الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 185الرجوع إلى "الرسالة"

تفاقم المشكلة الأسبانية، ألمانيا تكرر محاولة أغادير

Share

يظهر أن أخطار المشكلة الاسبانية لن تقف حد ؛ فقد بدأت الثورة الاسبانية فى أواخر يوليه الماضى حربا أهلية , ولكن عوامل التدخل الدولية التى صحبتها منذ قيامها لم تلبث أن غلبت على صفتها المحلية الداخلية , فهى اليوم حرب دولية فى الأراضى . الاسبانية , يستتر فيها فريق الدول الفاشتية وراء الجنرال فرانكو زعيم الثورة , وتستتر الدول الديموقراطية وراء حكومة مدريد ؛وقد كان هذا الاستهتارشفافا فى البداية يتم على حركات الدول المختلفة ؛ ولكنه يفصح اليوم عن كل شىء بجلاء وتبدو الدول المتدخلة ولاسيما المانيا وإيطاليا والسوقييت فى الميدان بكل جرأة ؛ وتتقاطر الأسلحة والذخائر والنجدات الأجنبية إلى الفريقين المحاربين بلا انقطاع

فهذه الصورة الدولية التى أسبغها التدخل الأجنبى على الحرب الأهلية الاسبانية تغدو اليوم بالنسبة لأوربا بركانا يضطرم .مختلف المفاجآت والأخطار ؛ وقد كان آخر طور من اطوارها الخطرة تفاقم التدخل الألمانى وظهور المانيا في سياستها الاسبانية بمظهر تزعج الدول الغربية ويثير كل مخاوفها . ذلك انها لم تكتف بارسال السلاح والذخيرة والمتطوعين إلى جبهة الثورة , ولكنها بعثت بقسم من أسطولها إلى المياه الاسبانية الشمالية وأخذت سفنها الحربية تعتدى تباعا على السفن الاسبانية الجمهورية بحجة الانتقام لحادث الباخرة " بالوس ؛" وفى الانباء الأخيرة أن قوة عسكرية ألمانية نزلت فى مراكش الاسبانية , وأنه شرع في بناء الثكنات اللازمة لآبوائها مما يدل على انها ستمكث هناك طويلا ؛ وأن قوات أخرى نزلت فى قادس لنجدة الجبهة الثورية

وقد كان تدخل إيطاليا وألمانيا فى الحرب الاسبانية على هذا النحو تزعج الدول الغربية منذ البداية ؛ بيد انه يلوح لنا أن السياسةالايطالية أخذت على أثر تفاهمها مع انكلترا تخفف نوعا

من هذا التدخل , وأن الاتفاق الانكليزي الايطالي ( اتفاق الجنتلمان ) على الاعتراف بالحقوق والمصالح المتبادلة فى البحر الأبيض المتوسط , وعلى احترام الحالة الراهنة فيه كان ذا أثر كبير فى تعديل سياسة إيطاليا الاسبانية , وقد ظهر هذا التحول واضحا فى سحب إيطاليا لقواتها من جزيرة ميورقة , ،وفى وقف النجدات التي كانت ترسلها تباعا إلى جبهة الثوار هذا بينما يشتد التدخل الألمانى ويتفاقم , ويمتد من أسبانيا نفسها إلى مراكش الأسبانية ؛ وكان المنتظر أن المجهود الذى تقوم به السياساتان البريطانية والفرنسية لحصر الحوادث الأسبانية فى نطاقها المحلى ودرء أخطارها الدولية يسفر عن بعض النتائج المرضية ، ولكن الدولتان الفاشستيان وهما إيطاليا وألمانيا لجأتا إلى المطل والتسويف فى الرد على هذا المسعى . وكانت المذكرة البريطانية الفرنسية تقترح على الدول ذات الشأن أن تبذل جهودا مشتركا لوقف التدخل الدولى فى شؤون أسبانيا الداخلية , ومنع المعاونات العسكرية عن الفريقين المحاربين , وترك المسألة الأسبانية يحلها الأسبان فيما بينهم وقد أجابت روسيا وهى التى تؤازر حكومة مدريد على هذا الاقتراح بالقبول ولكن إيطاليا وألمانيا وهما اللتان تؤازران فريق الثوار تمهلتا فى الرد حتى تطورت الحوادث الأسبانية على هذا النحو الخطر , واستطاعت ألمانيا أن تمد الثوار بنجدات عسكرية كبيرة وأخيرا قدمت إيطاليا وألمانيا رديهما وهما متحدان فى اللهجة والموضوع , ،وخلاصة رد الدولتين القاشستيتين هو أنه لا محل لاجراء المفاوضات الدبلوماسية للبحث فى هذا الشكل فى حين أن هنالك لجنة خاصة للبحث فى مسألة عدم التدخل , وأن منع المتطوعين الآن معناه معاونة حكومة مدريد التى تؤازرها قوات بلشفية كبيرة , وأن التبعة فى تفاقم التدخل الأجنبى فى أسبانيا ترجع إلى انكلترا وفرنسا لأنهما هما اللتان اعترضتا منذ البداية على اقتراحات ألمانيا فى وجوب منع المتطوعين الأجانب ؛ وتزيد ألمانيا على ذلك أنها ترى بحث المشكلة كلها لا بحث بعض نواحيها فقط , وأنها تحتفظ بحرية العمل إذا لم تقبل وجهة نظرها

ومن الغريب أن ألمانيا تقرن ردها بإرسال نجدات جديدة إلى اسبانيا ,  وبانزال بعض قواتها في مراكش الأسبانية , وإذا كان ظهور الجنود الألمانية فى اسبانيا وفى صفوف الجنرال فراناكو قد أثار مخاوف انكلترا وفرنسا , فان ظهورها فى

.مراكش الأسبانية يضاعف هذه المخاوف ويذكيها , وقد رأينا الوزارة البريطانية تسارع بالاجتماع لبحث المشكلة الأسبانية , ورأينا السياسة الفرنسية , تضطرب لهذا التطور المزعج فى الشؤون الأسبانية . ولكي نقدر خطورة هذا الظرف يجب أن نرتد بالذاكرة إلى حادث مماثل وقع فى ظروف مماثلة , ذلك هو حادث أغادير الشهير الذي كاد يثير ضرام الحرب بين فرنسا وألمانيا فى أغسطس سنة ١٩١١ ظهر فى مياه أغاديرالمراكشية (وأغادير واقعة على المحيط الأطلنطي ) طراد ألمانى , وطلب القيصر فى نفس الوقت " مركزا لألمانيا تحت الشمس " واضطربت فرنسا لهذا الحادث واعتبرته انتهاكا لحقوقها التى كفلتها معاهدة الجزيرة والتي عقدت بين الدول العظمى ومنها ألمانيا , ونصت على أن حفظ النظام فى مراكش هو من شأن فرنسا وأسبانيا وحدها واشتد توتر العلائق بين الدولتين يومئذ ولاح شبح الحرب بينهما فى الأفق ؛ و لم تسحب ألمانيا طلباتها ووعيدها إلا بعد مفاوضات طويلة شاقة , وبعد أن تنازلت لها فرنسا عن بعض أراضيها فى الكونغو ؛ والآن وقد بسطت فرنسا حمايتها على مراكش , ووطدت فيها مركزها وسلطانها , وأضحت جزءا من امبراطوريتها الضخمة فى شمال إفريقية , فانها ترتجف لأقل بادرة تهدد مراكش أو أى جزء آخر من أجزاء هذه الامبراطورية الغنية ؛ وقد كانت فرنسا تتوجس جزعا مذ قامت الثورة الاسبانية , واضطربت شؤون مراكش الاسبانية التي تحد أملاكها من الشمال , وأضحت منطقة عسكرية خطرة ؛ فالآن يزيد جزعها وتتضاعف مخاوفها إذ ترى الجنود الألمان ينزلون فى هذه المنطقة ويعسكرون فى مليله على مقربة من الحماية المراكشية

وهنالك ما يدل على ان هذا الحادث يشبه حادث اغادير من كل الوجوه . ذلك ان المانيا اتارث حادث اغادير لأطماع  استعمارية , واستغلته لأرضاء هذه المطامع , وهي الآن تعيد الكرة , وتجيش بنفس الأطماع . وليس من المصادفات أن تنزل الجنود الالمانية فى مراكش الاسبانية فى نفس الوقت الذى  تقدم فيه ألمانيا مطالبها الاستعمارية إلى فرنسا وانكلترا بصورة رسمية . وقد كانت المانيا تروج لمطامعها الاستعمارية منذ أشهر وينادى بها زعماء المانيا المسؤولون في شدة وصراحة , وقد أجابت فرنسا وانكلترا غير مرة على لسان ساستها وصحفها أنهما لا تفكران فى النزول عن شبر من الأرض لألمانيا , ولكن

ألمانيا لم تنتن عن ندائها ومطالبها ومنذ أسابيع قلائل كان وزير الاقتصاد الالماني الدكتور شاخت يكرر هذه المطالبة بعنف وشدة ويصرح بان استعادة المانيا لمستعمراتها لم يبق مسألة كرامة فقط , وإنما اضحي ضرورة اقتصادية ترزح المانيا تحت عواملها المرهقة , وينذر أوربا بالانفجار إذا لم تعط ألمانيا حقها من المستعمرات والمواد الخام ؛ ثم اتخذت المانيا بعد ذلك خطوتها الرسمية الاخيرة بتقديم مطالبها الخاصة بالمستعمرات إلى فرنسا وانكلترا , مقرونة بمناوراتها البحرية فى المياه الاسبانية الشمالية , ويمناوراتها العسكرية فى شمال مراكش

فهل تزمع المانيا أن تستغل هذه المظاهرات العسكرية لتحقيق مطامعها الاستعمارية ؟ هذا ما نعتقد ؛ ولقد جرت المانيا النازية فى العهد الأخير على سياسة المجازفة والوعيد والتظاهر , وجنت ثمار هذه السياسة فى نقض ميثاق لوكارنو , وفى تسليح منطقة الرين الحرام , وفى غيرهما , واستطاعت أن نتوقع بسياستها الخلاف فى صفوف الحلفاء السابقين , واضطرت فرنسا أن تسلم بالأمر الواقع فى هذه المسائل مع انها مما يمس سلامتها ، فهل تنى فرنسا أمام الوعيد والتظاهر مرة أخرى ؟ هذا ما لا نعتقد ؛ ففرنسا تنظر الى أعمال المانيا ومشاريعها فى أسبانيا وشمال إفريقيا .بمنتهى التوجس ؛ وألمانيا تصيب هنا نقطة حساسة جدا فى السياسة الفرنسية , وقد ظهر اهتمام فرنسا واضحا فى ذهاب وزير حربيتها الى شمال أفريقية ليتفقد أعمال الدفاع , وفى حركات أسطولها حيث تجتمع وحدات كبيرة منه على مقربة من المياه الاسبانية , وقد بادرت فرنسا بالاحتجاج لدى حكومة بورجوس على السماح للجنود الالمانية بالنزول فى مراكش طبقا لما تنص عليه معاهدة الجزيرة من تحريم مثل هذا الاجراء ومن المحقق أن فرنسا لن تتساهل على الاطلاق فى مشاريع المانيا فى هذه الناحية خصوصا ان مراكش الاسبانية تقع وسط إمبراطوريتها الافريقية كما أنها تشرف من جهة البحر على طريق فرنسا الامبراطوري وانكلترا لا تستطيع مثل فرنسا أن تتسامح فى وجود الجنود الألمان فى هذه المنطقة على مقربة من ثغر سبته المواجهةجبل طارق والذى يعتبر أهم من جبل طارق ذاته بالنسبة للاشراف على مدخل البحر الأبيض المتوسط , وقد بدأت انجلترا مثل فرنسا فى حشد جانب كبير من أسطولها على مقربة من المياه الاسبانية ؛ قالسياستان البريطانية والفرنسية بجمعهما هنا سياسة موحدة ,

وتحدوهما الى العمل المشترك بواعث مشتركة لا شك فى خطورتها والمعروف ان ألمانيا منذ قيام الحرب الأهلية ترنو إلى استغلال هذه الأزمة الأوربية الجديدة لصالحها الخاصة , وأنها تحوم حول مراكش الاسبانية وجزر الكنارى , كما أن إيطاليا كانت تحوم حول جزائر البليار , ولكن إيطاليا انتهت إلى إدراك الحقائق الواقعة وآثرت أن تتفاهم مع انكلترا , وأخذت فى الواقع تخفف من تدخلها فى المسألة الاسبانية وإن كانت فى الظاهر تبدو مؤيدة خطة ألمانيا . أما ألمانيا فقد اندفعت فى خطتها إلى هذا المدى الذى يثير اليوم أزمة فى منتهى الدقة والخطورة . وفرنسا لا تجهل البواعث التى تدفع ألمانيا إلى مثل هذه المغامرة , وهي تدرك تمام الأدراك أن من ورائها المسألة الاستعمارية برمتها ؛ ولكنها على ما يفهم من تعليقات صحفها لا تنوي أن تنزل فى هذا الوطن على وعيد ألمانيا ورغباتها ؛ وكل ما هنالك أنها لا تأبى أن تبحث المسألة الاستعمارية على ضوء جديد , وأنها لا ترى مانعا من تحقيق بعض رغبات ألمانيا فى هذا السبيل إذا كانت ألمانيا تتعهد من جانبها بأن تقف عند هذا الحد من تحقيق مطامعها , وأن تعود الي حظيرة الدول الغربية لتعمل معها على تأييد السلام الأوروبي ! ويقتضي ذلك أن تخفف ألمانيا من حدتها العسكرية , وأن تعمل مع الدول الأخرى على تخفيض سلاحها أما إذا كان قصد ألمانيا من الاستيلاء على المستعمرات هو بالعكس استثمارها لتوسيع مشاريعها العسكرية , فأن فرنسا تعارض كل المعارضة فى استيلاء ألمانيا على شبر من الأرض يعاونها على تحقيق هذه الغاية . هذه النظرية الفرنسية كما تعرضها الصحف الفرنسية ؛ أما انكلترا فلم يتضح موقفها بعد فى هذه المسألة تماما , وإن كان ساستها المسؤولون قد أكدوا غير مرة أنها لن تتنازل عن شىء من مستعمراتها

ومن المحقق ان تطور هذه الازمة الجديدة يتوقف إلى حد كبير على تطور الحوادث الاسبانية ذاتها , وعلى نتائج المعارك التي تضطرم حول مدريد ؛ فاذا كتب الفوز للثوار , فان المانيا تزداد إصرار فى سياستها ومشاريعها , وإذا كان الأمر بالعكس , فمن المحقق أن هذه المغامرة الألمانية تنهار فى مهدها

وسنرى من جهة أخرى ماذا تستطيع الجهود السياسية ان تحقق فى هذا السبيل

اشترك في نشرتنا البريدية