جرت العادة على تقسيم التاريخ إلى عصوره الثلاثة التى نعرفها ، وهي : العصر القديم ، والوسيط ، والحديث . . . وتكاد هذه التجزئة الزمنية تماشى تقسيم التاريخ إلى عصر الرق ، وعصر الإقطاع ، وعصر الصناعة الآلية ، ثم عصر صحوة الشعوب من سباتها .
وبقى ذلك التقسيم بعيدا عن متناول النقد حتى تصدى له بعض الفلاسفة أخيرا فرموه بالقصور . لأنه افترض تقدم الأمم صفا واحدا فى مضمار الحضارة دون أن يصلى بعضها ، ويجلى بعضها الآخر . ونحن نقتبس فيما يلى بعض ما قاله أولئك المفكرون لنزيد وجهة نظرهم وضوحا . . " إننا إذا تحدثنا عن العصر القديم اتجه ذهننا إلى مصر واليونان والرومان وفينيقيا وغيرها من الدول ذوات الحضارات القديمة ، مغفلين غيرها من دول العالم . فالتاريخ الذى نعهده لا يتناول سيرة الإنسانية على أساس أنها وحدة متماسكة ، ولكنه يتناول دولا وأمما مختلفة مرت كل منها بعهود مختلفة ، فى أزمنة متباينة ، وحققت بعض مراحل التقدم دون أن تنتظر لحاق غيرها بها . والتاريخ لا يفسر لنا اعتناق بعض أمم العصر القديم لمعتقدات وآراء لا تزال اليوم على قيد الحياة ، فهل سبقت تلك الأمم عصرها ؟ أم هبطت عليها تلك الآراء والمعتقدات عن طريق الوحى أو الإلهام ؟ . . ."
" إننا نقترب ولاشك من الحقيقة إذا ما سلمنا بأن الحضارة القديمة لم تكن إلا حضارة أمم معينة سبقت غيرها فى ميدان التقدم ، ومرت بعصور التاريخ الثلاثة المعروفة على الرغم من أنها لم تتعد ، فى عرف المؤرخين ، عصرها القديم . إن لكل عصر من العصور الثلاثة مقدماته ؛ فالعصر القديم لأمة من الأمم هو عصر طفولتها . وهى تنقسم فى مراحله الأولى إلى قبائل رحل ، ينعم أفرادها بالإخاء والمساواة ، فلا تفرقهم الأثرة ، ولا تتقسمهم
الأهواء ، ولا يعرفون الامتلاك والزواج وحياة المدن الصاخبة . . . ثقافتهم بدائية ، والنظام السائد بينهم مستمد من العرف والتقاليد المتوارثة .
" إن كل أمة لابد أن تمر بهذا الطور فى عصرها البدائى ، والمؤرخ فى وقتنا الحاضر لم يقف على هذه الحقيقة من طريق رجوعه إلى ما يدونه أفرادها من مقومات عصرهم وخصائصه ، لأن الكتابة تكون حينذاك مجهولة . والعناية بالتاريخ معدومة . ولكنه يستفى معلوماته عنها من كتب الرحلات التى عنى بكتابتها بعض أبناء الأمم المتقدمة عليها فى الحضارة ممن قادتهم مغامراتهم إلى ارتياد مجاهل الأمم المختلفة .
ويبلغ العصر القديم لكل أمة نهايته ، ويبدأ العصر الوسيط ، حين تستقر القبائل الرحل فى بقعة من الأرض تستوطنها ، وتبنى فيها القرى والمدن الصغيرة ، ثم تنقسم إلى طوائف وتقطن إلى الزراعة فيحترفها فلاحون . ويحاول عامة الشعب الاحتفاظ بالأوضاع التى ألفوها ، ولكن الظروف الاقتصادية المستجدة تحتاج إلى نظام اجتماعى جديد . فيظهر ملاك الأراضى الخصبة ، ومحترفو الصناعات الزراعية . وتفيض غلة الأراضى عن حاجة الملاك ، ويتوفر الإنتاج ، فيظهر التجار . ثم تنقسم الأمة إلى طبقات.
وتنشأ بين مختلف الطوائف والطبقات علاقات اقتصادية وقانونية تتولد عنها عادات ومثل فكرية وأخلاقية جديدة .
وترتقى العقيدة الدينية وتتمذهب . ويجيد المتعلمون القراءة والكتابة . وتتسع رقعة الأراضى المملوكة ، وتتضاعف الثروات ، ويقوى نفوذ أصحابها ، ويظهر بينهم الأمراء والسادة الأشراف . ثم ترتقى الصناعة وتغمر الأسواق . ويثرى التجار حتى يطغى نفوذهم على نفوذ الأشراف ، وينتزعوا منهم زمام الحكم ، فيؤذن العصر الوسيط حينئذ بالأفول ، ويبدأ العصر الحديث . وتتبدل حينذاك الأوضاع
مرة أخرى لتلائم الظروف الحديثة . وتنشأ معتقدات ومثل وقيم مستحدثة تلائم الطبقة التى قفزت إلى مكان الصدارة بعد زوال طبقة الأشراف . ومن ثم تزدهر العلوم والفنون ، وتحطم قيودها العتيقة ، وتتحرر العقول من ربقة الخرافة والوهم . ويبلغ الإنتاج الصناعى الذروة . . ."
ويعلق أصحاب هذا الرأى الحديث على ذلك فيقولون : " إن الأمم ذوات الحضارات القديمة مرت بهذه العصور الثلاثة ، بينما العصر الوسيط الذى حدده المؤرخون لم يبدأ ، فمن الخطأ أن نقسم تاريخ الأمم تقسيما عاما ، فى حين أن الأمم لا تسير فى طريق التقدم صفا واحدا ، فعلى المؤرخ الدقيق أن يمتحن تاريخ كل أمة على حدة ، ثم يمتحن حاضرها ، ويحدد على ضوء امتحانه العصور التى مرت بها والعصر الذى تعيش فيه اليوم . فقد تكون غارقة إلى الآن فى العصر القديم أو الوسيط ، بينما يتحدث المؤرخون اليوم عن العصر الحديث كأنه يشمل أمم الأرض قاطبة " .
ومما يقوله أصحاب هذا الرأى أيضا : " إن مقومات كل عصر لا تختلف باختلاف الأمم التى تمر به ؛ فالأمة التى لم تجاوز اليوم عصرها القديم ، على الرغم من أننا في صميم القرن العشرين . لا يختلف نظام معيشتها واتجاه تفكيرها ، بل لا تختلف عقلية أهلها عن عقلية الأمم التى مرت بذلك العصر فى العهد الغابر الموغل فى القدم ، وما يقال عن العصر القديم يقال كذلك عن العصرين الآخرين . "
وقد توقع أصحاب ذلك الرأى أن يعترض معترض بأن عصرنا الحديث يتميز عن " العصور الحديثة " للدول ذوات الحضارات القديمة باستخدام الآلات الكهربائية والبخارية فى الصناعة ، مما أتاح إنتاج المصنوعات بالجملة وغمر الأسواق بها . فأجابوا " بأن استفحال الرق فى عهد تلك الدول القديمة ، وازدياد عدد الأرقاء ازديادا هائلا ، جعل منهم قوة إنتاجية تشبه قوة الآلات الحديثة " .
وقد ينخدع كثيرون فى هذا الرأى فيحسبونه صحيحا على بعده الشاسع من الصحة . فهو يتعارض كل التعارض مع نظرية التطور التى يزعم أنصاره انهم يؤمنون بها ؛ فالعصر الذهبى لدول الحضارات القديمة لا يطابق عصرنا الحديث بحال من الأحوال . فقد كان عصر الرق الذى يتميز بمعتقدات وآراء ومثل تخالف معتقدات عصرنا الحديث
وآراءه ومثله كل المخالفة ؛ وقد أعقبه عصر الإقطاع المعروف ، وهو أيضا مختلف عن عصر الرق ، ثم تطورت عقلية الشعوب ، وآذن العصر الحديث بالظهور ، وهو عصر ليس بينه وبين العصور القديمة حتى محض المشابهة .
إن تلك النظرية التى شرحنا كنهها ، وفصلنا مناحيها ، تقوم على عزل كل أمة عن سائر الأمم ، والنظر فى تاريخها على حدة كأنها مقطوعة الوشائح بالعالم أجمع ، فى حين أن مثل هذه العزلة غير موجودة فى عالم الواقع . ثم إن تلك النظرية تفترض نشوء الأمم على غرار نشأة الأفراد ، أى أن كل أمة تمر بأطوار رقيها فى عزلة عن غيرها ، ثم تشيخ وتضمحل وتتبدد حضارتها ، كما يمر الفرد بأطوار الطفولة فالشباب فالشيخوخة ، ثم يدركه الفناء ؛ ولكننا إذا رجعنا لتاريخ الأمم التى تصوحت حضارتها بعد الازدهار ، وجدنا أن حضارتها لم تتصوح من تلقاء نفسها بفعل الشيخوخة ، أو لاستنفاذها عصور التطور الثلاثة المعروفة ، ولكن إغارة أمم بربرية وحشية عليها ، هى التى قوضت صرح حضارتها ، ولولا ذلك لاطرد تقدمها فى ميدان الحضارة دون أن يعوقها عائق .
إن الذى حدث على تعاقب العصور أن كل أمة تسبق غيرها فى مضمار الرقى الحضارى ، ينبثق منها نور الرقى إلى ما يجاورها من الأمم ؛ فإذا ما أطاح بحضارتها غزو بربرى خارجى ، سارعت أمة أو أكثر من أمة من الأمم التى أفادت من تقدمها إلى رفع مشعل النور بدلا منها ، ومواصلة السير فى مضمار التقدم ؛ ويترتب على ذلك بطلان تلك النظرية التى تقوم على أساس انعزال كل أمة عن غيرها ، وعدم تأثرها بها أو تأثيرها فيها ؛ وهذا البطلان يزداد اليوم وضوحا ، بعد أن ازداد تأثر الدول بعضها ببعض على أثر توثق صلاتها بنهضة المواصلات الحديثة ، وبتبادل ملايين الكتب والصحف وأفلام السينما ، وانتشار المذياع فى بقاع الأرض كافة .
من التعنت ألا تعترف بوصول العالم إلى درجة معينة من الرقى ، أو إلى عصر أرقى من الذى كان فيه . لأن بعض الأمم المتأخرة لا تزال متخلفة عن الركب الحضارى ؛ فالأمم يسبق بعضها بعضا فى ذلك المضمار ، وثقاس درجة رقى الإنسانية فى كل عهد بالمستوى الذى وصلت إليه الدولة
الحائزة على قصب السبق . ولتقريب وجهة نظرنا إلى الذهن نقول مثلا إن فصل الربيع مكون من تسعين يوما ، فهل يحين الربيع حين يهل أول يوم من أيامه ، أو يجب انتظار حلول أيامه جميعا ، لنقول إننا فى فصل الربيع ؛ . . إن العالم لا يتجزأ . ولا يمكن أن تقاس نهضته إلا بالمرحلة التى وصلت إليها طلائعه المتقدمة .
وقد يقال إن اعتراضاتنا هذه لا تنسخ النظرية التى تنقدها لأن أهم ما تقرره تلك النظرية ينحصر فى أن كل أمة تمر بعصور ثلاثة تشبه كل المشابهة العصور التى مر بها سائر الأمم ، ولا اختلاف إلا فى أزمنة النهضات ، فكل أمة تقطع شوطها فى مضمار التقدم ، ثم تتنحى عنه لتفسح فيه لغيرها من الأمم ، التى لابد أن تمر بالراحل التى مرت بها الأمة المتنحية . . فهل هذا صحيح ؟ .
إن التسليم بهذه النظرية يضطرنا إلى إغفال أهم جانب من جوانب الحضارة ، وهو الجانب الفكرى . فالتطور الحضارى يشتمل على شقين : أولهما المادي ، أى الخاص بالحالة الاقتصادية والنظام الذى يلائمها ، وثانيهما الفكرى ، أى الخاص بالآراء والمعتقدات والقيم الخلقية والمعنوية المتولدة من التطور المادى ؛ فإذا سلمنا من باب الجدل المحض ، متغاضين عن الفروق الكثيرة ، بأن الدول جميعها تسلك طريقا واحدة فى تقدمها الحضارى ، وأن كل عصر تمر به من عصور ازدهارها يشبه من الناحية الاقتصادية ، ومن ناحية نظام الحكم ، نفس العصر الذى تمر به الدول الأخرى ، فإنه لا يمكن التسليم قط بأنها تعتنق فى ذلك العصر نفس المبادئ والمعتقدات والمثل التى تعتنقها الدول الأخرى فى العصر الشبيه به .
ونحن لم نتعرض لهذا البحث الذى يبدو لأول وهلة أنه نظرى محض ، إلا لأننا نرى أن آثارا واقعية خطيرة تترتب عليه ؛ فالقول بأن الأمم التى بلغت اليوم أوج الحضارة واقفة حيث وقفت مصر القديمة واليونان القديمة وغيرهما من أمم الحضارة القديمة فى عصرها الذهبى ، قول خطير حقا ؛ فهو ينكر نظرية التطور الإنسانى العام . والأخذ به يهدم أحدث النظريات العلمية ، ويشجع أولئك الذين لا يكفون عن التلفت إلى الوراء . ومحاولة الرجوع بالإنسان القهقرى إلى ما يسمونه عهد المجد القديم .
إن الآراء والمعتقدات والمثل التى يعتنقها العالم اليوم تختلف كل الاختلاف عما اعتنقته الأمم جميعها ، فى العصور الغابرة كافة . فقد كان حكم الغابرين على نظام الرق . ونظام الإقطاع والسخرة ، وعلى الغزو والفتك والسلب والشجاعة والإخلاص وغير ذلك من الأوضاع والمثل والصفات ، يختلف كل الاختلاف عن حكمنا عليها اليوم . فما كان حقا بالأمس صار فى نظرنا اليوم باطلا ، وما كان عدلا أصبح ظلما ، وغدت شجاعة الأمس بربرية ، وحرب الأمس وحشية ، وإخلاص الأمس عبودية ؛ فالتبدل لم يترك شيئا دون أن يعتوره .
وقد ساعدت المخترعات الحديثة على سرعة التطور ، فتغيرت عقلية الشعوب فى هذا القرن كل التغير بتأثير الحياة المادية الجديدة المحيطة بها ؛ فآيات الصناعة ومظاهر العمران أنارت ذهن الإنسان حتى أصبح رجل الشارع يدرك فى هذه الأيام من شواهد العلم وأصول المعرفة ما لم يكن يدركه الفلاسفة الأقدمون .
يمكن أن يقال إن أمة الإغريق كانت أرقى حضارة من سواها فى العصر القديم ، أو أن مصر القديمة كانت كذلك ، ولكن من الخطل أن يقال إن قدماء اليونان أو قدماء المصريين كانوا أرقى مما نحن عليه اليوم . لقد كان حتى فلاسفة أولئك القوم يحسبون أن الوجود ناشئ من النار أو الماء ، وأن الأرض مسطحة ، والشمس والقمر يدوران حولها، والآلهة ينزلون إلى الأرض ويحيون حياة الناس . . إلخ هذه المعتقدات التى يعرف أطفال اليوم مبلغ سخفها ؛ ثم إن أولئك الأقدمين كانوا يجهلون ما يعرفه أطفال اليوم من مختلف العلوم التى يشاهدون آثارها فى دور سكناهم ، ودور لهوهم ، وفى الطرقات ، بل فى الهواء وفوق الماء وتحت الماء .
وتحسب أن الحقيقة بدت واضحة من خلال هذه الإشارات السريعة المقتضبة التى اضطرنا ضيق المقام إلى اختزالها واقتضابها ؛ وليس لدينا من تعليق على ما تقدم إلا أن ندعو أبناء وطننا ألا ينظروا إلى الوراء ؛ وان يأخذوا بأسباب الحضارة ، فهى أسباب العزة والقوة ، فإن كنا نود لأنفسنا ولديننا ولوطننا العزة والكرامة حقا ، ونود أن نضع حدا لعهد العبودية ، فعلينا أن نجارى الأمم المتقدمة فى مضمار الحضارة ، دون أن نلتفت إلى الماضى التفاتة حنين واحدة

