الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 323الرجوع إلى "الرسالة"

تفسير المنار لآيات الربا وعمل المصارف

Share

من العجيب الغريب أن يتهم السيد صاحب المنار   (رحمه الله  تعالى)  بتحليل ما حرم الله من الربا، وما أثرناه عنه من مفاسد  الربا ومضاره، هو قليل من كثير مما كتبه في تفسيره ومناره،  وآخره ما جاء في المجلد الرابع والثلاثين من المنار وهو ختامها،  فقد سئل عن أخذ الربا من البنوك لإنفاقه على الفقراء، فقال:  من المعلوم من الدين بالضرورة أن الربا القطعي لا يجوز أخذه  للتصدق به ولا لغيره، لأن التقرب إلى الله لا يكون بما حرمه  الله، فان هذا تناقض بديهي البطلان، ولكن لاستغلال المال  في الشركات المالية من المصارف وغيرها أعمالاً ليست من الحرام  القطعي قد بيناها من قبل، وسيكون كتابنا الذي وعدنا بإكماله  خير مفصل لها إن شاء الله تعالى. وقد نقل عن ابن جرير ما قاله  أئمة التفسير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الفرق بين هذا  الربا الجاهلي المحرم لذاته، وربا الفضل المحرم لغيره، وتقدم بيان  ذلك. أما الكتاب الذي وعد بإكماله ونشره   (رحمه الله)  فهو

في مباحث الربا والأحكام المالية التي اشتدت الحاجة إليها في هذا  العصر، وفي الأصول والقواعد العامة للحلال والحرام، وقد رأى  أن جمهور المسلمين في حرج شديد من هذه المعاملات المالية  العصرية، وكلهم يتمنون لو يجدون لهم مخرجاً منه مع المحافظة  على دينهم فنعى على الذين توسعوا باجتهادهم في أحكام المعاملات المالية  حتى أدخلوا في معنى الربا كثيراً من صور البيوع والقروض  والشركات التي لا تدخل في ربا القرآن الأصلي (النسيئة)،  ولا في ربا الحديث الاحتياطي من باب ولا منفذ إلا بالتأويلات  المستنبطة من التعاريف والأقيسة والضوابط المذهبية الاجتهادية  كما قال. وليت هذا الكتاب تم وأخرج للناس قبل وفاته ليرى  الناس سبل النجاة من هذا التخبط والاضطراب

اولقد علمنا الآن من هذه الأقوال اليسيرة التي أثرناها عنه  أن غرضه الأول أن يجتنب المسلمون الربا الذي حرمه الله ورسوله،  وأن تجري بيوع المسلمين وقروضهم وشركاتهم على نحو ما سارت  عليه في خير عصور هذه الملة وأهداها، مع وضع حدود وضوابط  للاضطرار وللحاجة إلى المحظور في القواعد المستنبطة من الأدلة  كقاعدة اليسر ورفع الحرج والعسر، وككون الضرورات  تبيح المحظورات، وكون المحظور لسد الذريعة يباح للحاجة إليه،  ولرجحان المصلحة على المفسدة، ولم يقدر هو ضرورة الأفراد  ولا حاجتهم، بل وكل أهل البصيرة منهم إلى معرفتهم بأنفسهم      (قال)  : وإنما المشكل تحديد ضرورة الأمة أو حاجتها فهو الذي  فيه التنازع. وعندي أنه ليس لفرد من الأفراد أن يستقل بذلك  وإنما يرد هذا الأمر إلى أولي الأمر من الأمة، أي أصحاب  الرأي والشأن فيها والعلم بمصالحها عملاً بقوله تعالى في مثله من  الأمور العامة   (٤: ٨٣ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر  منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) ،     (قال)  : فالرأي عندي  أن يجتمع أولو الأمر من مسلمي هذه البلاد   (بلاد مصر)   وهم كبار العلماء المدرسين والقضاة ورجال الشورى والمهندسون  والأطباء وكبار المزارعين والتجار ويتشاوروا بينهم في المسألة ثم يكون  العمل بما يقررون أنه قد مست إليه الضرورة أو ألجأت إليه حاجة  الأمة. فقوله: وإنما المشكل تحديد ضرورة الأمة أو حاجتها وقوله:  عندي أنه ليس لفرد من الأفراد أن يستقل بذلك وإنما يرد مثل  هذا الأمر إلى أولي الأمر من الامة، هو فى معنى فول الأخ  الطنطاوي: وهي التي لا وجه لها عندي، فما هو قول علمائنا الأعلام؟

فهذا علم الأعلام لم يجزم بشيء، بل صرح بأن أولي الأمر من  المسلمين - وهم أصناف الأمة الذين ذكرهم مجتمعين - هم الذين  يقدرون ضرورتها. فأين قول المفتاتين بأنه أباح الربا هو وشيخه  الشيخ محمد عبده؟ وإنما تكلم عن مسلمي مصر لأن البحث فيهم.

ولو كان الكلام عن ضرورة الإسلام لصرح بوجوب اجتماع  أو إجماع أولي الأمر من المسلمين في أقطار الأرض على تحديد  ضرورة الأمة. إذاً فمرد الأمر إلى   (المفكرين)  من علماء المسلمين  كما قال الأستاذ الطنطاوي ليبحثوا في وسائل هذا الأمر ومقاصده  ويبنوا المعاملات المالية على أسس الإسلام الصالحة لكل زمان  ومكان، والتي يستبين معها للموافق والمخالف أن قواعد الاقتصاد  في الإسلام هي أبر ببني الإنسان، وأحق بتثبيت دعائم الحضارة  والعمران

اشترك في نشرتنا البريدية