نحن الآن في مصر يصح أن يسمى عصر التطبيق العلمي فقد أحس الناس أن تقدم العلوم إنما يستغل في الصناعات الكبرى لمصلحة الرأسماليين دون الأفراد العاديين ، فبدأ رجال العلم يفكرون في استغلال كل فكرة حديثة في اختراع جديد يكون فيه لبني الإنسان عون على قضاء حوائجهم أو تسهيل لعمليات صعبة أو مصدر بهجة واستمتاع.
ولعل الدور الذي لعبته الكهرباء في هذا الصدد أهم من أي دور آخر فإلى جانب تطبيقاتها القديمة التي ينعم بها الناس الآن كتسيير عربات الترام وتسهيل الإضاءة بالأنوار الكهربائية والتلغرافات والتليفونات واللاسلكي إلي غير ذلك مما يعرفه الجميع - بدأت الآن اختراعات جديدة تتغلغل في صميم الحياة الخاصة في المنازل والمجتمعات ، فهناك أولا أجهزة الكنس والطبخ وثلاجات الحفظ وما إليها من أساليب علمية تسهل على ربة المنزل عملها وتحافظ على أطعمتها وما تخزن من مواد ، وتوفر لها وقتا طويلا وتكمل لها الراحة والنظافة .
كل ذلك بدأت تظهر آثاره قبل الحرب الحاضرة وسيكون له شأن عظيم بعدها . وقد يكون من أهم الصناعات التي ستنشط بعد الحرب وتدخل في دور عملي عميق الأثر في الحياة العملية وفي الشئون الاجتماعية ، صناعة أجهزة تكييف الهواء ؛ تلك الصناعة التي لم تكمل الأربعين من عمرها وعاجلتها الحرب الحالية وهي على أبواب الظهور ، كبيرة الأمل في أن تذيع بين الناس وتدر على المشتغلين بها أرباحا تعوض عليهم ما صرفوه من جهود وما بذلوه من أموال في البحث والتجريب حتى جعلوا من تلك الفكرة الخيالية حقيقة تطبيقية . وقد عثرنا على مقال ممتع في هذا الموضوع
بإحدى المجلات الأمريكية فآثرنا أن نقتطف منه للقراء بعض معلومات لعلها تلذ القارئ
واصل رجال تلك الصناعة البحث والتجريب واستطاعوا أن يطبقوا نتائج بحوثهم على نطاق محدود في الجهود الحربية كاستخدامها في الأقبية والمخابئ الكبيرة التى تحت الأرض وفي المستشفيات وكذلك في الميادين المدنية كاستخدامها على نطاق ضيق في المعامل والمصانع والمكاتب وفي المستشفيات المدنية لعلاج بعض الامراض، وها هم الآن وقد لاحت في الأفق الأمارات التي تدل على قرب انتهاء هذه الحرب الضروس، أخذوا يضاعفون جهودهم ويعدون العدة ليجهزوا لكل إنسان ما يكفل له الراحة والمتعة ويهيئ له الدفء، في الشتاء، والبرودة التي تلطف له الجو في الصيف في كل مكان إلا العراء.
وبذلك صار للإنسان أن يؤمل أن يظفر بنوم هادئ في حجرته الخاصة نتيجة لتهيؤ الجو الملائم وتحقيقه في كل وقت وعلى الرغم من التقلبات الجوية الطبيعية، كما صار له أن يؤمل بعد سنوات قليلة أن يركب في طريقه إلى محل عمله في وسائل نقل قد أمدت بأجهزة لتكييف الهواء، فإذا ما وصل إلى مكتبه أو مصنعه أو محل عمله أيًّا كان ألفى الجو فيه مستحبا منعشا عما تهيأ له من أسباب التكييف الصناعي . فكأنما الجو قد أصبح تحت سلطان الإنسان يهيئه كيف يشاء، مثله في ذلك كالثوب أو قطعة القماش يصنعه الحائك اللباس الذي يروق لصاحبه.
وإليك طائفة من الأسباب التي تحمل رجال صناعة الجو هذه على التفاؤل والتطلع إلى مستقبل زاهر :
أن وحدات التكييف للغرفة الواحدة المفردة في أي مكان ستكون بعد أن تضع الحرب أوزارها خفيفة الوزن سهلة التركيب تحوي من المواد وتتطلب من العمليات ما اكن استنباطه وتنميته في خلال فترة الحرب .
وهذه الوحدات عبارة عن جهاز في حجم معقول يمكن نقله من عرفة لأخرى فاذا ما اتصل بالبريزة الكهربائية أخذ يؤدي وظيفته فهو في حجمه وفي تنقله يشبه جهاز الراديو العادي .
وقطارات الركاب الجديدة التي ستبنى بعد الحرب ستكون كلها كما يتحدثون مكيفة الهواء كما أن سيارات نقل الركاب عبر القارات وبين الممالك ستعول على تكييف الهواء لتجذب من السياح المتعطشين للسياحة بعد الحرب عددا كبيرا مربحا ويتنبأ الخبراء بأنه قد اقترب الوقت الذي ستكون فيه السيارات العادية وقطارات الركاب التي تسير تحت الأرض ومساريها مجهزة كلها بأجهزة تكييف الهواء .
ويلاحظ كذلك أن المحلات التجارية الكبيرة والفنادق وصالات السينما والمسارح وجميع المؤسسات التجارية التي لم تكن مجهزة بجهازات تكييف الهواء ورأت بعينها كيف يفر منها القاصدون إلى نظائرها ذات الهواء المكيف وأحست بتناقص في إيراداتها عاما بعد عام - كل هذه المؤسسات ، وما أكثر عددها ، تنتظر نهاية الحرب بفارغ الصبر وتتهيأ لتعويض ما فاتها وتركيب الأجهزة التى يجعل من صالاتها وغرفها نمما يجذب الناس ويعينها على منافسة جيرانها واستعادة العدد الكبير من روادها.
بل إن الأسر الصغيرة نفسها ذوات اليسار وطلاب المتعة وعشاق النعيم يتطلعون لأن تتاح لهم الفرص لتر كيب تلك الأجهزة الحديثة في بيوتهم، ولم يقتصر الأمر على المنازل بل إن أصحاب السيارات الخاصة بدءوا يفكرون في الاستفادة من هذا الأثر الجديد للمدنية.
كل هذه الاعتبارات حفزت رجال صناعة تكييف الهواء إلى مضاعفة جهودهم لا للتحسين فحسب وإنما لمواجهة تلك الطلبات التى ستنهال عليهم بكثرة لم يعرف لها مثيل . كما أن رجال البحث أخذوا يدرسون كيفية تركيب تلك
الأجهزة في السيارات بحيث تدار واسطة محركاتها وتتغلغل في أجزائها بصورة لا تضايق الراكبين ولا تؤثر في جمال السيارة بل تزيدها حسنا كما يبحثون في طرق تقليل نفقات الصنع بحيث تصبح محتملة . ويقال إن إحدى الشركات قد توصلت بالفعل إلى جهاز لتكييف الهواء في السيارة تبلغ نفقانه نحو ٢٠٠ دولار أو أقل
وهناك ناحية ثانية من النواحي التي تستهوي رجال الصناعة وتدفعهم إلى استخدام تلك الأجهزة ، ألا وهي أن التحكم في الهواء ، وامتلاك ناصيته وتكييفه حسبما يشتهي الإنسان ، عامل أساسي في المعامل والورش الميكانيكية والمصانع الكبيرة لعمل الآلات الدقيقية . ولذا يلعب تكييف الهواء فيها جميعا دورا لا يقل في أهميته وضرورته عن الأيدي العاملة وكفاءتها والآلات الخاصة التي تبتكر للاستخدام فيها . ولنضرب لذلك أمثلة توضحه :
لكي تضمن تعشيق التروس الكبيرة الهائلة بكيفية تامة دقيقة في مجاميعها المستخدمة في تسيير بواخر نقل البضائع وأمثالها ، لا بد من أن تقطع تلك المجاميع من التروس عند صنعها في درجة حرارة ينبغي أن تظل ثابتة طول مدة إجراء تلك العملية الميكانيكية من أولها إلى آخرها وهي تستغرق نحو أسبوعين كاملين . كذلك المنشآت التى تقام لصنع أنواع معينة من المطاط بالطريقة التركيبية . هذه المنشآت تحتاج لأن تكون درجة الحرارة فيها نحو المائة الفرنهيتية تحت الصفر طول مدة إجراء العملية.
ثم إن التسلط على درجة الحرارة عامل مهم في اختيار أجهزة الراديو ، ذلك لأن صناعها يتحتم عليهم أن يعرفوا إلى أي حد سيقوى الجهاز على احتمال التغيرات الشديدة المفاجئة في درجات الحرارة كالتي تحدث عندما تتوغل الطائرة مصعدة في طبقات الجو العليا ثم تهوى فجأة منحدرة إلى الطبقات السفلى. تلك التغيرات يجب ان يعلم بالضبط أثرها في
الأجهزة وهذا لا يتسنى إلا إذا توفرت للصناع الهيمنة الكبرى على تقليب جو المصنع حسبما يشتهون وبالسرعة التى يريدونها
والآن فلنبحث إذا كان في مقدور صاحب البيت المتوسط الحال أن يتحمل نفقات تكييف هوائه : يقول رجال هذه الصناعة إن ذلك ممكن لا سيما إذا فتح رب الدار بوحدة من وحدات الغرفة المفردة قصد تلطيف الجو في الصيف فقط وتشير الدلائل كلها في الوقت الحاضر إلى أن تلك المستحدثات من الأجهزة التي تلطف الجو وتقلل رطوبته وتنقي الهواء وتصفيه وتجدده ستباع بمبالغ تتراوح بين ٤٠٠،١٧٥ دولار.
ووحدة الحجم من الجهاز اللازمة لتبريد عرفة ما في الصيف ، بحيث تكون درجة الحرارة فيها ممتعة تشع البهجة في نفوس الجالسين فيها ، تتوقف على عوامل ، كموقع الغرفة في البيت وكعدد ، ما بها من نوافذ وعدد الأشخاص الذين يستخدمونها. وعند رجال الصناعة قاعدة سهلة يقدرون بها أن الوحدة التي تتكلف ٢٠٠ دولار تناسب كل ١٥٠ قدما مربعة من المساحة الأرضية.
أما تكاليف إدارة هذه الوحدة للغرفة المفردة فتبلغ ما بين أربعة دولارات وسبعة في الشهر ، وهذا بالطبع يستمر لمدة أشهر الصيف وحدها ، وقد يقل إذا استغنى عن استخدامها في بعض أيام الأسبوع .
وأما تكييف الهواء في المنزل طول العام كله فمسألة أخرى ، لأن الأمر لا يقتصر هنا على تلطيف الجو في فصل الصيف كما قدمنا ، وإنما يتناول أيضا التحكم في الجو بحيث يمكن بعث الحرارة والرطوبة في الهواء خلال الشتاء . والشعور العام السائد عند رجال هذه الصناعة هو أن ما سيبنى من بيوت جديدة بعد الحرب سيقيم أصحابها فيها مثل هذه الأجهزة . وقد كانت إحدى الشركات قد أعدت مثل هذه الأجهزة بالفعل قبيل الحرب ، ويعتقد موظفوها
أن تكييف الهواء في البيت طول العام كما تقدم سيتكلف أقل من ١٥٠٠ دولار ، وهم يقدرون استخدام مثل هذه الأجهزة في معظم المنازل التي ستبنى بعد الحرب وتبلغ تكاليف إنشائها ما يربو على ٨٥٠٠ دولار .
كما يروى أن تكييف الهواء في المحل التجاري الصغير يتكلف من ٤٠٠ إلى ٥٠٠ دولار بينما تتكلف صالة السينما الكبيرة من خمسين إلى مائة ألف من الدولارات تبعا لعدد المقاعد فيها والحيز الذي يشغله كل واحد من هذه المقاعد.
بقي علينا أن نشير إلى ماهية تكييف الهواء هذا وكيف يحدث ؟
التكييف هو التسلط على حيز محدود مقفل من الهواء بحيث يتمكن الإنسان من التحكم في درجة حرارته وفي مقدار الرطوبة التي فيه وفي نقاوة هوائه وتوزيعه . فالتخلص من الحرارة مثلا يتم بواسطة إدخال تيار من الهواء إلى تلك المساحة له من البرودة ما يكفي لامتصاص الحرارة التي في الجدران والحرارة التي تبعثها الأنوار وما يصبه الحاضرون في الغرفة من حرارة تنبعث من زفيرهم وتشع من أجسامهم . ويتم تبريد الهواء الداخل عن طريقين : إما بإمراره على نافورة من الماء البارد أو على سطح معدني بارد أيضا يكون في العادة على هيئة أنابيب . وكلتا الطريقتين مستخدمة في الوقت الحاضر ، وإن كانت الثانية أفضل وفي كلتا الحالتين يجب التخلص من الحرارة التي يمتصها الماء في الأولى والمعدن في الثانية باستمرار حتى يطرد امتصاصها للحرارة .
وأما تسخين الهواء وتنقيته وتحديد درجة الرطوبة فيه فتحتاج كلها لإجراءات خاصة بعضها معقد . ولعلنا نستطيع أن نوافي القراء في فرصة أخرى ببيانات عنها ، وبتفصيل فني أوفى للعملية كلها ونتناول ما ينتظر أن يكون لهذا التكييف من مستقبل وأثر في مصر بصفة خاصة .

