الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 288الرجوع إلى "الثقافة"

تفكير الحيوان

Share

تنشر مجلة " المختار " تحت عنوان " حكمة الحيوان " طائفة من الوقائع والمشاهدات في عالم الحيوان ، جمعها الكاتب " ألن ديفو " . والأمثلة التي بدأت بنشرها في عدد أبريل الأخير طريقة حقا ، وعلى شيء من الغرابة التي تدعو للتأمل والتعجب ، كما أن في العنوان الذي اختاره الكاتب وفي مقدمته الموجزة شيئا غير قليل من البراعة والتوفيق ؟ إلا أنني أري أن رد كل ما نشاهده من ضروب الفطنة والذكاء . والإدراك عند الحيوان إلي حكمة غريزية فيه ، لا يمكن إلا بوضع مفهوم جديد للفظة الحكمة " فإن كان لابد من هذا فما أجدر لفظة التفكير- التي يستبعدها الكاتب - باستيعاب تلك الأمثلة كلها، وماذا يضر الإنسان إذا اعترف بأن الحيوان يفكر ! وإن كان تفكيره ليس على النمط الذي حدثنا عنه علماء النفس وخصوه بالإنسان دون سائر الأحياء

لقد شاهدت بنفسي كثيرا من الأمثلة التي تدل علي أن الحيوان غير بعيد عن التفكير ؛ كما أني رأيت أعمالا وحركات في عالم الحيوان غير الناطق ، لا يقوم بها كائن حي إلا بدافع غريزي ينبئ عن تمتعه بقسط وافر من التفكير والإدراك ؛ وقد سجلت بعض ما رأيت وعاينت في مذكراتي كجزء من " صور عن الطبيعة والمجتمع " أنشر اليوم صورتين منها ، لا شك انهما تدخلان في حكمة الحيوان التي يحدثنا عنها " ألن ديفو " ، ولعلهما تبرهنان على تفكير تتعم به الحيوانات وتشقي ؟ !

سلاح- 1 :

. . كنت أمشى الهوينا ، وأنا أحمل بندقية الصيد وأتطلع إلى الأشجار ، وأصغي إلى أصوات الطيور التي عليها لأصطاد ما أتخيره منها ، ساعة بلغ أذني حفيف يقترب مني . وسريعا وقع نظري علي ثعبان منطلق كالسهم فوق الأرض

التى كنت أعلوها ببضعة أقدام ، فثبت قدمي وهممت بإطلاق النار ، غير أني تمهلت عندما تبينت أن الثعبان يستهدف ) إدراك حرذون كان يعدو أمامه بسرعة بلغت منه أقصاها ، وتأكدت أنه لا بد مدركه بعد بضع خطوات لتفاوت سرعتيهما ، فتبعتهما بنظراتي . ولست أذكر الآن ماذا حدث بالتمام ، وخصوصا اللحظة التي بدأ فيها ذيل الحرذون يدخل فم الثعبان ؛ غير أنى رأيت فجأة الثعبان مضطربا فاغرا فاه وهو يحاول ابتلاع طريدته ومن الطبيعي أني كنت أرى بين فكيه رأس الحرذون ، ولكن لم أعرف سبب توانيه في ابتلاع فريسته ، إلا عندما بان لي من شدة مراقبتي لحركاته بأن الحرذون كان يحمل بين أسنانه عودا يابسا طال حتى تعذر على الثعبان ازدراده . . وعندئذ فقط أدركت ما صنع الحرذون ، فقد كان يركض جهده ، حتى إذا ما عثر على العود وقف ليدخله بين فكيه ، وفي اللحظة نفسها كان ذيله بدأ يدخل في فم الثعبان .

. اقتربت من مسرح العراك قليلا لأكون على كثب مما سيتم من شأن القوي الجبار والضعيف المحتال ، وكأن الثعبان أحس بدنوي منه ، فرأيته يلفظ الحرذون ، وقد يئس من ابتلاعه ، وينطلق غضبان متألما . . أما الحرذون فظل في مكانه لا يبدي حركة ، فظننت أنه قضى نحبه رعبا ، فحصيته فإذا به وقد اطمأن من بعد غريمه يترك العود ويعدو نحو شجرة قريبة فيتسلقها . . ) الهامة صيف 1934 (

2- حارس :

وأخيرا استطاع أن يظفر بإحدي الدجاجات ، ولكن رصاص رجل المزرعة أدركه فخر يتخبط بدمه الخبيث . . لقد كان واحدا من عصابة قوية من عصابات ابن آوى التي أخذت تهدد في هذا الصيف القرية بفناء دجاجها ، وبدأت تهاجم منذ ليال خلت دجاجاتنا العزيزات ، ولولا عين المزارع الساهرة اليقفلة لفقدناهن واحدة واحدة . .

لقد كانت هذه الحادثة ذات أثر في حياة الدجاجات الثمانية الباقيات ، فقد انتزعت من نفوسهن الثقة في حمايتنا لهن وأبين بعدها النوم في المكان المعد لهن ، واتخذن من أرفع أغصان شجرة زيتون باسقة مأوي لهن يعصمهن من غارات ليلة جديدة . .

. أخذت أراقب الدجاجات ، على بضعة أيام ، كيف ومتى يصعدن شجرة الزيتون عند المساء ، فأدهشتني رؤية ديكهن يقف قبيل الغروب عند جذع الشجرة ، ثم يأخذ بالإيعاز إليهن بالصعود ، بنغمة من صوته معينة ، حتى إذا ما صعدت آخر واحدة منهن قفز خلفها واستعلي ما استطاع .

ودفعني العبث إلي إرسال من يفرط عقد الدجاجات ويشتت شملهن إذا ما حان وقت منامهن ، فكان يدهشني أن الديك ما صعد مرة قبل ان تصعد ثامن دجاجة من

دجاجاته ، بل كان يظل يصيح ويزمحر إذا ما تأخر بعضهن ، حتى ولو كان لا يراهن ، كأن يكن خلف بعض الجدران القريبة أو في أحد المنعطفات .

وعندما استبدلنا بالفقيدة دجاجة غريبة ظلت بضعة أيام لا ترافق موكب الديك ، ولهذا لم يكن ليدخلها تحت رعايته عند المساء ؛ فلما ألفت أخواتها ، أصبح لا يصعد شجرة الزيتون إلا بعد الدجاجة التاسعة ! . . ) جرابا صيف 1937 ( .

أنقل هاتين الصورتين وأنا متردد في الجزم بأن الحيوان يفكر ، وأنه بحسب أيضا . ولعل الدكتور إسحاق الحسيني من الذين يؤيدونني ويأكدون معي بوجود التفكير عند الحيوان ، أو عند الدجاج على الأقل !!...

دمشق

اشترك في نشرتنا البريدية