحب بهذا الاتجاه. وهي مستعدة لتقديم " كل معونة فنية في تنظيم هذا التعليم ووضع خططه وبرامجه ، وملاحظة تنفيذ هذه الخطط والبرامج .. " . وهذه مأثرة أخري من مآثر هذا المشروع ، لأن التعليم الناقص قد يكون أخطر على الهيئة الاجتماعية والفرد من الجهل .
وهنا يجدر بي أن أشير إلى أن في مصر نسبة غير صغيرة من الأميين الكبار . وهؤلا ، - وإن كانوا سينقرضون بمر السنين - يتوقون إلى التعليم ، حتى ولو اقتصر تعلمهم على القراءة والكتابة . على أن في تعليم
الكبار من أباء وأمهات إعدادا للجو المنزلي الصالح الذي يجد فيه المتعلم الصغير من والديه إرشادا وتشجيعا وتقديرا للتعليم .
هل تسمح مواردنا بتنفيذ الشروع ؟
نشرت الثقافة في عددها ٢٥٩ مقالا تحت عنوان " منطق الارقام " قدر فيه كاتبه أن تنفيذ ما جاء في تقرير التعليم من إصلاح ، وما يحتاج إليه البلاد في الشئون الصحية يحتاج نحوا من ٦٥ مليونا من الجنيهات سنويا ، أي ما يعادل ميزانيتنا الحالية .
وسواء أصح هذا التقدير أم لا ، فهناك حقيقة ثابتة وهي أن مواردنا كما هي الآن لا تسمح بتنفيذ ما جاء في التقرير من إصلاح منشود . ولم يتعرض التقرير للوسائل العملية التى يدير بها مال التعليم . غير أنه ذكر أنه " قد أجمعت هيئات التعليم ورجال التربية واللجان الدولية التي تشتغل بشئون التربية في أمريكا ، وتعد النظم لما بعد الحرب على أن العالم بجميع ما فيه من موارد طبيعية وفرص لاستغلال هذه الموارد والانتفاع بها ، وما يقتضيه ذلك من فرص التعليم التي تمكن من هذا كله ، لا ينبغي أن تستأثر بها أمة دون أمة ، أو أن تستبد بها طبقة دون طبقة ، وإنما هو حق الجميع ، ولكل فرد في كل أمة أن يطلب حظه منه ، كما أن لكل أمة في الأرض أن تطلب حق أبنائها منه واعتماد على هذا الرأي قرروا ضرورة التزام الأمم جميعا بميثاق دولي أن تتعاون على تمكين جميع الطبقات من التعليم على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص ؛ حتى لو أن أمة من الأمم المشتركة في هذا الميثاق لم تجد من مواردها الطبيعية الخاصة أو من طاقتها المالية ما يعينها على تحقيق هذا المبدأ ، كان فرضا على هذه الدول الغنية بمواردها أن تقدم لها المعونة الكافية لتحقيقه ويشترط لذلك طبعا أن تبذل الأمة ، التي تطلب المعونة ، أقصى جهدها وما تبلغه طاقتها لتحقيق هذا المبدأ بمواردها الخاصة - فذلك
واجبها الأول قبل أن يكون واجب الدول الأخرى " .
وهذا النص واضح في إنه إذا ما عجزت موارد مصر عن تنفيذ سياسيا التعليمية فان هناك مالا احتياطيا تلجا إليه عند الدولية . ولكن اي ضمان بكفل لنا تحقيق هذه الآمال التى حلقيا الحرب ، والتي لم يخرج عن حضر البحث والتفكير ؟ هذا إلى ان واجبنا بقضي بأن نبذل نحن مجهودنا المالي ضمن مواردنا الخاصة لتحقيق مثل هذا المشروع .
ولقد اتجه معالي وير المعارف اتجاها عمليا في البدء بتدبير المال اللازم للتعليم . وكان من مظاهر هذا الاتجاه ما حدث في مأدية معالي وزير المالية لرجال المال بعد تغطية الفرض الوطني . فقد اقترح دولة صدفي باشا علي معالي وزير المالية ان يعقد فرضا لتحسين حال الفلاح وتنفيذ المشروعات (1) التي تحتاج إليها البلاد بعد الحرب ، " وهنا قال معالي يجيب الهلالالي باشا إنه رجو ان تخصص اموال الفرض الجديد الذي يقترحه دولة صدفي باشالورارة المعارف لتنفقه على التعليم " فاذا يحج هذا الاقتراح وأ مكن عقد مثل هذا الفرض كان لنا ايضا ان نتساءل : أمن المصلحة عقد قرض لإنفاقه في إصلاح التعليم واوجه اخري ضرورية أم تقييد مشروعاتنا الإسلامية بمزانبتنا المحدودة ؟
إن التعليم تجارة رابحة . وليس عقد الفروض للقيام بالشروعات الإصلاحية أمرا جديدا في تاريخ الأمم ، فكل الدول - ومن بينها مصر - تعقد قروضا لتنفيذ المشروعات العامة التي تعجز ميزانيتها عن تنفيذها وقد ثبت بالتجارب والتاريخ ان التعليم يزيد قوة الإنتاج ، وبه يمكن فتح أبواب لموارد من الثروة قد أهملها الجهل ؛ وما أكثر هذه الموارد في مصر . وقد يكون من المناسب ان اشير هنا إلى أنه من الضروري أن تقوم بحانب المدارس والمعاهد الفنية مؤسسات صناعية وزراعية حكومية وحرة ، يمكن أن
تعمل فيها الجماعات المدربة التي تخرجت في هذه الدارس والمعاهد الفنية ؛ وبهذا يكون تطورنا الاقتصادي متمشيا مع تطورنا التعليمي . غير أنه يجب ألا نتوقع زيادة الإنتاج العام في الدولة بحيث يكافيء نفقات التعليم السنوية ، قبل مضي جيل أو جيلين .
هذا إذا لجأنا إلي عقد القروض . فإذا لم يكن هذا ممكنا ، فهناك اقتراحات قد يعاون تحقيقها على تنفيذ هذا المشروع التعليمي ، ولو تنفيذا بطيئا ، نذكر منها :
١- أن تنهج وزارة المعارف نهج وزارة الصحة في قبول تبرع الأفراد والجماعات بالأرض والمثل لإنشاء مجموعات صحية ، فتشجع وزارة المعارف الجمهور وتقبل منه مثل هذه التبرعات لإنشاء المدارس الريفية والثانوية الفنية .
٢ - أن وزارة المعارف في الممالك الغربية لا تصرف للتلاميذ الكتب المقررة والأدوات المدرسية التي تصرفها وزارة المعارف هنا . فإذا أعفي الأباء من المصاريف المدرسية فلا أقل من ان يشتروا لأولارهم ما يحتاجون إليه من كتب وأدوات مدرسية ، وهذا النظام يوفر علي الوزارة قدرا من المال لا بأس به .
٣ - أن توجه المدارس الفنية توجيها تجاريا إلى جانب مهمتها التعليمية . فتباع منتجانها الزراعية والتجارية لحساب وزارة المعارف ولا شك أن أثمان هذه المنتجات سيغطي جزءا كبيرا من نفقات هذه المدارس .
4- أن تبدأ وزارة المعارف بتنفيد هذا المشروع تنفيذا جزئيا محليا كتجربة - في منطقة من مناطق القطر ولهذه التجربة نتيجتها المزدوجة ، وهي : أولا أنها تعطينا فكرة صحيحة صادقة عن مقدار ما يحتاج إليه المشروع عن مال عند تعميمة ؛ وثانيا نتعلم من الاخطاء التي قد نفع فيها أثناء التجربة . وقد تكون التجربة أسلم طريقة لتنفيذ هذا المشروع الضخم .
وليس في التقرير ما يحتم التعجل بالتفيذ ، فإنه يشير (1)
إلي أن أعضاء البرلمان الإجليزي لما عرضت عليهم الإصلاحات التعليمية الاخيرة " قالوا : إن البرلمان لا يمكن ان يتقيد منذ الان بما سيكون في المستقبل ، ولكنه يوافق مبدئيا على المضى في الإعداد ، والإصلاح على أساس السياسية العامة المفردة . وكلما تمت مرحلة من مراحل الإعداد وأصبحت ممكنة التنفيذ طلب من البرلمان إقرار
الإعتمادات اللازمة لها . ولكن ذلك لا يمنع إعداد التشريعات وإقرارها منذ البدء " .
والتقرير الذي اصدره معالي الوربر هو من نوع هذه الإصلاحات . فهو مشروع لسياسة التعليم عامة يعرضه على نواب الأمة وشيوخها لتتيح لهم فرصة لم تتح من قبل " لبحث حالة التعليم عامة . فلا يقتصر البحث فيها على نوع دون نوع ، ولا عيب دون عيب . وبذلك أيضا تستطيع مصر ان ترسم للتعليم نهجا عاما على علم بأغراضه وأسسه وأهدافه البعيدة وأغراضه العامة "

