الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 106الرجوع إلى "الثقافة"

تغذية الفلاح وعلاقتها بالديدان الطفيلية التى تصيبه

Share

استرعت حالة الأطفال فى معاهد التعليم المختلفة انتباه الرأى العام المصرى بما نشر عن حالتهم الصحية ، وسوء تغذيتهم وهزالهم ؛ حتى قامت بعض الهيئات بتنظيم الحفلات لجمع التبرعات وصرفها فى تغذية هؤلاء الأطفال ، ولم تلبث هذه الحركه أن تلاشت ككثير غيرها فى مصر .

وهذه الحالة السيئة من جهة التغذية ليست مقصورة على أطفال الفلاحين ، فالكبار أيضاً فى كثير من جهات مصر تظهر عليهم علامات نقص التغذية ، ولا يسلم العمال المصريون وأطفالهم من ذلك أيضاً .

ومسألة التغذية مسألة معقدة لها وجوهها المختلفة . فلها وجهة اقتصادية تتعلق بمقدار كسب الفرد ، وكفاية هذا الكسب أو عدم كفايته لسد مطالب الحياة المختلفة للعائلات الكبيرة العدد ، وهى تتأثر بمقدار ما يصرف

من الدخل على التغذية . وكثيراً ما يصرف معظم الدخل على حفظ المظهر الخارجى للأفراد على حساب ما يلزم لتغذينهم ؛ والتغذية تتأثر أيضاً بحسن أو سوء الاختيار لمواد الغذاء ، فالكثيرون ينقصهم معرفة أرخص المواد الغذائية ثمناً مع أفضليتها لسد حاجات الجسم .

كل هذه وغيرها أمور لها أهمية كبيرة فى حالة الشعب الغذائية . أضف إلي ذلك قلة المعلومات التى يمكن الاعتماد عليها في تقدير القيمة الغذائية لمختلف الأطعمة الشعبية فى مصر ، ومن حسن الحظ أنه بدئ أخيراً في دراسة هذا الموضوع الأخير . وإننى سوف لا أتعرض لهذه الوجوه المختلفة من مشكلة التغذية ، وسأقصر كلامي فقط على أثر الديدان الطفيلية المنتشرة عدواها فى مصر على تغذية الشعب المصري .

وعلاقة عدوى الطفيليات بالتغذية قد عرفت من زمان بعيد ؛ فقد ذكر ابن سينا فى كتابه القانون فى الطب منذ تسعة قرون أن المصابين بالدودة الوحيدة يشكون دائماً من جوع كلى ، فهم يقبلون على الطعام بشهية كبيرة ، يستوعبون منه مقداراً كبيراً ، وذلك غير مقصور على عدوى الدودة الوحيدة ، فالأمهات المصريات كثيراً ما يقدمن اطفالهن للطبيب قائلات إن الطفل يأكل كثيراً ، ولكن لا يظهر لهذا الأكل أثر فى نمو جسمه و يتبين عند الفحص أن الطفل يأوى الكثير من ثعابين البطن ( الاسكارس ) في أمعائه .

وقد تنبه قدماء المصريين لعلاقة أخرى بين الطفيليات وتغذية الفرد ؛ فقد جاء فى ورقة البردى الطبية الشهيرة  Ebers Papyrus أن العدوي بالديدان تسبب بطأ فى نمو الجسم وتأخيرًا فى الوصول إلي سن البلوغ .

وما شوهذ على الانسان يشاهد أيضاً على مختلف أنواع الحيوان فى مصر ، بل إن الحيوانات أسوأ حالا منه ؛ فالمواشى المصرية والأغنام والدواب تأكل كثيراً ولا يظهر أثر ذلك عليها ، فهى على حال سيئة من الضعف والهزال ؛ ولا غرابة فى ذلك ، فكثير منها يأوى فى أمعائه آلافاً من الديدان التى تمتص غذاءه ولا تترك للحيوان إلا القليل مما يأكله ليمتص من الأمعاء ويستخدمه الحيوان فعلاً .

ولنأخذ مثلا ديدان الاسكارس ( ثعابين البطن ) فهى ديدان يبلغ طول الواحد منها ربع متر ، ويوجد منها عادة فى أمعاء المصاب بضع عشرات ، وقد تبلغ فى حالات قليلة عدداً كبيراً ؟ فهناك طفل من قليوب خرج منه بعد العلاج ٢٥٣ دودة من الاسكارس محفوظة فى متحف كلية الطب . فلنتصور طفلا يأوى ٥٠ دودة ، وهذا ليس بالعدد الكبير ، يأكل طعامه العادي الذى لا يكاد يهضم حتى تلتهمه هذه الديدان الواقفة للغذاء بالمرصاد . وإذا علمنا أن كل أنثى من هذه الديدان تضع فى اليوم الواحد ٢٠٠.٠٠٠ بويضة وهى

تزود كل بويضة بمقدار من المخ لغذاء جنينها داخل البويضة حتى يبلغ أشدة ، وإذا علمنا أن المخ هو من أدسم مواد الغذاء وأغناها ، لأمكننا أن نتصور المقدار الكبير من الغذاء الذى تمتصه الاسكارس من أمعاء الطفل المصاب بها ، وأنها لا تترك له إلا القليل لينتفع به ، ولعلمنا لم يأكل الطفل كثيراً ولم تشكو الأمهات من أن هذا الأكل الكثير لا يظهر له أثر فى نمو الطفل .

وهذا هو الحال أيضا فى الدودة الوحيدة التى تبلغ سبعة أمتار طولا وتبلغ عقدها ألفاً كل منها كانها حيوان مستقل من الوجهة التناسلية ، تخزن العدد الكبير من البويضات ، وتحتاج لكميات كبيرة من الغذاء تزود بها أجنتها ، وعلى ذلك فليس هناك غرابة فى أن المصاب بها يشعر بجوع مستمر كجوع الكلاب كما ذكر ان سينا .

وهذا هو الحال أيضاً فى عدوى ديدان الانكلستوما التي تضع انثاها ٢٠.٠٠٠ بويضة كل يوم . وتمتاز ديدان الانكلستوما عن الديدان الأخرى بإفرازها سما يحدث فقر الدم ، ويذهب بقوى الفرد البدنية ويضعف حدة ذكائه . أما البلهارسيا المعوية فتؤثر على التغذية باتلافها جدران الأمعاء الغليظة فتعوق امتصاص الغذاء وتفتح لمختلف الميكروبات طريقاً للدخول إلي الجسم .

وهذه الطفيليات المختلفة لا تنتشر بنسبة واحدة فى أنحاء القطر المصرى فهى أكثر انتشاراً فى الوجه البحرى منها فى مصر الوسطى ، وهي نادرة الوجود فى مصر العليا ، أي مديريات جرجا وقنا وأسوان . وذلك يرجع إلى انتشار الرى بالراحة و كثرة نوع الرى وارتفاع مستوى الماء فى باطن الأرض ورطوبة التربة .

فبفحص سكان قرية صفط العنب فى مركز كوم حماده تبين أن ٩٦% منهم مصابون بعدوى الطفيليات ، بينما تبين بفحص سكان قرية السباعية بمديرية اسوان

سنة ١٩٣٣ أيام ريها ريا حوضيا أن بها صفرا % مصابا بعدوى الطفيليات . ولكن بعد إدخال الري الصيفي إليها بواسطة الطلمبات صارت عدوى البلهارسيا بها ٤٤ %

وانتشار عدوي الطفيليات له أثر محسوس فى حالة التغذية ، ولكن كثيراً من الباحثين قد أغفلوها عند دراستهم هذا الموضوع . فمتوسط كسب الفلاح فى أراضى الدلتا يفوق كثيراً ما يكسبه زميله فى مديريات جرجا وقنا واسوان ؛ وكمية الغداء التي يتناولها الفرد فى الوجه البحرى أكثر وأسخي ومتنوعة إذا قورنت بما يأكله الأفراد من نفس الطبقة فى المديريات الجنوبية ، وهم الذين تنتج أراضيهم محصولاً واحداً فى السنة عقب فيضان النيل ، ثم تستمر جرداء معرضة للشمس المحرقة باقي العام إلي أن تغمرها مياه الفيضان فى العام التالي .

إن أصحاب الأملاك فى هذه المديريات الجنوبية متذمرون من هذه الحالة ، ويطالبون الحكومة دائماً بتحويل أرضهم من رى حياض إلى رى مستديم ليزيد دخلهم . ولكننا إذا قارنا صحة سكان هذه المناطق الجنوبية بصحة سكان الدلتا لوجدناهم أحسن المصريين صحة وأقواهم عضلاً وأطولهم أعماراً ؛ فعليهم نعتمد فى الأعمال الشاقة كتعبيد الطرق وإنشاء المباني الضخمة ومد الطرق الحديدية وشق الترع والمصارف حتى فى أنحاء الدلتا نفسها وشحن وتفريع السفن فى الموانى ، فهو هو الصعيدى الذي يحتكر هذه الأعمال ؛ وما ذلك إلا لأن المقاولين قد وجدوا بالخبرة أنه أكثر إنتاجا وأشد قوة من سكان الدلتا . ولو شاهدنا هؤلاء الصعايدة مجتمعين فيما يسمى التراحيل لوجدناهم يعيشون على طعام تافه يحملونه فى أكياس من الخيش يكون معظمه من الخبز الجاف الصنوع من الأذرة والشعير وقليل جداً من الادام مما يجدونه فى المزارع فى الأماكن التى يشتغلون بها .

ومرض البلاجرا - وهو أهم مظهر لنقص التغذية فى مصر - لا أثر له فى مديريات الوجه القبلي الجنوبية ، ومعظم حالاته فى ريف الوجه البحرى ، حيث وجد فى بعض القرى أن نسباً عالية من السكان مصابون به ، وهذا المرض يسبب طفحاً جلديا فى الأجزاء الظاهرة من الجسم التى لا تغطيها الملابس ؛ وهى الوجه والرقبة والصدر خارج حدود الجلباب ، وكذلك اليدان عند نهاية الأكمام والقدمان ؛ وهذا الطفح يسميه الفلاح القشف ، هذا المرض هو الذى يعتمد عليه الباحثون فى تقرير نقص التغذية وتحديد مناطقها فى مصر ، وقد وجد أن الطفيليات موجودة بكثرة فى الأفراد المصابين بهذا المرض ، حتى إن بعض الباحثين قد قرر أن البلاجرا فى مصر نتيجة لعدوي الديدان ، واعتبر الطفيليات كسبب مباشر للمرض ، فأثناء الحرب الماضية تفشي مرض البلاجرا بين أسرى الأتراك فى المعادى ولا توجد البلاجرا فى بلادهم الأصلية . وانتهى الباحثون إلي أن السبب فى تفشى المرض هو عدوى الأسكارس التي انتشرت بين الأسرى . وقد وصل بعض الباحثين المصريين إلي أن البلاجرا فى مديرية البحيرة سببها العدوى بالبلهارسيا المعوية . ولكن المتفق عليه الآن هو أن الطفيليات تسلب الناس غذاءهم أو تعطل امتصاص الغذاء من الأمعاء فتسبب البلاجرا . فليست العبرة بكمية الغذاء التي يتناولها الشخص بل بكمية الغذاء التي تمتص نهائياً من أمعائه ويستعملها جسمه . ولا شك فى أن أهالى المديريات الجنوبية يستفيدون الفائدة التامة من كل ما يأكلون ، وعلي تفاهة غذائهم فهو كاف لاحتفاظهم بحيويتهم كاملة ، بينما سكان الوجه البحرى تسلب الطفيليات معظم غذائهم على كثرته فتظهر عليهم علامات وأمراض نقص التغذية .

وللتغلب على هذه الحالة لنا أن نختار بين طريقين :

فاما أن نزيد فى غذاء الأفراد وتلاميذ المدارس حتى يمكننا أن نسد حاجة الطفيليات ويبقى ما يكفى لجسم الشخص ، أو أن نطرد الطفيليات ونعمل على عدم الاصابة مستقبلا فيكفيهم غذاؤهم الحالى .

وقد اتجه الرأي إلى العلاج الأول لأنه لم ينتبه الكثيرون إلى السبب الحقيقى فى نقص التغذية ، وقامت تلك الحركة الكبيرة وجمع المال لاعطاء أطفال المدارس غذاء إضافياً ، ولم تلبث تلك الحركة أن جمدت ويكاد أن لا يكون لها أثر الآن ، بل إننا نسمع أن الظروف الاقتصادية قد قضت بتخفيف كمية الغذاء التى يتناولها الطلبة . ولا شك أن هذا العلاج ليس بالأفضل ؛ فلو عالجنا هؤلاء الأطفال من هذه الديدان - وهذا سهل ميسور - لأصبنا كما يقال عصفورين بحجر واحد ، فشفيناهم من الأمراض التى تنشأ عن عدوى الطفيليات ، وهى مهمة خصوصاً فى بيئات التعليم كالتأخر فى نمو الجسم وبلادة التفكير والذاكرة وكثرة النسيان والأنيميا ؛ وهذه كلها ذات أثر لا يستهان به فى الهبوط بمستوي التعليم ، ويكون نتيجة التخلص من الطفيليات أن يصبح الغذاء الحالى كافياً فى أكثر الحالات .

وفحص الفرد لعدوى الطفيليات وعلاجه منها أمر سهل ميسور ، فمستشفيات البلهارسيا والانكلستوما المنتشرة فى طول البلاد وعرضها تعمل ذلك بدون اجر ؛ وفحص البول والبراز مكرسكوبيا فى أي معمل للتحليل كفيل بمعرفة ما هناك من الديدان الطفيلية . ويجدر بوزارة المعارف أن تعمم نظام فحص التلاميذ جميعاً للوقوف على ما يهم من عدوى الطفيليات وعلاجهم منها . وسترى إن فعلت أن ما سينتجه ذلك من رفع مستوى التعليم يعوضها أضعافاً لما انفقته فى سبيل الفحص والعلاج . فقد حدث أن بعض الأطباء زار مدرسة فى مكان ناء فى كينيا ، وفحص جميع

التلاميذ للطفيليات وعالج المصابين منهم ، وكان يشرف على المدرسة جماعة من الأرساليات الدينية ، فلاحظوا أن أكثر التلاميذ الكسالى والتلاميذ المشاغبين والذين يتكرر سقوطهم فى الامتحان مصابون بالانكلستوما ، وقد تحسنت حالتهم بعد العلاج بشكل ظاهر ، فاتبعوا خطة علاج جميع الراسبين بعد كل امتحان بدون فحصهم طبياً لتعذر ذلك فى مكانهم النائى وكانت النتائج طيبة جداً فى اصلاح حال التلاميذ .

فيجدر بكل والد أن يعمل على فحص أبنائه دورياً لعدوى الطفيليات وعلاجهم منها ، خصوصاً إن شاهد على أحدهم سرعة نسيان ما يحفظه من الدروس أو عدم القدرة على المذاكرة طويلا ، أو إذا شاهد المعلم عدم قدرته على الإصغاء والانتباه طول وقت الدرس ، فقد يكون الفحص وعلاج الطفل فى ذلك الوقت له أثره البالغ فى تحسين مستقبل حياة الطفل بل وتحويله من فشل محقق إلى نجاح تام .

اشترك في نشرتنا البريدية