عرف الناس من قديم الزمان أن المال قوة عظيمة ، عليه تقوم حياة الشعوب ، وبه تستطيع الأمم أن تنشئ الحضارات وتهيئ وسائل العمران .
والمعروف أن الدول الغنية وقت السلم هى صاحبة الحول والطول ، وربة النفوذ والسلطان . بيد أن المال - مهما تكاثر وتوفر - لا يعمل وحده على كسب الحروب ، إما تظفر الأمة فى نضالها مع غيرها بما لديها من رجال وعتاد ، وتكون لها الغلبة فى عراكها إذا كثر أفرادها ، وصحت أبدانهم ونفوسهم ، وأدى كل منهم عمله خير الأداء . أما إذا قل عدد الرجال ، وشحت الموارد ،
أو إذا لم تهيئ الأمة أبناءها وعتادها لخدمة الحرب ، فان الدولة لا تستطيع بمالها أن تخلق الرجال المقاتلين ، أو أن توجد المادة من العدم . إنما يجب لأن تخرج الدولة المقاتلة من حربها منتصرة مظفرة أن يكون لها جيش قوى حسن التدريب ، يتفوق على عدوه عددا وعدة ، وأن يكون فيها من المواد الخام ما تسد به حاجة مصانعها ، ومن الطعام ما تملأ به بطون أبنائها . إن أمة هذا شأنها - مهما تدهورت حالتها المالية - لا بد غانمة فى الحرب ظافرة .
فالمال إذا قد يكون عصب الحياة السلمية ، ولكنه
ليس كذلك فى أوقات الحروب ؛ وهو يأتى فى أهميته بعد الرجال والمواد . إلا أن المال - وإن لم يكن له القول الفصل فى الحرب - يتوقف عليه إلى حد كبير ما يعقب الحرب من اضطراب عام فى الشئون الاجتماعية ، ومن بؤس الأفراد فى الأمم المنتصرة والأمم المنكسرة على حد سواء . وهو من أهم ما تخلفه الحرب من مشاكل يواجهها أبناء الجيل الذى يلى زمن الحرب . ومن لغو القول أن نذكر هنا أن الانقلاب الاجتماعى ، الذى حل بألمانيا بعد حرب سنة ١٩١٤ ، والذى انتهى بظهور هتلر زعيما على البلاد ، لا يرجع إلى هزيمة ألمانيا فى تلك الحرب بمقدار ما يرجع إلى تضخم العملة فى سنتى ١٩٢٢ ، ١٩٢٣ . ومن ثم كان من واجب الأمة المحاربة أن تعمل جهدها على الظفر فى القتال دون أن تخلف بعد نضالها ضيقا ماليا واضطرابا فى العملة ، ودون أن توقع أبناء الجيل القادم فى ضنك مضن وعوز شديد .
فالقتال - كما قدمنا - يدور على رحى الرجال والعتاد مما يتوفر للأمة المحاربة زمن الحرب ؛ والمال لا يخلق هذا ولا ذاك . وليس التردد بين زيادة الضرائب أو عقد القروض المالية سوى التذبذب بين وضع العبء على كاهل أبناء الجيل الحاضر أو أبناء الجيل القادم الذين يتحتم عليهم أن يدفعوا ما استدان آباؤهم من أموال . ولكن القروض والضرائب لا تزيد عدد الرجال ، ولا تخرج الفحم والحديد من بطن الأرض ، ولا تصنع آلة لم يحن بعد الوقت لاختراعها ؛ فان أنجلترا أو ألمانيا تقاتل فى سنة ١٩٤١ - مثلا - بما لديها من أبناء وما عندها من موارد فى هذا العام ، لا بما تستطيع أن تحصل عليه فى الأعوام المقبلة . وعلى أبناء هذا العام وحدهم أن يحملوا عبء العمل ، لأن تحصيل المال قد يؤجل إلى ما يستقبل من الزمان ، ولكن العمل لا بد أن يتم فى حينه .
ونحن حين نقول إن الأمة تكسب الحرب بما لديها من رجال وعتاد ، ينبغى أن لا ننسى أن ما تقترضه الأمة المحاربة من أمة أخرى ( لا من أبنائها ) يعمل على زيادة الموارد ، كما ينبغى أن لا ننسى أن ما تربحه الأمة مؤقتا من جراء التقصير فى الاحتفاظ بما لديها من منازل وطرق عامة ومصانع وما إليها ؛ مما خلفته الأجيال السالفة ، يساعدها على زيادة معدات القتال ، لأنها تنفق عليها ما كانت تبذله فى سبيل ترميم هذه المنشآت وإصلاحها .
ولكن الحكومة - مهما يكن من شئ - لا بد أن توفر المال الذى يعينها على دفع أجور الرجال العاملين ، وعلى شراء مواد القتال ؛ فكيف يتيسر لها ذلك ، وبخاصة إذا علمنا أن تكاليف الحرب باهظة إلى حد كبير ، فقد بلغت فى حرب سنة ١٩١٤ فى بريطانيا نصف دخل الأمة بأسره ؛ وقد تزيد على ذلك كثيرا فى هذه الحرب القائمة ، لأن إعداد الجندى اليوم أكثر تعقيدا من إعداده فى الحرب السابقة ، ولأن الأمم - من ناحية أخرى - زادت كثيرا بعد الحرب العظمى مما تنفقه على الخدمات الاجتماعية العامة من شئون الصحة والتعليم وغير ذلك ، مما لا يبقى لها الكثير لشئون الحرب . فاذا أرادت أمة من الأمم أن تسد نفقات الحرب تحتم على أبنائها أن ينزلوا كثيرا عن مستوى معيشتهم ، وأن يدفعوا للحكومة ما تحتاج إليه من مال ، ويكون ذلك بطرق ثلاث :
١ - تضخم العملة :
لتصخم العملة تعاريف عدة . ومعناه هنا فى معرض الكلام عن سد تكاليف الحرب تخفيض استهلاك الجمهور بزيادة أسعار السلع المختلفة ، ويمكن الوصول إلى هذا الغرض بفرض الضرائب وعقد القروض ، لأن الحكومة بذلك تستخرج من جيوب الناس المال قبل أن ينفقوه على شئونهم الخاصة ، وليس تضخم العملة سوى وسيلة غير مباشرة لابتزاز أموال
الناس واستخدامها فى شئون الحرب ، فهو يسمح للناس أن يبذلوا من المال مثلما كانوا يبذلون قبل الحرب دون أن يحصلوا من السلع على مقدار ما كانوا يحصلون .
ويعمل تضخم العملة على ارتفاع الأسعار ، ويكون ذلك باصدار عملية ورقية بغير رصيد تدفع منها الحكومة تكاليف الحرب ، وتتحاشى بذلك فرض الضرائب أو استدانة القروض ؛ وهذه العملة الورقية الجديدة تدفعها الحكومة رواتب للجنود وثمنا للصلب والبترول والقماش وغير ذلك من ألوف الأشياء التى تحتاج إليها الحكومة فى زمن الحرب . ولما كانت الموارد محدودة ، والمال المتداول وفيرا ، فان الأسعار ترتفع ، وتقل مقدرة الجمهور على الشراء ، ومن ثم تتمكن الحكومة من الحصول على السلع التى تساعدها على إدارة الحرب ، وتظل الحكومة تصدر العملة الورقية فيتضخم النقد وترتفع الأسعار أحيانا إلى حد يكف معه الجمهور عن الشراء بتاتا .
وقد ينجح العمال أحيانا فى إرغام أصحاب المصانع على زيادة الأجور كى يستطيعوا العيش مع الغلاء ، فتقابل الحكومة هذا العمل بزيادة النقد ، فترتفع الأثمان من جديد وهكذا . . . . وإنه ليستحيل على جمهور الناس أن يساير زيادة تكاليف العيش ، لأن هذه الزيادة غرض من أغراض الحكومات المحاربة .
هذه هى القاعدة العامة التى يسير عليها تضخم العملة ؛ بيد أن هذه السياسة الاقتصادية حين تخرج إلى حيز التنفيذ لا تكون بكل هذه البساطة ، ولكنا لا نحب هنا أن نسترسل فى تفصيل معقد .
ولهذه السياسة عدة مثالب منها : ( أولا ) أنها لا تعدل بين الغنى والفقير . لأن الأسعار حين ترتفع ، يقل معها استهلاك الفقير ، بينما يبقى استهلاك الغنى كما هو على وجه الجملة لا يتأثر ولا يتغير ، وهى سياسة
تنافى فى روحها المبدأ العام الذى تسير عليه الحكومة عند فرض الضرائب ، لأن الضريبة ( فى بريطانيا ) تزيد نسبتها كلما زاد رأس المال ، بحيث يتحمل العبء من يستطيع النهوض به .
و (ثانيا) لا تعدل هذه السياسة - سياسة تضخم النقد - بين الأنواع المختلفة من ضروب الدخل ، فالفرد الذى يتكون دخله من " المعاش " أو من ربح معين على أموال مودعة يتحمل عبء الأسعار كله بغير هوادة . أما أصحاب الأجور فقد يفلحون فى رفع أجورهم فيتخففون من أعباء الغلاء ، وإن كانوا - كما ذكرنا من قبل - لا يستطيعون أن يتجنبوها كل التجنب . بل إن أصحاب الأجور هؤلاء حين ترتفع رواتبهم يعملون على زيادة أثمان السلع ، مما يثقل من العبء على كاهل أصحاب الايراد المحدد .
و (ثالثا) أن تضخم النقد يجب أن يؤدى إلى نقص الاستهلاك عند جميع الطبقات ، وهو لا يعمل على ذلك عند أولئك الذين يزيد دخلهم أثناء الحرب ، من أمثال التجار الذين يحبسون السلع مدة ، ثم يعرضونها فى السوق فيبيعونها بأثمان باهظة ، ويحصلون على مبالغ من الأموال طائلة تمكنهم من شراء ما يريدون . فتضخم العملة يشجع الجشعين من التجار على الطمع فى زيادة ثرواتهم زيادة غير معقولة على حساب الجمهور .
و (رابعا) لتضخم العملة نتائج اجتماعية خطيرة أثناء الحرب وبعد الحرب . فحين ترتفع الأسعار ينتشر وباء الاضراب بين العمال مطالبين برفع الأجور ، وبعد أن تضع الحرب أوزارها تصبح الطوائف التى أحست بالغبن أيام الشدة خطرا على الأمة ، ومن أمثلة هؤلاء الطبقة الوسطى فى ألمانيا التى عانت كثيرا أيام الحرب العظمى من جراء تضخم النقد ، فلما ألقت ألمانيا السلاح تولدت من بينهم الحركة النازية .
ويقابل هذه المثالب لتضخم العملة مزية واحدة ، وهى سهولة فرضه من جانب الحكومة ، وعدم وقوع التبعة على فرد بعينه .
٢ - فرض الضرائب :
تلجأ الحكومات أحيانا إلى زيادة الضرائب وقت السلم لسد ما تحتاج إليه من نفقات ، فتلقى معارضة من بعض الناقدين ، كما حدث فى إنجلترا حينها زادت الحكومة من ضريبة استهلاك السكر ، فعارض فى ذلك حزب العمال على اعتبار أن السكر من المواد التى لا يستغنى عنها الفقير ، وهو لا يتحمل زيادة الضرائب ، وكان أعضاء هذا الحزب يرون أن الحكومة ينبغى أن تزيد الضريبة على المواد التى يستهلكها الأغنياء وحدهم .
وأرادت الحكومة الانجليزية أن تزيد من ضريبة الدخل ، فعارضها جماعة من الأغنياء ، على زعم أن هذه الزيادة لا تشجع على مضاعفة العمل المنتج ، لأن الضريبة قد ترتفع إلى حد يكاد يساوى الأرباح المكتسبة .
ولكن إن جاز للعمال أو الأغنياء أن يعارضوا فيما تفرضه الحكومة من ضرائب وقت السلم ، فينبغى لهم أن لا يفعلوا ذلك والبلد فى حرب مع دولة معادية ، إنما ينبغى حين ينشب القتال وتزداد مطالب الحكومة أن تفرض الضريبة على الغنى والفقير على حد سواء ، لأن الغنى وحده لا يستطيع أن يقوم بكل تكاليف القتال .
وتستطيع الحكومة وقت الحرب - إلى جانب ذلك - أن تفرض ما يسمى " بالضرائب الوهمية˓" وهى الضرائب التى لا يحس بها دافعها ولا يكاد يتأثر بها ، كضريبة الأرباح الاستثنائية ، أو ضريبة الدخل الاستثنائى ؛ ومن هذا الضرب كذلك " ضريبة الترف "˓˓ وهى لا تقل كثيرا ، لأن أسباب الترف تكاد تنعدم أثناء الحرب .
ولما كان الأغنياء لا يستطيعون وحدهم أن يدفعوا تكاليف الحرب كلها ، والضرائب الوهمية لا تأتى بالمال الكثير ، فان أهم مورد للمال أثناء الحرب هو ضريبة الدخل على كل فرد من أبناء الأمة غنيا كان أم فقيرا . وحيث إن اكثر السكان من أصحاب الأجور فان خير طريقة لجمع الضرائب هى الطريقة غير المباشرة التى يدفعها الفرد على ما يستهلك من نبيذ وسكر وشاى وما إلى ذلك من الأشياء .
ومهما يكن من شئ فان حكومة ما لا تستطيع أن تسد كل تكاليف الحرب من الضرائب .
٣ - عقد القروض :
فاذا أرادت الحكومة أن تتحاشى تضخم العملة ، وأن لا تجمع تكاليف الحرب جميعها من الضرائب ، فان الوسيلة الوحيدة الممكنة بعد ذلك هى عقد القروض ، والقرض اقتصاديا كالضريبة من حيث إنه عبارة عن تسرب المال من جيوب أصحابه إلى خزائن الدولة ، ولكنه يختلف عن الضريبة من الوجهة النفسية ، لأن الضريبة إجبارية ، والقرض اختيارى . وحتى حين يكون القرض إجباريا فان الفرد عادة لا ينفر منه ، لأنه يعلم أنه مال سيرد له بعد حين ، ولأنه يتناول عنه أرباحا مادية . ولذا فان القرض من الوجهة النفسية ( أو السياسية بعبارة أخرى ) أيسر فى الحصول عليه من الضريبة . ولكن وراء القرض خطر وقوع الدولة فى " دين أهلى " على الحكومة أن تسده وتسد أرباحه بعد الحرب . وليس دفع أرباح الدين فى واقع الأمر سوى أخذ المال من طائفة من أبناء الأمة وإعطائه إلى طائفة أخرى ؛ وليس من سبيل إلى ذلك سوى زيادة الضرائب وإيقاف كثير من مشروعات الاصلاح فى البلاد .
ومن ثم نرى أن الضرائب من الناحية النظرية البحتة خير من القروض . ولكن من الناحية السياسية العملية
يجب على الحكومة أن تحصل على المال بكلتا الوسيلتين .
وهناك طريقة أخرى وسط بين الضريبة والقرض ، وهى " التوفير الاجبارى " . وقد قدم المستر كينز keones مشروعا خاصا به ، وبموجب هذا المشروع تخصم الحكومة من كل فرد نسبة معينة من المال . ثم تجمع هذا المال وتدفع منه الضرائب المفروضة وتودع الباقى فى صناديق توفير البريد ، أو ما يماثلها ، بأسماء أصحابها حتى إذا ما انتهت الحرب أعيدت الودائع إلى أربابها ومن مزايا هذا المشروع أن هذه الودائع كثيرا ما تنفع أصحاب الأجور فى الأزمة الاقتصادية التى تخلفها الحرب فى أكثر الأحيان .
ولكن هذه الطريقة - طريقة التوفير الاجبارى - تجمع عيوب الطريقتين السالفتين : الضرائب والفروض . فهى تقوم على الاجبار ، وهو ما تمقته النفوس ، كما أن القائمين بالأمر لا يستطيعون أن يعدلوا فى تقديرها . وهي - فوق هذا - تضع على كاهل الدولة دينا أهليا يجب أداؤه فى نهاية الحرب .
ويجب على الحكومة حين تلجأ إلى الاستدانة من أفراد الشعب ألا تبالغ فى الارباح التى تدفعها لهم ، وذلك لثلاثة أسباب : (١) كى لا يتضخم الدين الأهلى و (٢) كى لاتتفاقم الأزمة الاقتصادية بعد الحرب و (٣) كى لا يفيد أصحاب رءوس الأموال من نشوب الحرب ، وأن يقوموا بشىء من التضحية ، كما يقوم الجندى وكما يقوم دافعو الضرائب .
مما سبق يتبين أن الدولة ليست مضطرة إلى فرض إحدى الوسائل الثلاث السالفة دون الوسيلتين الأخريين كى توفر المال تسد به نفقات الحرب . ولما كانت الدولة فى حاجة إلى إنفاق نحو نصف دخل الأمة كان من الضرورى
أن تضع يدها على جل مصادر الثروة بها ، وأن تجمع المال بكل وسيلة ممكنة ، فتزيد الضريبة وتعقد القروض وتعمد إلى تضخم النقد .
ويهدينا التحليل السابق إلى أن الضريبة يجب أن تزاد على الغنى والفقير على حد سواء ، وإلى أن الدولة تستطيع أن تستعيض بالتوفير الاجبارى عن الاستدانة ، وإلى أن أسوأ الطرق لتوفير المال هو تضخم النقد .
وبعد هذا كله ينبغى لكل فرد من أفراد الأمة أن يدرك أن حكومته لا تستطيع أن تكسب الحرب إلا إذا قدم لها كل ما تطلب إليه من تضحية ، وأن هذه التضحيات كثيرا ما تكون لمصلحة الانسانية وللخير العام .
(ملخصة عن الانجليزية)

