هينريش هينه " Heinrich Heineكاتب هذه القصة شاعر يقف على عتبة الشعر الألماني الحديث ، وإن عاصر جيته Guethe وناثر ملك ناصية الألمعية ، فأسلست له القياد ، وبوأته الصدارة في عصره . اتسم أسلوبه بالفكاهة والرشاقة والسخر ؛ يحركه الحب المستعر والحماسة المتقدة . ويحركه السخر السام والتهكم اللاذع من أعمق الأعماق .
تخالط مشاعره الصميمة أحيانا نغمة دميمة ، أحب ألمانيا وطنه وأبغضها معا ، وعاش على معاش من الحكومة الفرنسية فهو في نظر البعض موضع إعجاب يرفعه إلى عليين ، وفي نظر البعض الآخر وصمة في جبين . ولد سنة ١٧٩٩ في دسلدورف من اسرة يهودية ، وتنصر بعد ذلك ومات سنة ١٨٠٦ .
في هذه اللحظة استيقظت المريضة ، فتطلعت إلي الصديق عيناها الحنونان ، الزرقاوان وكأنهما ترنوان من أعماق حلم تسألان وترجوان . . قالت بذلك الصوت الناعم الذي تسمعه للمصدور فيرعشك : فيم كنت تفكر الآن يا مكمليان ؟ وهو سوت تسمع فيه نغية الطفل ، وتغريدة الطير ؟ وتسمع فيه مع ذلك حشرجة الموت في صدر المحتضر فيم كنت تفكر الآن يا مكمليان ؟ وهبت من ضجعتها وقد عاودت السؤال ، فتلوت خصلتها الطويلة حول رأسها كأفاع من عسجد مسها الروع .
فصاح مكمليان : " بربك ! " وردها على الأريكة في رفق ، ابقى مضطجعة حيث انت ، وامسكى عن الكلام سأقول لك كل شئ ، كل شئ افكر فيه وأشعر به ، بل سأقول لك ما لست أعرفه
ثم استطرد يقول : وفي الحق أني لا أدرك تماما ما أفكر فيه وما اشعر به . صور من طفولتي تمر بخاطري غائمة مبهمة : فهناك قصر امي وحديقته المهجورة ، وهناك تمثال الرخام الجميل الملقى فوق العشب . وقد قلت " قصر امي " فلا تتصوري بالله شيئا فخما تحف به الروعة ؛ فقد اعتدت هذه
التسمية وقد كان أبي يوكد كلمة " القصر " توكيدا خاصا ، ويبتسم لهذا التوكيد ابتساما غريبا . فلما تقدمت بي الأيام أدركت معنى هذا الابتسام ، وكنت إذ ذاك غلاما في الثانية عشرة أسافر وأمي إلي القصر . وكان سفري هذا هو الأول ؛ لبثنا فيه طول النهار نقطع الغابة الكثيفة ،
وترتسم في ذاكرتي ملاجئها المظلمة . وعند المساء وقفنا بعارضة أفقية تعترض الطريق إلي مرعي فسيح ، فمكثنا نصف ساعة ننتظر قبل ان يأتينا الولد من الكوخ القريب ويرفع الحاجز ويدخلنا . وأقول " الولد " لأنه هكذا تنادي العجوز مارنا ابن اخيها البالغ من العمر الاربعين .
وقد تركنا ننتظر هذا الوقت الطويل لأنه لم يشأ أن يستقبل سادته إلا بما يليق ، فذهب يرتدي بذلة التابع التى لخاله المتوفي ؛ وإذ كان يعلوها الغبار فقد جعل ينفض عنها غبارها قبل أن يرتديها . ولولا أننا لم نمهله للبس جوربيه كذلك ، وهكذا ظلت ساقاه العاريتان المديدتان الحمراوان ، وليس بينهما وبين سترته القرمزية الفانية من تباين يذكر . هذا إلى انى لم أدر انئذ هل كان يرتدي تحت سترته سراويل ؟ ! ولما قادنا " الولد " إلى بناء صغير متهدم ،
استغرب خادمنا يوحنا ان يكون هذا هو القصر الذي كان يسكنه والدي المرحوم ، وقد طالما سمع معنا عنه . وإذ تأمره امي ان يذهب فيأتي بفرش النوم يسقط في يده ؟ فكيف يتصور أن ليس في القصر فرش للنوم ، وهو إما انه لم يسمع بتاتا ما امرته به امي عند السفر من ان يحضر معه فرشا ، وإما أنه وجد أن لا ضرورة للتعب فلم يصدع بالأمر
وكان البيت الصغير المؤلف من طبقة واحدة يحتوي أيام عزه الغابر على خمس غرف صالحة للسكني ؛ أما اليوم فهو صورة حزينة من صور الماضي : أثاث محطم ، وطنافس مهلهلة ، والواح من الزجاج لم يسلم واحد منها من العطب ، وأرض المكان منزوعة هنا وهاهنا ، وفي كل مكان آثار سيئة لما كان من بغي الجند وعدوانهم . وقال الولد وعلي
وجهه ابتسام الغباء : لقد كان نزول الجند عندنا مسليا جدا
لكنه لما أشارت أمى بأن ندعها وحدها ، خرج الولد مع يوحنا لأعمالهما وذهبت أنا إلي الحديقة أعاينها ، فإذا هي أيضا صورة لخراب عديم العزاء فالاشجار الكبرى أما مقطعة الأوصال ، وإنما مطاحة بعلو جذوعها الملقاة نبات طاغ ، وكأنه يسخر منها . وقد نمت الأدغال هنا وهاهنا فوق ما كان من مسالك ؛ وهنا وهاهنا تماثيل قائمة طاحت رؤوس معظمها ، أو جدعت انوفها على الأقل ؛ ومن بينها تمثال لديانا غطى الحلبلاب المتسلق نصفها الأسفل في أهزء صورة ، وتمثال آخر لإلهة الوفرة والخصوبة قد ازهر على قرنه نجيل كريه الرائحة ؛ إلا تمثالا لا أعلم كيف سلم من يد الإنسان والزمان ، قد ألقى عن قاعدته على العشب فظل ملقي هناك لم يمسه سوء ؛ تمثال إلهة من الرخام ذات نسمات صافية بديعة ، وصدر نبيل بارز الثديين ، يتجلي من بين العشب النامي كما تتجلى رؤي الإغريق وقد كدت ارتاح حين رأيته ، إذ سرت إلي منه هيبة غريبة قابضة ، وأقصتني عن منظره الظريف غباوة خفية .
كانت أمي حين عدت إليها واقفة بالنافذة ، غارقة في الفكر ، يعتمد رأسها على ذراعها اليمنى ، وتجري دموعها من دون انقطاع على خديها ؛ ولم أكن رأيتها تبكي هكذا من قبل فضمتني إلى صدرها في حنان ولهفة ،
ورجتني الصفح أن حرمني إهمال يوحنا من فراش انام عليه قالت : " ومارنا العجوز تشتد عليها وطأة المرض فلا تستطيع يابني ان تنزل لك عن فراشها ، على ان يوحنا سيحضر لك وسائد المركبة بعدها لمضجعك ، وسيجعل معطفه غطاء لك . أما أنا فسأنام هنا على القش ، فهذه حجرة ابى المرحوم ، وكانت قبلا ذات رواء . والآن دعني وحدي وتفجر من عينيها الدمع اغزر من ذي قبل .
فهل كان المضجع الذي لم ألف ، أم الفؤاد الذي
هاجه الشجن ، هو ما أطار عن جفني النوم ؟ كانت أشعة القمر تنفذ رأسا من الألواح الزجاجية المحطمة ، وكانها تستهوينى إلي الخروج إلي ليل الصيف الزاهي . وقد تقلبت فوق فراشى على الجنبين ، وقد اغمضت عيني ، ثم عدت أفتحهما تبرما ، فما كانت لتفارقني صورة التمثال الرخامي الجميل ، أو ينقطع تفكيري فيه ، ولم استطع تفسير الغباوة التي تملكتني لمرآه ! وقد غاظني هذا الشعور السخيف ، وقلت اخاطب نفسى في خفوت : غدا نقبلك أيها الوجه الرخامي الجميل ، ونقبلك من ذلك الفم الذي تضامت شفتاه عن ثغر في اظرف تكوين ! وتولاني قلق لم أحس مثله قط ، سري في جميع اعضائي فلم اعد اقوى على مغالبة الدافع الغريب الذي كان يدفعني . فوثبت اخيرا من فراشي ، والشجاعة الجريئة تتملكني ، وقلت : سأقبلك الليلة ايها التمثال العزيز فليس هذا بضائري .
وتركت البيت مخافتا حتى لا تسمع امي خطاي ؟ وسهل على ذلك ان مدخل البيت ، وإن زود بلوحة كبيرة تحمل شارة الأسرة ، كان خلوا من الأبواب . وجعلت أتحسس طريقي متعجلا بين عرائش النبات في الحديقة المهجورة ،
والسكون شامل ، والرهبة سارية ، وضوء القمر الساجي يغمر المكان . وقد كانت ظلال الأشجار كأنها مسمرة فوق الأرض ؛ كذلك كانت الإلهة الحسناء مستلقية فوق العشب الأخضر بلا حراك . لكن الذي قيد حركتها لم يكن ، فيما بدا لي ، موات الحجر بل سكون الكري .
فلما اقتربت منها خشيت حقا ان يوقظها اخفت صوت فترفع جفنيها ، فحبست أنفاسي حين انحنيت عليها أتملى قسمات وجهها الجميل ؛ ثم صدني عنها وجل سري في ضلوعى ؛ لكني عدت فردتني إليها شهوة طفلية خفق لها فؤادي ، كما لو كنت مقدما على جريمة قتل ! وأخيرا قبلت الإلهة الحسناء ، بحرقة وحنو وبأس ، كما لم اقبل في حياتي . وإن أنس لا أنس هذا الإحساس المرعب الحلو
الذي استولي على حين مست فمي برودة الشفتين الرخاميتين تشعرني الهناء
وسافرنا في اليوم التالي ، ولم أر التمثال الظريف بعد ذلك لكنه لبث سنوات اربعا يشغل قلبي ، وبات يفعم نفسي في ذلك اليوم شغف بالتماثيل الرخامية عجيب ، فأنا إلي هذا الصباح أشعر بجاذبيتها القوية ، فقد جئت من لورتزيانا ، مكتبة آل مدسيس ؟ ووقعت ، ولا ادري كيف وقعت ، على المصلي الذي اتخذت لها فيه هذه الأسرة الإيطالية المجيدة مضجعا من الحجارة الكريمة نامت عليه ملء الجفون ! هناك في هذا المصلي لبثت ساعة كاملة
أطيل التأمل في تمثال رخامي لامرأة ، يشهد تكوينه الجثماني القوي بقدرة ميكائيل انجلو وجرأته ، بينا شخص التمثال ترف حوله حلاوة اثيرية ليس من عادة المرء أن يطلبها عند هذا المعلم . هذا الرخام قد احتبس دولة الإحلام بكل ما فيها من غبطة ساكنة ؛ وفي هذه الأعضاء البديعة سكن هدوء حنون ، وبدا ضوء القمر الملطف وكأنه يسري في العروق . . هذه ليلة ميكائيل انجلو بوناروتي ألا ليتني استطيع ان انام نومتي الابدية بين ذراعي هذه الليلة
واستطرد مكمليان بعد هنيهة يقول : لقد كانت رسوم النساء دائما اقل تأثيرا في نفسي من التماثيل . لكني شغفت مرة بلوحة حبا ، وكانت لعذراء بارعة الجمال عرفتها في كنيسة بمدينة كولونيا علي نهر الرين . كنت إذ ذاك من رواد الكنائس المواظبين ، وكانت نفسي مدلهة بروحانيات الكثلكة ، قمينة بأن تجاهد كفارس من الآسبان ،
طيلة الزمان ، في سبيل مريم ملكة الملائكة ، واجمل سيدة في السماء والأرض ، وان تجعل من جهادها مسألة حياة أو موت ! كنت أهتم إذ ذاك بالعائلة المقدسة جمعاء ، وكنت أرفع قبعتي هاشا كلما مررت بصورة للقديس
يوسف . بيد ان هذه الحال لم تدم طويلا ، فقد انصرفت فجأة و " من دون انذار " عن " الأم " حين تعرفت في متحف للفن القديم بحورية يونانية قيدتني باصفادها الرخامية زمنا طويلا
وتضاحكت ماري قائلة : وحبك للنساء المنحوتات أم المرسومات ؟
قال مكمليان : لقد أحببت منهن أيضا من مات ! وانتشر على وجهه شجن عظيم ، ولم يلحظ ان ماري ارتاعت لهذه الكلمات ، فمضى يقول في هدوء :
من أغرب ما كان أنى أحببت فتاة بعد أن ماتت بسبع سنوات ؛ فحينما تعرفت بفيري الصغيرة راقتني كثيرا ،
ووقعت من نفسي موقعا حسنا . ظللت ثلاثة أيام مشغولا بها أحس الهناء كاملا في كل ما تفعل وما تقول ، وفي كل تعبير لكيانها الفاتن العجيب ؛ وانا في كل هذا لا تشط بي النفس ولا تسرف في الحنان . وكذلك حين علمت بعد هذا بأشهر أنها توفيت فجأة من حمى في الأعصاب ، لم يروعني الخبر ترويعا شديدا ، ولم يهزني من الأعماق ؛ وقد نسيتها نسيانا تاما ، وأنا مقتنع بأنني لم أفكر فيها مرة لعدة سنين ! حتى إذا مضت سبع سنوات كاملة على الوفاة ، وكنت يوما في بوتسدام أنعم بالصيف الجميل في وحدة مسترسلة دون إزعاج ، لا اختلط بأحد ، ولا يعدو تطوافى التماثيل الموجودة في حديقة سان سوسي sansouci حدث أن تذكرت ملامح وجه ،
وأسلوبا في الحديث والحركة متناهيا في اللطف ، دون أن اتذكر لمن هذه الملامح وهذا الأسلوب . وليس يعذب كالتنقيب في الذكريات القديمة عن شئ مفقود .
ومن ثم شد ما سرني ان فوجئت بتذكر فيري الصغيرة ، وان تبينت ان ما كان يقلقنى ويداعب ذا كرتي ، إنما هو وجهها الحبيب المنسى . وقد اغتبطت بهذا الا كتشاف شأن من يلقي صديقا حميما على حين غفلة بعد طول الغياب .
فجعلت الألوان الباهتة نزهو شيئا فشيئا ، وأخيرا تمثلت الإنسانية الصغيرة الحلوة لناظري لحما ودما ، تبتسم ، وتعبس ، وتتندر ، وتبدو اجمل من ذي قبل . من ذلك الحين لازمتني هذه الصورة الظريفة ولم تتركني ، ملأت حنايا النفس ، فحيث كنت ووقفت وقفت ، وكانت إلي جانبي تتحدث إلي وتضحك معى في غير ما ضير ، ومن دون غلو في الحنو . أما أنا فازددت مع الأيام افتتنانا بالصورة ، وازدادت الصورة كل يوم تحققا في ناظري .
ومن السهل أن تستحضر الأرواح ، لكنه من العب ان تردها إلي عدمها البهيم ؛ فإنها لتنظر إلينا عندئذ متوسلة فتكون قلوبنا لها اقوى شفيع . . وقد تعذر على التخلص من قبري فأحببتها بعد موتها بسبع سنين . وقضيت في بوتسدام ستة اشهر غارقا في هذا الحب . وعظمت عنايتي بتجنب الناس عن ذي قبل ، فإذا
مر أحد في الطريق قريبا مني ، احسست اشد الضيق ؟ وبات يحدوني من كل لقاء مثل الهيبة التي تحدو ارواح الموتى الهائمة بالليل ؛ فإنهم يقولون إن هذه الأرواح إذا لاقت حيا نفرت منه كما ينفر الحي من الشبح . واتفق أن جاء بوتسدام سائح لم يكن مناص من ملاقاته لأنه شقيقى . فحين رأيته وسمعت منه ما وقع من حوادث الأيام الفائتة تنبهت كما يتنبه النائم من حلم طاغ ، وشعرت فجأة ، وانا مذعور ، مبلغ الوحدة التى كانت تطويني ؛ فقد مرت بي فصول السنة فلم ألحظ تغيرها ، ولم افطن إلى الشجر الذي تساقط ورقه من امد ، واكتسي بنضج الخريف ، فرعيته عندئذ متعجبا . وبارحت بوتسدام على الآثر ، وودعت فيها فيري الصغيرة . وفي مدينة اخري كانت تنتظرني فيها اعمال هامة ، انخرطت بظروفى وصلاتي
الوثيقة في سلك الحقيقة الجافة .

