الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 266الرجوع إلى "الثقافة"

تنظيم الأسرة العالمية

Share

اختلفت الأمم المتحاربة في نوع التنظيم الذي يقترح للعالم الجديد فأساس هذا التنظيم الجديد عند النازيين تقسيم العالم إلى وحدات إنتاجية تتزعمها الوحدة الأوربية . أما الوحدات الأخري فترتب درجات بعضها فوق بعض وفقا لمبادئ العنصرية وترتيب الأجناس التي أوردها هتلر في كتابه كفاحي . وفي داخل الوحدة الأوربية تتعدد ألمانيا وتحتضن مجالها الحيوي فيتحقق الرابح الكبير الذي يزعم الوحدة الأوربية ويرتب لها درجات من حيث السيادة فيقرر تبعيتها له أو حمايته عليها أو رقابته على شئونها فتتراوح بذالك دول الوحدة ما بين دولة تابعة ودولة محمية ودولة شبه مستقلة ؛ على أن كلا من هذه الدول يحتفظ بشخصيته الدولية لان النظام النازي لا يريد اندماجا بين الدول بل ترتيبا رأسيا لها وهذا الوضع العالمي يوري بطبيعته نوع العلاقات التي تنشأ في ظلاله فالرابح هو الذي يوجه شئون العالم بحكم سيادة الجنس الجرماني ولكي يكمل الطاعة والخضوع لهذا التوجيه الصادر من إرادته المفردة

يحتكر صناعة السلاح والذخيرة وسائر معدات القتال فلا يحمل لأي دولة مكنة صناعة أي نوع منها وإنما يقوم هو بتوزيع أقدار منه على الوحدات العالمية المختلفة وهي الدول المندمجة فيها . وجلي أنه ليس الغرض من هذا السلاح الذي يوزع على الدول جمعيا إلا تخصيصه لوظيفة البوليس الوطني فلا صلة له البتة بالعلاقات الدولية لأن الرابح هو الحكم الأعلى فيما يثور بين دول العالم من منازعات . على حكمه وينفذه ولا معقب عليه ولا رقيب وهذا الدور الأعلى الذي يلعبه الرابح في الشئون السياسية في العالم هو ذاته الذي يقوم به في العلاقات الاقتصادية فالرابح حريص على أن يكون ويظل موضع أضخم بيوت الصناعة الثقيلة ، ولهذا يوقف التحول الصناعي الكبير في أية دولة أخرى ويضع  نظاما عاليا للتخصص الإنتاجي في أصوله وفروعه ويمد هو كل دولة بما يراه كافيا لها من المنتجات الصناعية الثقيلة. وأما ما يحتاج إليه الرابح من الخارج فهو المواد الأولية والمنتجات الغذائية ويفرض على الدول الغنية بها النسب التى

تلتزم بتقديمها إليه طبقا لمقادير انتاجها . ويصبح الرابح مارك العملة الاساسية في العالم وتربط به سائر العملات الأخرى .

هذا هو التنظيم الجديد الذي يبشر به النازي وعليه نزعة التسيطر النازية وتحوطه بشراستها المعروفة فلا يفترق كثيرا عن الإمبراطوريات البائدة في اتخاذ القهر والعسكرية أساسا للعلاقات الدولية وفي تسخير الدول الأجنبية للانتاج اللازم للرابح . فهذا التنظيم اساسه ان لا حرية للشعوب ولا حرية للأفراد ، وإنما يخضع اولئك كما يخضع هؤلاء للتنظيم عسكري صارم ليس فيه إلا السخرة والطاعة العمياء والخضوع الذليل وإذا كان احتكار الرابح للسلاح كفيلا على ما يزعمون يتبع الحروب ، فهو في الحق كفيل بذلك فقط في الفترة التي تتأهب فيها الشعوب وتتحفز لتوجه إليه الضربة التي تصدعه وتصرعه ويومئذ لن تقف في وجه قوة الشعوب وإرادتها أسلحة الحرب ومعداتها

وهناك أخير : الاتجاه السوفيتي ، أو بعبارة أدق التنظيم الإشتراكي للعالم وهو تنظيم يقوم على فلسفة كارل ماركس

والنظام الاتحادي السوفيتي صورة مصغرة لوضع عالمي تعمل روسيا لتحقيقه . وهذه الصورة وإن كانت مصغرة إلا أنها عظيمة الأهمية جديرة بالإعتبار إذ أن لروسيا تشمل نصف إقليم أوربا وثلث إقليم آسيا وتضم هي ومثيلاتها نحو سدس الإنسانية.

والاتحاد السوفيتي الذي يراه الاشتراكيون صورة مثلى مصغرة لعالم الغد يتكون من ست عشرة جمهورية كانت إحداها أو كبراها ، وهي جمهورية روسيا ، إمبراطورية تستعمر باقي الأقاليم على عهد القياصرة . فلما انبثقت الثورة الاشتراكية في نوفمبر سنة ١٩١٧ أصدر مجلس السوفييت الأعلى إعلان حقوق الشعوب الروسية مقررا استغلال جميع شعوب الروسية وتقرير مصيرها والمساواة التامة بينها. وعندما استقرت الأحوال العسكرية والدولية سنة ١٩٢٢ انعقد في مسكو أول مجلس سوفيتي يضم مندوبين عن جميع الشعوب التي تتكون منها الامبراطورية الروسية وتقرر بإجماع الآراء تأسيس اتخاد الجمهوريات الاشتراكية

السوفييتية مع تحويل كل جمهورية حق الانفصال عنه . وكان هذا النظام اساس دستور سنة ١٩٢٤ ، ثم دستور سنة ١٩٣٦ المعروف بدستور ستالين ، فقد نصت الماده ١٣ منه على ان " اتحاد الجمهوريات الاشتراكية دولة اتحادية تأسست على قاعدة الاتحاد القبول قبولا حرأ مختارا من جمهوريات متساوية الحقوق ، ونصت المادة ١٧ علي أن تحتفظ كل جمهورية متحدة بحق الانفصال باختيارها عن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية وهكذا لما تملكت الدولة وسائل الإنتاج صار المواطنون جميعا طبقة عاملة واحدة متماسكه متراصة تعمل للخير العام . وهذا الوضع هو الذي يدعو الاشتراكيون إلي تحقيقة في صورة أكمل تشمل العالم بأسره

لا شك أن الإخاء الإنساني ان يصبح حقيقة لها قداستها إلا إذا أقيم صرح عالي جديد مؤسس علي قواعد وعقيدة تكفل له البقاء متماسكا ثابتا قويا ولا جدال في أنه لن يتيسر تشييد هذا الصرح ما ظل هذا العدد الوفير من الدول فانما وكل منها يدعي لنفسه سيادة مطلقة تتيح له التصرف وفق صوالحه الخاصة ، لا بالانساق مع مصالح المجتمع العالمي كله وفي هذا المعني يقول المفكر السياسي المعروف laski  في كتابه liberty in modern state " لقد علمتنا تجربة عصبة الأمم أن أي تنظيم دولي لا يمكن أن ينجح طالما حرصت كل دولة على سيادتها الكاملة ، إذ مؤدي هذه السيادة أن لكل دولة أن تحصل مصلاحتها الخاصة قانونا لها ، وكما أن التطور الإنساني يحرم على الفرد داخل المجتمع الإنساني الذي ينتمي إليه أن يجعل القانون بين يديه ، فهو أيضا يحرمه على الدولة في المجتمع العالي وفي الحق أن الوحدات السياسية التي لا حصر لها ، والتي يفرغ كل منها في قالب دولة يلقي في وهمها انها ذات سيادة . هذه الوحدات أمر شاذ على الطبيعة الإنسانية يؤدي إلى خلق مشاكل اقتصادية وسياسية ، لما بين هذه الوحدات من تنافس في المصالح وتعارض في الخطط في حين أن مصالح الشعوب

متداخلة مترابطة لا يمكن الفصل بينها بحدود واضحة تقابل هذه الحدود المصطنعة بين الدول . ومن هنا ينشأ التعارض بين المصالح الإنسانية ، ويؤدي إلي أن تسيطر الدول الكبيرة على الدول الصغيرة وتداخلها في مناطق نفوذها وتغلب فيها مصالحها الاقتصادية ، فتصبح السيادة المزعومة وهما من الأوهام . كما يسهل على أي دولة قوية أن تلتهم الدول الصغيرة واحدة إثر الاخري دون أن تجابها وحدة قوية منها تجبرها على احترام حريات الشعوب وفي عالم مثل هذا تري كل دولة نفسها مدفوعة إلي التسلح ناهيا لأي عدوان محتمل ، فتنشأ حالة نفسية قلقة مضطرية ، لا تجد لها علاجا إلا الحرب . وهكذا يصبح العالم والاضطراب يسوده دائما ، والحرب تعاوده في دورات شبيه بالدورات الاقتصادية . ولا سبيل إلي وضع حد لهذه الحال النعمة التي تعالي البشرية مرارتها إلا بإقرار نظام عالمي موحد ، غير أنه ليس من الميسور للعالم أن يظفر من حالة التمزق التي هو عليها الآن إلي حال إتحاد شامل ينتظم كل شعوب الدنيا ، فهذا أمر يكاد يكون مستحيلا . ثم إنه لو تحقق لأصبح الاتحاد الوليد عرضه للتصدع والانهيار لدي أول تعارض أو احتكاك يطرأ فيه . إنما الطريق المنطقي والعمل لانشاء نظام عالي متين هو خلق هيئة عليا تملك أن تحافظ على هذا النظام وتقدر أن تصونه بأن يحول لها من السلطان والقوة ما يمنحها الحق في أن تملى إرادتها ، ويجعل لها القدرة على أن تنفذ ما تملي وإنشاء مثل هذه الهيئة يتحقق باقتطاع شطر من سيادة كل دولة بحيث تخضع جميعا لقرارات تلك الهيئة مستشعرة قدرتها على تنفيذها وقوتها على إلزامها بالرضوخ لها . بغية تحقيق الخير الانساني العام . وتطبيقا لذلك تتجمع القوميات المتشابهة في اتحادات لا تتجاوز أصابع اليدين ، ولا يكون هذا التجمع خيارا لتلك القوميات ، وإنما فرض عليها يلزمها به تصميم الإنسانية على أن تتمتع بالرخاء والسلام ويعترف لهذه الاتحادات بالشخصية الدولية أما القوميات المندرجة فيها فليست دولا ، وإنما هي أقسام

إدارية لها حكوماتها المحلية التي تنهض بالخدمات الإقليمية من إنتاج وتعليم ونقل وإدارة وما إليها تحت سلطة الحكومة المركزية التي تهيمن على الاتحاد كله . ويدخل في اختصاصها تنظيم الصلات بينه وبين الاتحادات الأخرى ، وتشريع القوانين العامة للاتحاد ، وتنظيم توزيع الإنتاج الاتحادي ولا يكون للأفراد إلا جنسية واحدة هي جنسية الاتحاد ، ويحق لكل فرد منهم التنقل من أي جهة إلي أخري فيه دون القيود المتبعه في الحاضر ، وترتفع الحواجز الجمركية بين القوميات الأعضاء فيه . واتحادات العالم جميعا وتحرص على التنبيه إلى ميزة قلة عددها تخضع لسلطة عليا هي الحكومة العالمية التي وإن لم تعتبر حكومة لدولة موحدة فهي حكومة عليا فوق حكومات الاتحاد أي أنها أعلي سلطة في الكون بأسره . كلمتها هي النهائية لها ، كل ما يمكنها من أن تقرر ومن أن تنفذ ما تقرر . ولهذا تحتكر وحدها صناعة السلاح اللازم لقيامها بوظيفتها كحفيظة على الأمن الدولي ، وتكون تحت أمرتها القوات العسكرية الضرورية لهذه المهمة ، كما تقوم تنظيم التبادل العالي في المواد والتنتجات بقية اشباع حاجات البشر عامة على قاعدة المساواة غير أن هذا الصرح العالمي وإن قضي على مشكلة الوطنيات والاستعمار لا يعالج مشكلة الاقتصاد الفردي ، وهو العلة الأزلية للحرب . ولعل من أصدق ما يعبر عن هذه الحقيقة قول برنارد شو ؛ " إن الوطنية حينما يعتدي عليها تجعل الفرنسي والانجليزي مثلا عدوين لدودين ، أما الرأسمالية فتجعل كل الناس أعداء طوال الزمن ، وعندما تتحرر كل الشعوب ستدفعها الرأسمالية رغم ذلك إلى التفائل بقسوة وغلظة إذا كنا من الحمق بحيث نتركها لتفعل ذلك وفي الحق أنه ما بقي الاقتصاد الفردي فلا أمل في سلام أو رخاء ؛ ذلك أن الاقتصاد الفردي يجعل من الريح المحرك الوحيد إلى الإنتاج ، والإنتاج بقصد الريح يقضي إلى نشوء طبقة ملاك وسائل الإنتاج المعروفة بطبقة الرأسماليين .

اشترك في نشرتنا البريدية