- 1 - كان الجيش العربى الذى قام بفتح مصر يتكون من نحو اثنى عشر ألف مقائل من القبائل العربية المختلفة ، وبعد الفتح ظل العرب يرحلون إلى مصر فى أفواج كثيرة متتابعة ، كان أكبرها هجرة قبائل من قبس فى سنة ١٠٩ ه فى خلافة هشام بن عبد الملك ، وولاية الوليد بن رفاعة ، ويبدو أن هجرة هذه القبائل من قيس كانت تتصل بالسياسة العامة لهشام فى الدولة كلها ، إذ كان هشام يرمى إلى إضعاف شأن القبائل اليمنية بالإعلاء من مركز القيسية . يقول الكندى فى كتابه الولاة والقضاة : إن عبيد الله بن الحبحاب لما ولى خراج مصر من قبل الخليفة هشام كتب إليه يقول : (( إن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه قد شرف هذا الحي من قبس ، ونعشهم ، ورفع من ذكرهم ، وإني قدمت مصر فلم أر لهم
فيها حظا إلا أبيانا من فهم ، وفيها كور ليس فيها أحد ، وليس يضر بأهلها نزولهم معهم ، ولا يكسر ذلك خراجا وهي بلبيس ، فإن رأي أمير المؤمنين أن ينزلها هذا الحى من قيس فليفعل ، فكتب إليه هشام : أنت وذلك )) .
وذكر الكندى بعد ذلك أن هشاما أرسل إلى البادية فاستقدم أربعمائة أهل بيت من يطون قيس المختلفة ، وأوفدها إلى مصر ، فنزلت بالحوف الشرقى حول بلبيس (( وأمرهم بالزرع ، ونظر إلى الصدقة من العشور فصرفها إليهم ، فاشتروا إبلا ، فكانوا يحملون الطعام إلى القلزم ، وكان الرجل يصيب فى الشهر العشرة دنانير ، و أكثر وأقل . ثم أمرهم باشتراء الخيول ، فجعل الرجل يشتري المهر ، فلا يمكث إلا شهرا حتى يركب ، وليس عليهم مؤونة فى أعلاف إبلهم ولا خيلهم لجودة مرعاهم . فلما بلغ ذلك عامة قومهم تحمل إليهم خمسمائة أهل بيت من البادية ، فكانوا على مثل ذلك ، فأقاموا سنة فأتاهم نحو من خمسمائة أهل بيت ، فمات هشام وبيلبيس ألف وخمسمائة أهل بيت من قيس )) .
واستمر توافد قيس على مصر ، ونزولهم بأرضها طول الفترة الباقية من عصر بنى أمية ، وانتهى عهد الدولة بموت
مروان بن محمد وبمصر (( ثلاثة آلاف أهل بيت ، ثم توالدوا وقدم عليهم من البادية من قدم )) .
واستمرت رحلة القبائل العربية وهجرتهم متتابعة متلاحقة ، وخاصة فى عهد الدولة الفاطمية ، ففى خلافة المستنصر الفاطمى عظم شأن القبائل العربية النازلة فى جنوب الشام حول غزة ، وكثرت ثوراتهم ، واشتدت وطأتهم على الولاة (( فبعث الوزير الناصر للدين أبو محمد الحسن بن على البازورى إليهم فى سنة ٤٤٢ ه يستدعيهم وأقطعهم البحيرة . . . فاتسعت أحوالهم ، وفخم أمرهم ، وعظم شأنهم فى أيام الخلفاء الفاطميين )) .
ووفدت فى نفس العهد قبائل اخرى ، غيرأنها ما لبثت أن قامت ببعض الشغب والثورات ، فنقلت الدولة بعضها وخاصة قبيلتى بنى سليم وبنى هلال إلى الوجه القبلى ، وبعد قليل عمل الوزير اليازورى على نقل بنى هلال إلى شمال أفريقية لدأبهم على إثارة الشغب ، ورغبته فى الانتقام من بنى زيرمى الذين خرجوا عن طاعة الفاطميين فى أفريقية .
وقدمت فرق أخرى فى خلافة الفائز الفاطمى ووزارة الصالح طلائع بن رزيك ، ونزلت فى منطقة دمياط والبرلس ، كما نزلت بطون من قبيلة جذام فى منطقة زفتى وميت غمر .
من هذا الإيجاز يتضح أن الهجرات العربية الأولى استقرت فى جهات أسفل الأرض ( الوجه البحرى ) ، فلما ضاقت هذه البلاد بسكانها نزلت القبائل العربية الوافدة ببلاد الصعيد ، وانتشرت فى جميع نواحيه حول أسوان وجنوبها وفى منفلوط وأسيوط والأشمونين وأخميم ، وفى الصحراء الشرقية بين النيل والبحر الأحمر ، وخاصة فى صحراء هيذاب .
وكان العرب فى أول أمرهم جنودا يقومون بالفتوح المجاورة ، أو بالدفاع عن مصر ، وكانت منازلهم فى العاصمة - الفسطاط - أو فى الثفور كدمياط ورشيد
والاسكندرية ، أو على الحدود فى الصحراء ؛ فلما كثر عددهم ، وتوالت هجراتهم اشتغلوا أيضا بالرعى على حافتى الوادى ، ثم لم تلبث أن اجتدبتهم الحياة فى وادى النيل نفسه ، فأقبلوا عليه ، واشتغلوا بالزراعة ، واختلطوا بالأهلين .
وظلت للعرب هذه الصفة-صفة الجندية أو الرعى- حتى كان عهد الخليفة العباسى المعتصم ، وكانت أمه تركية ، فاستكثر من الجند الأتراك فى عاصمة الدولة ، ثم لم يلبث أن أرسل إلى كيدر نصر بن عبد الله ، أمير مصر ( ٢١٧ - ٢١٩ ه ) وأمره (( باسقاط من فى ديوان مصر من العرب ، وقطع أعطياتهم ، ففعل ذلك )) . ومنذ ذلك الحين أصبح جند مصر من العجم والموالى ؛ ولما ولى أحمد بن طولون مصر استكثر من العبيد فى جيشه حتى بلغت عدة جنده زيادة على أربعة وعشرين ألف غلام تركى ، وأربعين ألف أسود ، وسبعة آلاف حر مرتزق .
وبإسقاط العرب من ديوان الجند ، ومنع عطائهم انتشروا فى أنحاء مصر ، وتم اختلاطهم بالأهالى .
أما الأقباط فقد كانوا أكثرية وقت الفتح . يقول المقريزى فى الخطط : (( اعلم (ن (رض مصر لما دخلها المسلمون كانت بأجمعها مشحونة بالنصارى ، وهم على قسمين متباينين فى أجناسهم وعقائدهم : أحدهما أهل الدولة ، وكلهم روم من جند صاحب القسطنطينية ملك الروم ، ورأيهم وديانتهم بأجمعهم ديانة الملكية ، وكانت عدتهم تزيد على ثلثمائة ألف رومى . والقسم الآخر عامة أهل مصر ويقال لهم القبط ، وأنسابهم مختلطة ، لا يكاد يتميز منهم القبطى من الحبشى من النوبى من الإسرائيل الأصل من غيره ، وكلهم بعاقبة ؛ فمنهم كتاب المملكة ، ومنهم التجار والباعة ، ومنهم الأساقفة والقسوس ونحوهم ، ومنهم أهل الفلاحة والزرع ، ومنهم أهل الخدمة والمهنة ، وبينهم وبين الملكية من أهل الدولة من العداوة ما يمنع مناكحتهم
ويوجب قتل بعضهم بعضا )) .
وقد دارت الحروب بين العرب والروم وقت الفتح ، أما القبط فكانوا عونا للعرب . وبعد الفتح كتب عمرو أمانا لبنيامين بطريرك الأقباط ، فخرج من مخبئه فى الصحراء ، وعاد إلى كرسى بطركيته بعد أن غاب عنه ثلاث عشرة سنة . واعتبر الأقباط أهل ذمة ، وفرض على كل من بلغ الحلم ديناران - عدا النساء والصبية والشيوخ - ( وهذا المبلغ يساوى بالعملة الحالية جنيها واحدا وثلاثة وعشرين مليما تبعا لتقدير لين بول الذى يقول بأن الدينار يساوى ١/٢ ٥١١ مليما ، أو ١٢٠ قرشا حسب
تقدير الأمير عمر طوسون الذى يرى أن الدينار يساوى ٦٠ قرشا ) .
وظل الأقباط يدفعون هذه الضريبة دون أى شكوى نحو قرن من الزمان . فلما فكر بعض ولاة مصر فى زيادة مقدار الضريبة ، ولو زيادة طفيفة ، كان الأقباط يقومون بثورات مختلفة ، وكان الولاة يضطرون إلى إخماد هذه الثورات بالقوة والعنف . وسنتتحدث فى مقالنا التالى عن أهم هذه الثورات وأثرها وأثر العوامل المختلفة الأخرى فى إدماج الشعبين العربى والقبطى أحدهما فى الآخر ،
وتكوين الشعب الجديد .

