كثيرا ما اتهمنا المصريين بأنهم يهملون الأدب السوري ، أو ادب جيرانهم قصدا ، بينما جيرانهم يثابرون على قراءة الأدب المصري ودراسته تباعا . ولعل هذه الشكوي هي على حق ، ولكن نصيبنا منها لا يقل عن نصيب إخواننا المصريين ؛ فالأدباء ، السوريون الذين يكتبون في الصحف المصرية ومجلاتها كثيرون ، وهذه الصحف تفتح لهم الأعمدة الطوال لنقل أفكارهم ونشر أدبهم إذا جمع الجودة وحسن الأداء . ولعل كثيرين من الأدباء السوريين يعرفهم القراء كأدباء مصريين ، وما ذلك إلا لكثرة ما انتجوه وأخرجوه إلى الناس . ولكن هذا كله لا يكف اللوم عن إخواننا المصريين الذين يضنون علينا - بالفراغ القصير من أوقاتهم - ليتناولوا آثارنا الأدبية كما نتناول آثارهم الأدبية ، والعين النائية أصدق تشخيصا من العين النائية ، وليس ادبنا السوري بضعيف القيمة ولاغث النتاج ، بل يجسده اديب كبير كالدكتور محمد مندور ادبا حيا بحق اتباعه ، ورايناه يخصص لدراسته
في مجلة الثقافة ثم في كتابه ( الميزان الجديد ) صفحات مشكورات ، وإن كان ما قصده منها الأدب المهجري ، وما كان ادباء المهجر إلا سوريين بعواطفهم وافكارهم ، وما وجدنا اديبا مصريا سبق له من قبل ان عالج موضوع الأدب السوري الذي لا ينكر غدا خطره وأثره في أدبنا المعاصر .
إنني عزمت أن أحمل الأدب السوري إلي مصر - كما وعدت أستاذنا الكبير أحمد أمين - وشاء هو لي أن أكون واسطة هذا الأمر . ولكنا على رغم ذلك سيبقى احتجاجنا ولن تخفف منه ، لأننا نطلب إلي الأدباء المصريين أن يحفلوا بأدبنا حفلهم بأدبهم ، ولا أظن أنهم يخسرون شيئا .
المعرى ذلك المجهول
بقلم الأستاذ عبد الله العلايلي
من منشورات مجلة الأديب الأستاذ العلايلي صديق لي ، وصديق قديم . وقد يظن القارئ أن كتابة صديق عن صديق يسيرة جدا ،
لأن هذه المعرفة تساعد علي تحليل الكاتب وتفسير مراميه ، وهذا صحيح ، إلا ان الكتابة هي اعسر مما يظن ، لأن الناقد الحقيقي يتوخي الصدق والصراحة في نقده ، ويخشى أن تضعف جوانب الصدق من هذه الصراحة بمقدار ما .
ولكني مقدم هذا الكتاب الذي قدمته في طليعة منشوراتها مجلة الآدب التي وصفها الأستاذ أحمد أمين " بأن دم الشباب يجري في عروقها " ، ولا أجد وصفا خيرا منه فيها . وليس هذا الكتاب أولى بوادر الأستاذ العلايلي الذي سبق عمره بفكره الناضج . وقد عرف مصر ونشأ فيها واستقي من عقلها وقلبها . ونشر فيها كتابه القيم " مقدمة لدرس لغه العرب " وقد شاء الآن ان يساهم في دراسة المعري . . المعري المجهول . فأقدم عليه من ناحية مجهولة غريبة ، أراد أن يكون سابقا فيها " فلم يجئ كتابه ترجمة حياة في حدودها من السعة أو الضيق ، وإنما هو ترجمة فكر فقط " ترجمة يريد صاحبها أن يخضعها لطريقته برغم اعترافه أن العبقرية تتمرد على الطريقة . " وربما كانت الطريقة أهم نواحي العبقرية فيما تهدت إليه " وعندي أن العبقرية لاتكون طريقة حين تكون ، لأنها كالسيل المنهمر ، لا يعرف الرائي إلي اين تتراي حدوده ، وإلى أين تتقاذف . حتى إذا أعطي ما عنده قامت حدوده . وعند حدوده تقف طريقته الثابتة . نحن نبحث عن الطريقة في العبقري . والعبقري نفسه لا يبحث إلا عن عبقريته .
وهو على ضوء الطريقة يريد ان يقدم المعري باكتشاف طريقته.
يجد صاحب المعري ذلك المجهول " ان المعري في بداءته يحيا في عالم لغوي من كل اقطاره ، مثل الرياضي الذي يسبح في عالم لانهائي من الأعداد . يحيا في العدد ، ويحيا فيه العدد ، والمعري ليس يشهد سوى صور الالفاظ كما يفترضها ، وهي تحيا فيه ويحيا فيها . فيطمئن ويغتبط ، وتشوقه كثيرا ، فيستلذها ويتذوقها ، وفي الحق ان المعري
ولد فيه إحساس غريب باللغة ، وشغلته اللغة كثيرا في كل ما ألف ، كأن الألفاظ صواحب عنده ، قد جاورته في التفكير والإحساس والحرص . وعلم النفس لاينكر ما تولده اللفظة الواحدة - عند موقعها - من فكرة أوفكرات .
بل ربما أراد التاريخ أن يدرس أمة من خلال ألفاظها الدفينة . " ولذلك يري أن إيمان المعري بالقيمة اللغوية رده ردا عنيفا إلي طلب حل اللغز في اللغة " . وهنا يضع المؤلف الكل اللغوي في المعري مقابل الكل العددى في الرياضي ، ليوازن بينهما في تحليل اسرار الكون ، ويعد الموازنة تصبح نظرية المعرفة عنده: اللتأمل الخالص على منهج لغوي ، ومنطق التوحد الفلسفي : الاحسان في استخدام الاشتقاق ، وإدراك تعاشق الألفاظ . ولا ادري كلمة لها مثل هذا الوقع في إدراك الجمال البياني من هذا التعاشق ! ولكن هل يصح أمر هذا الاكتشاف عند المعري ؟ .
وعند ذلك يصبح مدلول اللغة أوسع مما نريده ، لأنه لا يغدو كساء ظاهرا لرحيق الأدب كما يتوهمه بعضهم . " بل تغدو اللغة في حقيقتها استحالات لرجفات الذات وخلجات الحي ، والفاظها تحمل نبضات حية مؤثرة ، وإرادة فاعلة " ويمضى المؤلف على ضوء هذه الطريقة مستكملا دراسة آثار المعري في لمحات جديدة بعيدة ، حتى يصل إلى اقتناعه بأن المعري فكرة جديدة ، وفلسفة جديدة ، ومنطق جديد .
هذا هو بناء الكتاب . ولعل المأخذ الوحيد الذي يمسك به المؤلف هو " تكثيفه الأفكار " إلي درجة تبلغ الغموض احيانا ، ولعل وضوحها عنده إلى درجة التكشف حمله على هذا الغموض الذي لا يحسه إلا القارئ ،
عقل قوي ، وبيان يشده اسلوب حي .
