انها لماساة قاسية فظيعة : تعليم لا يؤدي وظيفته الطبيعيه وهى رفع مستوى الامة الاقتصادى والاجتماعى والثقافى بل ربما كان عاملا من عوامل عرقلتنا عن السير الى الامام بالسرعة التى نبغيها .
ان تعليمنا بشموله جانبا ضئيلا من الامة وانتشاره في جهات دون أخرى يوسع الشقة التى تفصل النخبة عن الجماهير الجاهلة ويساهم بنصيبه فى وضع اختلال بين الجهات يشتد على مر الايام .
نؤمن جميعا بوجوب تعميم التعليم في آجال قصيرة وندرك أن لا سبيل الى ابقاء اقطاعية ثقافية في وجه العالم في هذا الطور من التاريخ وجميعنا يصغى إلى دوي الجماهير الزاحفة لافتكاك مستوى من الحياة مرضى شريف .
ولكن تصدنا عن الحلول الجريئة احترازات وتخوفات صادرة عن رواسب نفسية موروثة او مكتسبة ، وقع تكوينها العقلى فى المدرسة وفى المجتمع ايضا على أساس الاناة والروية والتفكير الطويل فى جميع الامور بدون مراعاة لمضى الوقت والحذر كل الحذر من الانقلاب . فعقليتنا عقلية حكماء فى عصر السرعة ومحافظين حذرين في عصر الانقلابات .
العقلية البرجوازية
ورثنا عن " السلف الصالح " تعليما اسلاميا عربيا منفصلا عن الواقع غايته تكوين " الخاصة " من علماء وفقهاء وأئمة ولما كانت الخاصة طبقة تضمن عددا قليلا من الافراد طال ذلك التعليم وتعقد وصعب على المريدين واصبح أداة للمحافظة على امتيازات طبقة بعينها . اما الشعب فانه لم يشمله ذلك التعليم الا عرضا عن طريق دروس الوعظ والارشاد التى تلقى " للعامة " فى المساجد . اذ لا يحتاج " العامى " الا الى مبادىء بسيطة ليقدر على القيام بواجباته الدينية .
كان ذلك النوع من التعليم يزرع الغرور في النفوس لحرصه على تكوين
أجيال من " العلماء " ما أحبوا الشعب وما سعوا لانتشاله من الفاقة والجهالة بل عطفوا عليه فتنازلوا فزودوه - أينما وجدوا - بما يحتاج اليه المؤمن لعبادة ربه ولو أن ذلك التعليم قد أنجب بعض افراد كانت لهم حياة روحية يقتدى بها فانه كان - فيما عدا ذلك - عقيما عاجزا عن بعث نهضة حقيقية للامة .
وسلط علينا نظام تعلييمي اجنبي هو التعليم الفرنسى وتكونت اجيال حسب مبادئه وأساليبه حتى أصبح ذلك التعليم ناحية من واقعنا .
وهذا التعليم نظرى طويل المراحل متنوع المواد تتعدد فيه الاختبارات فلا ينعم بالنجاح الا القليل فكان الجهاز التعليمى آلة جعلت لرفض الاكثرية وتكوين أقلية محظوظة .
انه تعليم يناسب واقع أمة كهلة اكتمل جهازها ودارت دواليبها فأصبحت تصطفي خيرة القوم والاماكن الشاغرة قليلة . ولربما اصبح ذلك النظام التعليمي الفرنسي اليوم غير صالح بفرنسا نفسها والفرنسيون قد بدأوا فى تحويره .
وأصبح بعضنا يدافع عن النظام التعليمي الفرنسى الطويل المثقل النظرى فى حين أن رواده أقروا بأنه أمسى غير ملائم للعصر الحديث ولواقع فرنسا اليوم ذلك لان هذا النوع من التعليم يمنح ما يسمى " بالثقافة العامة " وتلك العبارة جذابة بقدر غموضها .
فليس للثقافة العامة حدود وكثيرا ما تخفى الثقافة العامة - وراء مظاهر خلابة تمنحها المقدرة على الحديث عن مواضيع شتى بعبارة سهلة - فقرا فكريا وبعدا عن الضبط وعجزا امام الحياة العملية ومشاكلها اليومية . انها حلية وليست سلاحا . ذلك ما يبغيه البرجوازيون الفرنسيون لابنائهم فى غالب الاحيان .
لا يمكن ان يكون هذا النوع من الثقافة صالحا لامتنا في هذا الطور من تاريخها .
ماذا نجد اليوم ؛ قد مزجنا التعليم الزيتونى بالنظام التعليمى الفرنسى تحت ضغط ظروف خاصة وكونا تحت ضغط نفس الظروف تعليما اطلقنا عليه اسم " التعليم التونسى " لقد حافظنا فهى هذا النوع الاخير من التعليم على البرنامح الفرنسى وزدناه ساعات لغة عربية وترجمة وفقه وتوحيد الخ ... فاثقلنا عاتق تلامذتنا وانهكنا قواهم حتى اصبح التلميذ فى آخر دراسته الثانوية عاجزا على تحرير مقالة بسيطة بلغة صحيحة سواء أكانت تلك اللغة هى لغته القومية او الفرنسية .
كم من سخفات واسفاف نعثر عليهما فى اوراق الطلاب الذين انهوا تعليمهم الثانوي . ولا غرابة فى ذلك اذ انهم ضحايا عملية تبليد واسعة النطاق جنونية نرى آثارها في الحياة اليومية عند بعض المثقفين .
حشو الادمغة
ست وثلاثون ساعة يقضيها التلميذ فى الدروس ما عدا ساعات المراجعة وكتابة التمارين ... لغات متعددة وعلوم مختلفة تستدعى مجهودا كبيرا لاستيعاب مبادئها ... تلك هى حياة التلميذ فى التعليم الثانوى .
ومن المؤسف ان جل ما يحفظه لا يصلح له فى حياته العملية لانه بعيد عن واقعه كل البعد . بين أيدينا بالمدارس الثانوية مجموعات نصوص تفسير ادبى لا تحتوى الا على نصوص من الادب العربى الشرقى او تكاد كأن لا وجود لادب اندلسي وادب مغربي . ويتعلم تلميذنا مع العربية والفرنسية والانجليزية اللاطينية واليونانية فاذا وقع بين تلك اللغات الخمس تذبذب وضاع واختل تفكيره فيضطر مجلس الاساتذة الى اعفاءه من اللغتين القديمتين معا . ولا أدرى ما هو الداعى الحقيقى لادخال اللغتين القديمتين بالمدرسة الصادقية .
لو كان الداعى الى ذلك ارادة وضع اسس تعليم " انسانى " Humaniste على غرار الاوربيين لكان من الصالح لنا - ونحن عرب - ان ندرس بمدارسنا الفارسية واليونانية لاتصالهما المتين بثقافتنا وان نضع برنامجا خاصا لتلك الشعبة يكون فيه نصيب الادب اووفر من نصيب العلم .
ولكن اضفنا اللغتين القديمتين الى برنامج اقسامنا العصرية فبدت الذبذبة وجل الخطر واصبحنا نطالب تلامذتنا ببذل مجهود عظيم يكون من الافيد بذله فى التعليم العالي حيث يصل ابناءنا منهوكى القوى اثر تعليم ثانوى هو بمثابة مباراة طويلة المدى .
الدافع الى ذلك فى الحقيقة عقلية برجوازية مركبة تنزع - تحت ستار النظريات الخلابة - الى تكوين نخبة وصد الجماهير الشعبية وهى في طريقها الى الرقى .
فالتخفيف فى برامج التعليم والتقليل فى السنوات يعينان على رفع المستوى
الثقافى للامة وعلى تكوين عقول الشباب عوض حشوها وعلى تمكين المجتمع من أياد ماهرة وادمغة مكونة فى اقرب الآجال .
ولكن التخفيف لا يكفى اذ ان افظع صورة لتعليمنا هى انفصاله عن واقع الامة وواقع انفسنا .
تعليمنا والواقع
ينبغي ان تكون لنا الجرأة الكافية للخروج من الذبذبة والحيرة بين السبل وانتهاج طريق سوية واضحة المعالم وذلك لا يكون الا بتسخير تعليمنا للواقع .
ينبغي ان يكون محور تعليمنا المغرب العربي بذاتيته وتراثه الفكري والادبى وسطحه واقليمه وخاصياته الخ ... وينبغى ان يكون اداة تكوين اطارات لخدمة برنامج بعث اقتصادى واجتماعى وثقافي اى ان يكون مسخرا للبرنامج والبرنامج يمثل الاهداف التى ترسمها الامة لنفسها .
ولربما حن بعضهم الى ثقافة عالية غير مسخرة لاهداف امة بعينها وظن انه يمكن ايجادها فى بلادنا اذا اهتممنا اهتماما خاصا بنخبتنا .
ولكنى اعتقد ان نخبة اليوم فى بلادنا - او ما نسمية نخبة - تبقى عقيمة ما دام الجهل محيطا بها من كل جانب . فالنخبة تنتج ادا وجدت قلوبا متفتحة وآذانا صاغية . واما اذا غمرها الجهل من كل جانب فانها تختنق وتنكمش وكم من مثقف يئس بعد سنوات واصبح يتسلى بلعب الاوراق مع الجيران فى مقهى الحى .
إني اعتقد انه ينبغى وضع البنية الاساسية وتمتينها بتعميم التعليم ومكافحة الجهالة وتمكين جميع الناس من الوسائل لمعرفة الواقع المحيط والهيمنة عليه بتنظيم تعليم فنى ملائم وتشييد مراكز تكوين مهنى سريع . وذلك هو ارتفاع مستوى الامة العام فاذا ارتقت الامة بأكملها تفتحت وانجبت نخبة حقيقية خلاقة تتوق الى المساهمة فى الحضارة البشرية وهى موقنة انها ستمنح العالم ثقافة طريفة
فاذا اعرضنا عن تلك السبيل وقعنا من جديد في خندق التعليم البورجوازي المقيت الذى اعرض عنه جل البلدان فى العالم .

