الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 383الرجوع إلى "الرسالة"

تفسير بيتين

Share

طلب الأديب " ع . ا . سعد " إلى الأستاذ ناجي الطنطاوى أن يفسر له البيتين :

" بذكر الله تزداد الذنوب                ومحتجب البصائر والقلوب

وترك الذكر افضل منه ( حالا )          فإن الشمس ليس لها غروب

هي خلوة أقترب فيها من نفسي بعض الاقتراب، وأشعر  بمواجهة اللهب المقدس الذي يمن به الله على أحد الأرواح في  إحدى الأحايين، وأسمع صرير القلم بلهفة وشوق، لأن كتاباتي لها في أذني وقع، وفي قلبي وقع، وما خططت حرفاً  إلا وأنا مشغوف بتصرف ما يتسامى إليه من ألحان وأغاريد،  ولو شئت لقلت إن طاعة القلم هي التي تجذبني إليه، فهو لا يصدر  إلا عن أمري ولا يصدح إلا بما أشاء، وهو لا يخطئ حين  يخطئ إلا وهو مؤمن بأن أخطائي أصدق وأجمل من الحق  ومن الصواب

فمن كان في صدره عتاب أو ملام لانصرافي عن محضره  الأنيس فليذكر هذا القول، فأنا لا أصادق من يتوهم أني رجل  يخطئ كما يصيب، وإنما أصادق من يعتقد اعتقادا جازماً  بأن العيب حين يقع مني هو الغرة في هلال شوال. وهل كانت لي  عيوب إلا في أوهام الذين أبنيهم ليهدموني؟ جزى الله بعض  الزملاء   (خير)  الجزاء!

وماذا نصنع إذا التقينا يا شقية، يا شقية؟ سيهمك أن تعرفي الفرق بين زكي مبارك المؤلف وزكي  مبارك المحدث     (؟!)

وسيهمني أن أعرف الفرق بين الفتاة التي تكتب إلي من  بعد والفتاة التي أراها من قرب     (؟!)

وعندئذ آثم وتأثمين، لأن شريعة الحب تبغض هذا الفضول ألم تقولي في إحدى رسائلك إني أصانع فلاناً وأتوسل  إلى فلان؟

وأين كان التوسل والتصنع وقد صبرت على الحرمان من  وجهك الجميل أكثر من عامين؟

وهل حُرمت منك عامين أو شهرين أو يومين أو ساعتين؟ الجواب عند ليلى، فاسأل ليلى، ليلى المريضة في العراق،  اسأليها تخبرك أن صدها عني لم يكن إلا فناً من فنون الوصل،  والصد المقصود ليس قطيعة، وإنما هو آية من آيات العطف،  لا حرمني اللًه تعتب ليلاي هنا وليلاي هناك!

أين أنا مما أريد؟ وهل ترينني أفصحت بما أريد؟ ما نظرت في رسائلك إلي إلا زاغ بصري وطار صوابي؟ فهل من الحق أنك تخافين عواقب التصريح باسمك المكنون؟

أنا لم أجترح معك غير هفوة واحدة يوم استبحت تسجيل  صورة من خطك البديع في الكتاب الذي تعرفين وقد نهيتني  فانتهيت فما تحجبك عن المحب الذي   (أدبتهُ عقوبة  الإنشاء)  فتاب وأناب؟

على أنني راضٍ عما صرنا إليه من الاكتفاء بمصافحة  القلوب، أدام الله عليك نعمة العافية، وجعلك مصباحاً وهاجاً  لبيتك الرفيع، ولا أراني فيك إلا ما أحب، يا زهرة الشباب  في الوطن المحبوب، ويا أصدق شاهد على صحة ما قال قاسم أمين  وهو يُهدي كتاب   (المرأة الجديدة)  إلى سعد زغلول

ثم ماذا؟ ثم كان العطف النبيل في منحى لقب     (أمير البيان)    فهل ترين هذا اللقب على سموه يستوجب الدخول في خصومات  كالتي عاناها شوقي   (أمير الشعراء) ؟

أن لقب     (أمير البيان)   أضيف إلي أول مرة على سبيل  السخرية في إحدى مجلات لبنان، ثم أضيف إلي مرات على سبيل  الإنصاف في بعض الجرائد في مصر والعراق، فماذا ترين أن أصنع  في حراسة هذا اللقب الرفيع؟

أنا أومن يا مولاتي بأنه لا يمكن لأحد أن يكون أكتب  مني، إلا إذا استطاع أن يكون أصدق مني، ومن المستحيل أن  يكون في الدنيا أحد أصدق مني، وهل هان الصدق حتى يكون لي  فيه منافسون من أبناء الزمان؟

الصدق يحتاج إلى تضحيات عظيمة جداً، ومن تلك  التضحيات ما تعرفين وما تجهلين، ولو علمت الغيب يا شقية لعرفت  أن الصدق جرني إلى معاطب ومهالك لا يصبر على محرجاتها  ومؤذياتها إلا من كان في مثل إيماني، وقد صبرت وصبرت حتى  أتهمني الغافلون بالبلادة والجمود، لأنهم لم يعرفوا أن دنيا الأدب  فيها مبادئ تروض أهلها على الترحيب بمكارة الظمأ والجوع،  إن جاز القول بأن اللَه رضي لحظة واحدة بأن أحس مكارة الظمأ  والجوع، ولن أموت إلا مقتولا بنعمة الترف في الطعام والشراب،  فليغفر الله ما أدعية زوراً من الترحيب بكاره الظمأ والجوع،  وهو الغفور التواب

وهل أنسي يا شقية أن الصدق حرمني نشوة الاستصباح  بوجهك الوهاج؟

هل أنسى أن الصدق جعل لأعدائي حججاً دوامغ في مقاومة  مؤلفاتي؟

الصدق في الدنيا غريب، وأنا في الدنيا غريب، والله هو  المسئول عن رعاية الغرباء!

أما بعد، ثم أما بعد، فسأظل إلى الأبد عند ظنك الجميل،  وسأغفر لك التطاول على من حين إلى حين لأني آخر من يتذوق  تجاهل المحبوب لأقدار الحبيب

من نعم الله أن نعيش قلباً إلى قلب، لا جنباً إلى جنب،  فما كان الهوى العذري إلا الروح المكنون في قصيدة الوجود وإلى اللقاء يا شقية في عالم الفكر والوجدان

ولكن متى؟ متى؟ متى؟ وأنت تؤمنين بأن البخل أشرف  خلائق الملاح!

قالوا عشقتَ فقلت كم من فتنة ... لم تغن فيها حكمة الحكماء إن الذي خلق الملاحة لم يشأ ... إلا شقائي في الهوى وبلائي

اشترك في نشرتنا البريدية