الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 405 الرجوع إلى "الثقافة"

تقليد غير حميد

Share

هارون الرشيد شخصية من الأعلام في التاريخ . شهرته واسمه الخلاب لا ينحصران في الشرق وأهله ، بل قد لا تجد بين الغربيين من لا يعرف اسمه ويقرن هذا الأسم الساحر في مخيلته بكل ما في الشرق من ألوان وانغام وعطر وبذخ . وقد يكون السبب الأكبر في ذيوع شهرته عند الغربيين ذلك السفر القصصي العجيب المجهول الهوية ) ألف ليلة وليلة ( فقد ترجمت هذه الأقاصيص إلي اللغات الأوربية في مقدمة ما ترجم عن العربية ، وذاعت بين الغربيين لما فيها من خيال يستهوي وتصوير بارع مسهب طلق لمتع الحس والنفس ، وأصبحت " ليالي العرب " كما يسمونها محببة إلي نفوسهم كأقاصيصهم الشعبية الخاصة بهم ، وغدت بعض شخصياتها حية عندهم خالدة مشهورة لا تقل في هذا عن شخصيات أقاصيص شكسبير وغيره . وقد ورد ذكر هارون الرشيد في كثير من تلك القصص ونسبت حوادثها إلي عصر خلافته ، ومن ثم كان ذيوع شهرة هذا الخليفة بين القوم حتى العامة منهم الذين لا يكادون يعرفون شيئا عداه من معالم تاريخ الشرق .

وإذ كانت شهرة الرشيد قائمة بين شعوب الغرب على اقاصيص ) الف ليلة ( فان الصورة التي ارتسمت في عقول القوم لذلك الخليفة تقوم من جهة على خيال القاص لألف ليلة ، ومن جهة اخري علي عاطفة من العداوة للشرق وحكامه رسخت في القوم منذ الحروب الصليبية ، نزعة قوامها الرهبة والكراهية والميل إلى التشويه والتلويث ونسبة الشر والغدر والقسوة لحكام الشرق والخلفاء ، وكانت نتيجة هذا المزيج من خيال زاهي اللون مع رهبة وبغضاء ان تجسمت في وهم القوم صورة الرشيد وغيره من الخلفاء على هيئة إنسان غارق في الترف يرفل في الحرير الموشي بالقصب وعلى رأسه عمامة من اسلاك الذهب يبرق في

تضاعيفها الماس والجوهر ، يجلس طول حياته في استرخاء غارقا في وسائد من المخمل المحشو بريش النعام في مقاصير رحبة ذات عمد ونقش وزخرف ، يعبق جوها بالبخور والطيب ، والعبيد قيام حوله يحركون في هوادة مراوح ضخمة ، والجواري العين الهيف الناهدات نصف العاريات يتخطرن على الأرض الرخامية الملساء في رقص لين ثمل على أنغام رتيمة ناعمة ذلك وحي ألف ليلة ورسم ريشها .

ثم تأتي بعد ذلك عناصر من نفث الكراهية والخوف فتتولى رسم نفسية الخليفة ومادة قلبه ، فإذا هي صورة سوداء مفزعة لإنسان من شهوة غير ذات وأزع ، متع الحس هي هدفه الأكبر وفي سبيلها كل شئ يجوز ، همه أن يستكثر من الجواري الحسان بلا عدد ، وعليهن أن يحببنه ولو كان أبغض من تنين ، إن تفززت لإحداهن من لئمة فيها تولي السيف نحرها ، ترقبهن ليل نهار اعين الجواسيس وتسمع كل همسة لهن آذان خفية ؛ فإن خطر لإحداهن ان تخون وهفا قلبها إلى معشوق سواء كان خبر ذلك عنده كأنما يقرأ الغيب ، ثم لا يصارحها به ، فليس من شيمته المصارحة واستقامة القصد والضمير ، وإنما يملى لها قليلا ويرخي لها الحبل بعض الشئ ، ويدخل في وهمها غفلة الجميع عن عشقها الخؤون ، ويرقبها بعينه أو بعيونه المأجورة ، وهي تتراق وجلة وراء نزوتها الوبيلة ، وهو يضحك ضحكة الشيطان ، ثم يفجأها ومعشوقها المغامر الغر ، فتصرخ من هول موقف يجل من الصراخ ، والخليفة يهتز من نشوة الظفر ونجاح الكيد ، وهي نشوة لا يقل اشتهاؤه لها من اشهائه للنساء

هذه هي الصورة البشعة التى صورها للقوم وهم متوارث مما غرسه في طينة سوداء من دعاية مبغضة مغرضة في القرون الوسطى ، تمكنت من اعماق الوعي الباطن لتلك الشعوب ، وما تزال تطفو فيلتاث بها أكثر قصصهم عن الشرق لا سيما الرخيص منه ، ومن ثم تلتاث به ، اشرطتهم السبنمائية ، وقد يصدمك بعضه في مجلاتهم او صحفهم اليومية .

فإذا خطر لكاتب أو قاص من اهل الغرب ان يكتب عن الرشيد أو غيره من الخلفاء بإملاء هذا الخيال الواهم والموجدة الموروثة وأخرج صورة متحرفة لشخصيات حملت للانسانية امانة حضارتها قرونا وادتها إلى الأجيال مضاعفة في غناها المادي نابضة بالروح الديني ، فلا عجب في ذلك إذ السبب معروف .

لكن العجب الذي يعوزه السبب هو أن يعمد كاتب عربي إلي تأثر خيال القوم وموجدتهم ومحاكاتهم فيما يطوح إليه بهم ذلك الخيال وتلك الموجدة ، لا لشئ بطبيعة الحال غير مجرد المحاكاة ، فما به ضغن لأسلافه لقد سمعنا من محطة الإذاعة تمثيلية قصيرة ألفها أحد الأدباء وقام بتمثيلها بعض الهواة ، تدور على الخليفة الرشيد وفتاة إفريقية استولي عليها رجال جيشه في غزوهم أراضي الروم ، وكانت الفتاة بارعة الجمال بنت أحد سراة القوم وحكامهم ، وسيقت الفتاة بين جموع السبايا وعرضت للبيع مع المعروضات ، فكانت من نصيب الخليفة ، وقد وقعت من نفسه موقعا حسنا ، فأفرد لها قصرا في مكان بعيد ، وأحاطها بكل ضروب الرفاهة والإعزاز وإلي هنا ليس في الأمر إذ فهكذا كانت الحرب . ويجيل على كل حال أن تجد الفتاة الجميلة ابنة عزيز قوم المنشأة في الحلية مكانها في قصر الخليفة ، إذ قضي عليها القدر بالإسار والعبودية لكن ما بقي من القصة ليس بجميل ، وما هو في الوقت نفسه من حقائق التاريخ ، بل هو مع الأسف من نسج خيال المؤلف استضافه من مادة التاريخ المنقل قصصا مثيرا متبلا بالمفاجيء المفجع ، فاستحدث صورة لم يغزل بها التاريخ سلطانا ، ولعل الرشيد لو اطلع عليها لاستل ذلك السيف الذي يحركه أولئك القاصون في يده ويضربون في موضع الكرامة والشهامة وفي غير موضعهما . أضاف المؤلف أن الأسيرة المسكينة ذلك الطائر اللطيف في القفص الذهبي كانت تتململ من كرب الإسار وتتطلع ولهي إلي جواء الحرية ، لا تري في حب الرشيد إلا فريضة تؤديها

أداء العبد فروض سيده . ثم اندفع ذهنها ككل رهين محبس إلي تفتيق الحبل للانطلاق ، وكان يلقاها رجل من بني جنسها يعمل في بلاط الخليفة ، وكان طبيعيا ان تلتمس عونه على الفكاك والفرار ، وفي الليلة التي ازمعاء فيها رقصت الفتاة أمام الخليفة وفي روعها ومناها ان تكون تلك رقصتها الأخيرة في محبسها الحريري الخانق المقيت . لكن الخليفة كان يعرف ما وراءها وما كان ينيب عنه تململها وانتفاضها ؛ فهل رق قلبه لذلك الإنسان البائس ، هل عالج الأمر علاج الشهم الكريم الرحيم ، وأبدي للفتاة عطفا لعله كان أكسبه قلبها فان لم يكسبه إياه فما كان أغناه عن جارية عصية كارهة ؟ لا لم يكن الخليفة كريما رحيما بل كان صورة مصفافا لما وقر في نفس أهل الغرب المغرضين ، وما كان مصور الخليفة هذه المرة واحدا من أهل الغرب ، بل من صميم الشرق ، وما كان مستندا في تصويره إلي أسانيد تاريخية وحقائق ثابتة ، بل كان متبعا خطوات أهل الغرب فحسب

ماذا فعل الخليفة ا استمتع برقص الفتاة كما استمتع به في أي ليلة خلت ، ولم يبد على وجهه جديد غريب او مريب ، وفي الختام تقدم عبد إلي الجارية يحمل صينية عليها هدية من امير المؤمنين إلي جاريته المحبوبة ، وتكشف الجارية غطاء الصينية فتري ماذا تري ! شئ تافه في نظر الخليفة لكنه نال عندها . . رأس ابن جنسها الذي أزمع أن يعينها على الفرار .

لعل الكاتب يظن ان هذه الصورة رائعة تظهر ما كان عليه الرشيد من فطنة وزكائة واقتدار وحزم كلا ! فما كان احراه بالنظر إلي الجانب الإنساني قبل ان يضيف من عنده ما ليس من الواقع ! وكان حريا ألا يظن كل ما يفعله الغربيون جميلا . أفهل نسيء إلي أنفسنا لا لشئ سوي أن الغرب يسيء إلينا ونريد أن نعمل كل ما يفعله الغربيون حتى هذا ؟ !

اشترك في نشرتنا البريدية