الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 159الرجوع إلى "الثقافة"

تعويض، للقاضى الفاضل صاحب الامضاء

Share

لفت نظرى يوما وأنا أعمل في إحدي محاكم القاهرة أن المحاضر التي تحول علي محكمتي من إحدي النيابات تأتى وعليها " توقيعات " كبيرة الكلمات واسعة الحروف بحيث إن الكلمتين أو الثلاث منها كانت تستنفد السطر ، وبحيث كانت السطور الأربعة أو الخمسة تستنقد الصحيفة ؛ فهي إلي " اليفط " و " إعلانات الحائط " أقرب منها إلى التوقيعات الفنية أو الادارية ، التي توضع على الورق لاستيفاء نقص في التحقيق أو لتحديد جلسة تنظر فيها الدعوى . فأحببت أن أري وكيل النيابة صاحب هذه التوقيعات الفخمة وعرفت اسمه ثم التقيت به فإذا هو ممن يسميهم زملاؤهم علي سبيل الفكاهة " عقلة الأصبع " لفرط ما هو عليه من قصر القامة ، ولأنه لا يكاد يفصل بين طربوشه الأنيق وحذائه اللامع إلا أشبار قليلة . فقلت في نفسى : لقد كان طبيعياً أن أتهيأ لرؤية صاحب ذلك الخط على مثل هذه الصورة ، إذ ما حاجة الرجل الطويل العريض إلى أن يعلن عن نفسه بمثل هذه الحروف الفخمة والكلمات الضخمة وله من قامته وهامته ما يغنيه عن ذلك ؟ وإنما هو الجسم الضئيل والقوام النحيل الذي يحاول إخفاء نفسه وراء هذا الستار الفضفاض ، وهذا الخط العريض .

ودعاني ذلك إلى التفكير في بعض من أعرف من الناس لأتبين طرق هذا النظر ، فرأيت أن أصغر الناس أجساماً هم في الغالب أكثر الناس دوياً ، كأنما يريدون أن يعتاضوا عن قصر قامتهم بطول باعهم في لفت أنظار الناس إلي مواهبهم الأخري . وذكرت أن أحد كتابنا النوابغ الذين يملأون الدنيا بمقالاتهم وكتبهم وكانوا

في صباهم يملأون الدنيا أيضا بشعرهم وقصيدهم - كان وما يزال يحمل لساناً أحد من السهم واقتل من السيف ، حتى لقد اعتدنا أن نسميه فيما بيننا " بذي الشطب " . وكان في مستهل حياته الأدبية حين كان يضع قواعد شهرته كأديب ، لا يحلو له أن يدعم هذا البنيان الجديد إلا يجثث من يهاجمهم من كبار الأدباء والشعراء . وكانت له في ذلك جولات وفتكات لا بد بذكرها اليوم كل من كان مهتما بشئون الأدب في مصر منذ ربع قرن من الزمان . ولم تكن تلك الفتكات الجريئة وتلك الضجة المدوية هي أغرب ما في شخصية ذلك الكاتب . ولكن الغرابة كلها كانت في جسمه الذي لا يمكن ان يتجلى إلا فيه صدق قول القائل :

كفي بجسمى نحولا أننى رجل

                      لولا مخاطبتي إياك لم ترقى

ولقد كنت أسمع بهذا الأديب وأقرأ له فأصوره لنفسي مارداً عملاقاً يسير في الطرقات كما كان يسير " جلفر " في دولة الأقزام . فيتناول بأصابعه ما شاء من رءوس المارة فيفركها بين أنامله ثم يلقيها على الأرض فتاتاً وتراباً . فلما رأيته هالنى أنه رجل جاوز الأربعين ولا يزال وجهه في حجم القطعة الفضية من ذات القرشين ، وأنه كله بطربوشه الطويل وحذائه العالي يغرى الانسان بأن يضمه في جيب سترته كأنه قلم من أقلام الرصاص .

وقد كان هذا الأديب الكبير في أول أمره معلماً ، فحدثني عنه بعض تلاميذه أن مدرس الترجمة في مدرستهم كان رجلا ضخم الجثة عريض المنكبين ثم نقل من عندهم إلى مدرسة أخرى ، فاستشرفوا للقاء المدرس الجديد . وجاء يوم حصة الترجمة وحل موعد ساعة الدرس . وجلس التلاميذ في مكتبهم ينتظرون وهم على عادتهم المألوفة من الهرج والصخب والممازحة والتقاذف بالأوراق وغيرها ، ومطاردة بعضهم بعضاً في الممرات الضيقة بين

المكاتب . وإذا برجل يدلف من باب الحجرة إلي منصة العلم ثم يجلس علي كرسيه ، فتطلعوا إليه فلم يخطر ببالهم أنه المدرس الجديد . إذ كان أصغرهم سناً أكبر منه جسما فلم يحفلوا به ولم يأبهوا له ، وظلوا آخذين فيما هم فيه من لهو وعبث ، وصاحبنا القابع على كرسيه يسلط عليهم عينيه الواسعتين النافذتين الصارمتين فلا تصيبان تلميذاً إلا تلقيان به في مقعده متخاذلاً مرعوباً ، حتى هدأت الثائرة واستقر الجميع في أماكنهم ، ثم قام لهم صاحبنا فأعلنهم أنه هو المدرس الجديد . واستغلظ من فتيان المكتب من شاء أن يجعله أمثولة لغيره فدعاء إليه على أنه زعيم هذا الهرج وقائد هذه الثورة ، وما زال به يقرعه ويبكنه ويعرض بضخامة جسمه وينوشه بلسانه المر ونفثاته الساخرة حتى تركه كما يترك العنكبوت الذبابة بعد أن يداورها ويحاورها ويتركها مسحورة تحت تأثير لمسات سيقانه الطويلة القاتلة .

ويقول صاحبي الذي روى لى هذا المشهد إنه ظل ورفقاءه تحت تأثير الذعر الذي غمرهم به أستاذهم حوالى شهرين ، ثم اطمأن إليهم معلمهم فبسط لهم نفسه و أاذاقهم من حلوها بعد أن سقاهم مرها . فتحولت الصلة بينهما من رهبة مميتة إلى حب متبادل و ألفة مستحكمة ، حتى لقد كانوا ينتظرون درسه ويؤثرونه بميلهم وإقبالهم دون باقي الدروس .

فهذه الشخصية الجبارة التى يتمتع بها هذا الأديب الكبير إنما جاءت له عن طريق التعويض عن النقص الذي يحسه في تكوين جسمه الصغير . وإني لأذكر أني قرأت مرة مقالا لهذا الأديب الذي أتحدث عنه فإذا هو يتحدث فيه عن نفسه وعن بعض ذكريات طفولته ويروي للقراء فيما يرويه أنه كان يقيم في بعض الأحياء الوطنية القريبة من الجبل ، وا أنه كانت بين الفينة والفينة تقوم المعارك بين أولاد حارته و أولاد الحارة المجاورة ، فكان

الفريقان يخرجان إلي الجبل حيث يقفان في صفين ثم يتراشقان بالطوب والحجارة ، وكانت مهمته هو - على حد تعبيره - أن " يحدف الرايقة " وهي الطوبة التي يشتبك على أثرها الفريقان - وظلت هذه مهمته حتى شب وكبر واشتغل بالسياسة واشترك في الحرب الحزبية الطاحنة التي كانت تدور عندنا على صفحات الجرائد في السنوات العشر الأخيرة ، وأصبحت مهمته أيضا أن " يحدف الرايقة " بين الأحزاب وأصبحت هذه " الرايقة " في عهده الجديد مقالا يحرره ، فيكون نشره إعلانا للحرب بين هذه الأحزاب تظل تتساجل فيها وتتراشق بما هو أنكى من الطوب والحجارة - الأسابيع والشهور الطويلة ...

وتذكرني قصة هذا الأديب بقصة أديب آخر من أدبائنا المحبوبين ، حلى له أن يترك إخوانه يلقبونه بأنه " عدو المرأة " وقد استراح هو لهذه الصفة واطمأنت إليها نفسه ، و آمن الناس بوجود هذه العداوة حقا - وكنت أنا بينهم من المؤمنين - حتى كان الأسبوع الماضي ، إذا أخذت في مطالعة كتاب في علم أمراض النفس للدكتور إرنست نيكول-Ernest Nicole - Psychopatholohy -  فوجدته يتحدث في بعض فصول كتابه من نظرية " أدلر " - adler - في تفسير " مركب النقص " عند بعض الناس ، والطريقة التي يعمدون إليها لتغطية هذا النقص . ووجدته يقرر أن الغريزة الأولى في الرجل هي أن يعيش قويا . و أن يري في رجولته امتيازاً حبته به الطبيعة ليكون أفضل درجة من المرأة . فإذا حدث أن اعترضت طريق الرجل في حياته العملية أو الفنية امرأة تأثر بها في عمله وتفكيره ، وبدأ يشعر بسلطانها عليه هاله أن يري نفسه مغلوباً على أمره . وكان ذلك سببا في أن تظهر عليه أعراض النفور من المرأة والابتعاد عن دائرتها . ويستطرد المؤلف فيقول : إن الرجولة أرفع قدرا من الأنوثة . والرجل أقوي إرادة وأحد

ذهنا من المرأة . فاذا وقع الرجل تحت تأثير المرأة وهذه منزلته منها راعه أن يري نفسه خاضعا لها . وركن إلي الفرار من هذا الموقف باعلان خصومته لها ونفوره منها وإعلانه عنها أنها " مخلوق تافه " لا خير فيه ولا غناء عنده . . ولكن من الناس من إذا وقع تحت هذا التأثير عينه ذهب إلي النقيض الآخر ، فالتمس " التعويض " في السيطرة علي جميع النساء ، بأن يتخذ فيهن سيرة " الدون جوان ". ومن الواضح انه لا سبيل للرجل كما يظهر تفوقه على المرأة إلا بسلوك أحد هذين الطريقين . فإما التعالى عليها بمقاطعتها والزراية بها ، وإما السيطرة فوقها بالحصول عليها وإني أرجو أن لا يسوء هذا التفسير صديقنا الكبير ، فان علم النفس الحديث ما يزال في أطواره الأولى . وعماده عند اصحابه ما يقع لهم من المشاهدات . والقاعدة التي يقررها أحدهم قد يسارع إلي نقضها زعيم آخر من زعماء هذا الميدان .

والخلاصة التي نسمى لاثباتها في هذا المقال أن الرجل مهما أوتى من المزايا لا يخلو من عيب كامن قد لا يحسه أحد من الناس سواه . ولكنه مع ذلك يؤذيه أن يرى في نفسه هذا النقص فيعمد إلي إخفائه والتغطية عليه ، مدفوعاً إلى ذلك بغريزته الفطرية في أن يعيش محترماً قوياً . وتسمى هذه العملية في علم النفس الحديث بعملية " التعويض " - Compensation

وهذا الكلام وإن كان من مقررات هذا العلم الحديث غير أنه ليس من مبتكراته . فان الناس يعرفون هذه الحقيقة منذ أقدم العصور . وأمثالنا العربية طافحة بهذا المعنى . وأقربها إلي الذهن ما يقول : " كل ذي عاهة جبار " . ومن الطبيعي للرجل ذي العاهة أن لا يترك نفسه سخرية بين الناس بسبب عاهته ، فهو - بدافع من طبيعته - ينسج حول هذه العاهة هالة من الهالات

التي يكبرها الناس ، كما تصنع الصدفة حين تفرز اللؤلؤة حول ما وقع في جسمها اللين من قذي البحر .    بل إن من الأمثال العامية عندنا ما يعبر عن هذا المعنى في صورة ساذجة ، وبعبار قد تخلو من اللياقة الأدبية ، ولكنها لا تقل عن غيرها قوة في تقريرها للواقع . فكثيرا ما نسمع على لسان العامة قولهم مثلا : " يا وحشة كونى نفشة " وإنك لتجد حقا أن أقل النساء حظا من الجمال هن أكثرهن اعتداوا بأنوثهن وأشدهن ميلا إلي المغازلة . وعلي العكس من ذلك ما يطرأ على الرجل الذي انهزمت نفسه تحت تأثير شهوات جسمه ، فأنه يلتمس " التعويض " عادة في الصلاة والعبادة ، يحاول أن يغرق هموم نفسه في ممارستها . وكم من لحية أرخاها صاحبها ، فحملها الناس على أنها آية من آيات الهداية ، وعلامة من علامات التقى ، وهي في الواقع ليست إلا محاولة من صاحبها في سبيل تعويض ما يحسه في قرارة نفسه من نقص

ولسنا نريد أن نبحث الآن في هل يتخذ الرجل هذه المظاهر أحاييل يوقع بها فرائسه في أشراكه ، أو أنه إنما يحاول بها أن يعيد التوازن إلي قواه النفسية حين يرى أنه أفرط في قسوته ، فيعمل على تدارك هذا الخلل بلحية طويلة يرخيها ، أو عمامة ثقيلة يتواري تحتها ، أو ببضع ركعات وسجدات يلقي بها في الكفة الآخرى من ميزانه ، حتى لا يبدو للناس مائلا إلى أحد جنبيه . وكل الذي يعنينا هنا أن نسجل هذه الظاهرة النفسية على أنها من بين " التعويضات " التي يتوسل بها من يصابون في قرارة نفوسهم بهذا النقص .

ولعل من المشاهدات التي لا يصح أن يغفل الانسان عن إثباتها وهو يخوض هذا الحديث ، أن الرجل الأحدب الذي شوهته حدبته كثيرا ما يكون من أشد الناس عناية

بهندامه ، وأكثرهم تأنقا في ملبسه ، كأنما يصيح بمن براه أن لا تؤاخذنى بما قصرت فيه الطبيعة معى ولكن هذا هندامى ، وهو من صنعى وحدى ، فهل تراه إلا جديرا بالاستحسان والاعجاب ؟

ولقد كان شاعر الانجليز ( بيرون ) يشكو عرجا  في إحدى رجليه ، ولذلك لم يكن يكف عن التحدث عن  جمال وجهه ، كما كان " نيتشه " مريضا هزيلا يصرخ من الآلام التي كانت تمزق رأسه ، ومع ذلك فإنه كان أكبر  داهية عرفه العالم يدعو إلى تمجيد القوة وتأليه الأقوياء .  وما لنا نذهب بعيداً ، فنستشهد بشعراء الانجليز  وفلاسفة الألمان، وهذه " دواويننا " هل ترى فيها  رئيسا متغطرسا يحكم موظفيه بقسوة معاملته و وقاحة  صلفه إلا كان ذلك لتغطية ما يحسه عند نفسه من النقص  بسبب جهله في عمله ، أو عدم عفته في معاملاته ؟ إن  الطبيعة التي خلعت على العقرب زباناها ، وعلى الثور قرنيه ،  لا تجد مع هؤلاء الناس وسيلة أنفع لهم مما تغدقه عليهم من صفات العجرفة الفارغة والنفخة الكاذبة :

وأخيرا أود أن أختم هذه الكلمة - كما بدأتها - بمشاهدة مستمدة من دور المحاكم ، حتى نعود بذلك إلى الدائرة التي اعتدنا أن نحصر كلامنا فيها ...

فقد ظلت حوادث التصادم التي تقع بين بعض القضاة وبين المحامين أثناء العمل موضع بحث الباحثين والراغبين في الاصلاح ، حتى اهتدوا أخيرا بالأستقراء إلي أن معظم هذه الحوادث لم تقع إلا مع قضاة كان أصلهم من المحامين ، فكان وهمهم يخيل إليهم ، وهم في منصة القضاه ، أن كل محام يتكلم أمامهم إنما يرمي إلي التعريض بهم - فهو إذا ألح مثلا في طلب تأجيل قضية مدفوعا إلي ذلك بعامل المصلحة التي يجدها موكله في هذا الطلب ، فسر القاضي إلحاحه بأنه إنما يريد أن يملى إرادته عليه ، غير معترف

بسلطته التى امتاز بها بعد جلوسه على كرسى الحكم ... وإذا استعمل القاضى حقه عند التصرف في قضية على وجه ما ، وكان هذا الوجه لا يتفق مع مصلحة المحامى ، فسر المحامي منه ذلك بأنه لم يعمد إلي هذا التصرف إلا تعاليا عليه ، وتحكما فيه ، وتباهيا بسلطان مركزه . وليس يخفى أن العلاقات إذا انتهت بين طائفتين من الناس إلي مثل هذه الحال من التفاهم السيء كانت كل إشارة منهم تحديا . وكل عبارة تعريضاً ، وحل التأويل الفاسد محل الفهم الصحيح والقصد السليم ، وفسدت العلاقات بين الفريقين ...

وإن جاز لي أن أبدي رأيا في هذه الحال فاني أري أن الخطأ الجسيم في أمثال هذه المواقف إنما يقع في جانب القاضي ، لأنه في مجلسه أسلم عاقبة و أحصن موقفاً ، وأقل تأثراً بما يقع من العدوان ، وأقدر على الصفح ما دام أقدر على العقوبة .

وقد نعود قريبا فنتوسع في هذا المعنى . ونخصص له كلمة نوفيه بها حقه ، حتى لا تكون قد خرجنا عن موضوع هذا المقال .

اشترك في نشرتنا البريدية