الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 659 الرجوع إلى "الثقافة"

تهافت المناطقة الوضعيين

Share

- ٢ -

وإلى أن نصل إلى أول البحوث التي يفتخر بها المناطقة الوضعيون، أقصد منطق العلاقات ومعادلات الحدود، سنضطر إلى التحليق بسرعة من فوق خمسين صحيفة ورد فيها من أعاجيبهم أمور كثيرة ، منها أن عبارة مثل " مؤلف مسرحية أهل الكهف من أئمة الأدب الحديث فى مصر " فيها العلاقة هي لفظ " من " والمحمول هو " أئمة الأدب الحديث فى مصر " وليس المحمول إمام من أئمة الأدب إلخ " فما العلاقة لو ذكرت كلمة " إمام " صراحة ؟ وما الفرق بين الصبغتين ؟ وما العلاقة لو كانت العبارة " مؤلف مسرحية أهل الكهف من طنطا " ومنها نوسيع بعضهم لمعني أسم العلم حتى يشمل الضمير والمعرف بأل أحيانا ، ومنها أختراعهم لما يسمونه " اللفظ الجزئي بالمعنى الدقيق " وبمقتضى ذلك يكون اسم العلم مثل " العقاد " لفظا " قريب الشبه جدا بالأسم الكلى " لأنه يمر بأحوال مختلفة في اللحظات المتعافية ، وما دروا أن هذا المعنى إذا زدناه دقة بطريقتهم فإنه لا يعود هناك شئ جزئي ، لأن أحوال الأشياء فى تغير دائم كما علمنا هرقليطس ، ولأن كل لحظة من تلك اللحظات قابلة للقسمة إلى مالا نهاية كما يقول زينون الأبلى، فلن يمسك الوضعيون بجزئى إلا ويجدونه قد أصبح غيره ؛ إن عجبنا لا ينقضي من جونسون وكارنب وبرنراند رسل الدين يعتبرون أحوال الفرد الواحد كأنها أفراد كثيرة ثم يصفون هذا الخطأ بأنه هو الدقة ! ومن تلك الأعاجيب طريقة حلهم لمشكلة المفهوم . يقول المؤلف ص ٤٠ " يري الوضعون أن الكلمة أسم له ما صدقات وليس له مفهوم  وبهذا الرأي نتخلص من المشكلة القائمة بين أصحاب الفهوم ، وتلك شقشتة عرفناها الموضعيين في التخلص من المشاكل ، ولكن المؤلف ينقض ذلك حين يتكلم عن التعريف ص ٤٨ " بل إن التفاهم بين الناس في حياتهم اليومية قائم على اتفاقهم على أن يكون للكلمة المعينة معني معين . " ومنها أقوالهم ص ٤٦ عن الفئة الفارغة : " الفئة التي بغير أفراد ، ولها في المنطق الوضعي الحديث أهمية

كبرى لأنها فئة يتساوي فيها القول بالإيجاب والسلب " فقارن هذا بما جاء ص ١٢٨ سطر ٤ " الشئ ونقيضه لا يجتمعان في شئ " ربما جاء ص ٢٧ " ليس يشترط للمنطقي أن يعلم إن كان في إيرلنده ثعابين حقا أو لم يكن حتى يقال إن عبارة " ثعبان إيرلندى "ليس لها مسميات . . ( فالفظ الكلى ) هو الذي يجيز له أن ينطبق على أى فرد إذا توافرت فيه صفات معينة ، سواء وجد من هذا النوع فرد واحد أو مجموعة أفراد او لم يوجد . . ، فلعمري بحسب هذه المقتطفات كيف يستوي السلب والإيجاب فى الفئة الفارغة ؟ إن هذا نوع جديد من الإضراب عن العمل الذى أشرنا إليه فى صدر هذا البحث .

فلتهمل ما بقي من مثل هذه الملاحظات لتصل إلي ما استحدثوه باسم منطق العلاقات . لاشك أن الأتجاه إلى العلاقات وإحصاءها ودراستها هو ثروة قيمة للمنطق ، وربما كان مقدرا له أن ينمو ويزدهر من هذا الطريق في المستقبل ، إلا أن الوضعين لم يحسنوا استغلال هذه الثروة التي لفتوا الأنظار إليها بقوة ، بل ربما كان الاقتصار على علاقة الموضوع بالمحمول كما في النطق التقليدى أسلم وأدق من مجاراة الوضعيين في طريقة تصرفهم في موضوع العلاقات . انظر مثلا اقتراح برادلي الوارد ص ٢٤٣ الذي يعالج به أخطاء زملائه من الوضعين وإذا ارتبط شيئان بشئ معين برابطة معينة واحدة ارتبط الشبئان أحدهما بالآخر بنفس هذه الرابطة ، وهذا واضح البطلان ، لأنه إذا كان أ عم ب و ج عم ب لم يكن كل من أ ، ج عما لصاحبه . وإذا كان هذا هو العلاج فلا شك أن الداء كان عباء ! هذا مع أن الوضعيين أنفسهم قد احترسوا من مثل هذا في دراسة أنواع التعدى وهي مذكورة فى ص ٨٩ . وبالجملة نصيب على معالجتهم لموضوع العلاقات شيئين على الأقل :

١ - فقدان البساطة وتعذر الاهتداء إلى قواعد محصورة ، لأن العلاقات لا حصر لها ولكل منها أنواع ، وليس

لأي نوع منها إلا مثال واحد أو أمثلة نادرة ، مما يخشى معه أن يصبح لكل مثال قاعدة تخصه وان تبطل الحاجة إلى علم المنطق . وهذا برادلى نفسه يقول " هنالك من مبادئ القياس مقدار ما هنالك من أنواع الروابط ، ولما كانت هذه لا حصر لها فالمبادئ لا حصر لها . "

٢- فقدان الدقة بإعاقة للفكر عن النظر فى الاحتمالات المعاكسة ، وهو أمر كان يكفله في المنطق الأرسطي اعتباره الحد الأوسط هو محمول الصغري بأكمله وليس فقط أحد أطراف العلاقة وكذلك اشتراطه كلية المقدمة الكبرى . وللتوضيح تمثل بأن المنطق الوضعى يقول "  أ أكبر من ب و ب أكبر من ج ، إذن أ أكبر من ج " أما المنطق الأرسطي فيقول " أ أكبر من د وكل ما هو أكبر من د أكبر من جـ ، إذن أ أكبر من جـ " وهذه الطريقة الأخيرة أدق لأنها لا توقعنا في خطأ الوضعين إذا قالوا مثلا " بما أن درجات محمد أقل من درجات أحمد ودرجات أحمد أقل من درجات النجاح إذا درجات محمد أقل من درجات النجاح " لأن أرسطو كان يلزمنا بأن نضع الكبرى : " كل ما هو أقل من درجات أحمد أقل من درجات النجاح " وبهذا ينبهنا إلى الاحتمال الذي قد ينجح فيه صاحب الدرجات المتزنة وإن كانت أقل من درجات الراسب صاحب الدرجات غير المتزنة .

ونشير بعد هذا إلى رذيلة أساسية ملازمة للمناطقة الرياضيين ، وهي إقحام العمليات الرياضية فى المنطق إقحاما يتجلى فيه التكلف والفشل . ومن ذلك كلامهم عن الضرب والقسمة فى المنطق . ومعلوم أن كلا منهما عكس الآخر فى الرياضة ، إذ أن حاصل ضرب أى عددين لابد من قبوله القسمة على كل منهما . أما الضرب والقسمة الزعومان فى المنطق الوضعي فيستعصيان على ذلك باعترافهم المذكور ص ١١٩،١١٨،١١٧ بطريقة تدعو إلى الرثاء . وهذا الاستعصاء وحده دليل الفشل . هم يزعمون أن عبارة " المدرسون الجامعيون " هي عملية ضرب منطقي مثل عبارة أ × ب بينما يفسرون الأولى بأن معناها إخراج غير المدرسين من كافة الناس ثم إخراج غير الجامعيين مما يتبقى ، وهذه عملية طرح ولا تمت إلى الضرب بأدنى صلة ، لأن

الضرب إضافة الشئ إلى نفسه مرات معينة ، ولقد انساقوا في هذا الزيخ فوحدوا بين علاقتي الذاتية والتساوي ، وهذا هو بيت الداء في المنطق الوضعي ، إذ تولد عنه ما يسمونه بالنظريات إمعانا من الرياضين في لف المنطق في كفن رياضي . وهي نظريات ذكرتني قراءتها بالقول الكريم " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها " وليتهم في ذلك توخوا الوضوح الرياضي ، بل استعملوا الرمز الواحد للدلالة على معنيين مثل الرمز الدال على عضوية فئة في فئة ص ١٢١ وعلى لزوم قضية من قضية ص ١١٢ ، وهذا اللزوم نفسه لم يميزوا فيه بين معنيين مختلفين ؛ ففي المثال الوارد ص ٣٤٦ " إذا كانت الحرب تستلزم عدم الإنتاج فإن الإنتاج يستلزم عدم قيام الحرب " يتضح أن الفعل الأول معناه " يؤدي حتما إلي " والثاني معناه " يحتاج حتما إلي " كما يستعملون رمزين لمعنى واحد ، فالعطف يرمز له أحيانا بالنقطة وأحيانا حلامة زائد ، والنقطة في مكان آخر رمز للفئة الفارغة ، وعلامة زائد في مكان آخر رمز لعلاقة البدائل بين الحدود ، والبدائل لها رمز خاص في القضايا يشير إلى أحد معاني البدائل ، وهناك معنيان للبدائل تركا بدون رمز ، وليس هذا حصرا بل هو تمثيل لعيوب الرموز في ذلك المنطق . على أن طريقة قراءة الصيغة الرمزية فيها من التحكم والبداء واتباع الأهواء ما ينزع الصبر ويثير من الضجر ما تثيره فأفأة العي . فلعمري إن المنطق إذا رام الاستعاضة بهذه اللغة العمياء عن لغته المبصرة كان كمن راح ينادي " يا من بيبغى سمسما مقشورا بسمسم غير مقشور " .

بقيت مسألة نختم عندها هذا البحث ولعلها أبعد اثرا مما سبق . تلك أن المناطقة الوضعيين خضوعا منهم لشهوة هدم المنطق التقليدي اجترأوا على الفتوى ، بأنه أحيانا لا يجوز استنتاج صدق القضية الجزئية من صدق القضية الكلية ، وذلك إذا ما كان موضوع القضية الكلية يشير إلى فئة فارغة ليس لها أفراد في العالم الواقعي . وقد اتفق المؤلف كثيرا من الصفحات في تثبيت هذا المعنى الذي يبدو أن المدرسة الوضعية مجمعة عليه والذي يهدمون به كثيرا من أحكام النطق التقليدي في التقابل والعكس ونقض المحمول ونقص الموضوع والاستدلال القياسي . وإنما دعاهم إلى هذه

الفتوى الغريبة تفسيرهم التحكمي لمعنى القضية الكلية ومعنى القضية الجزئية ؛ فالعبارة كل ا هي ب معناها عندهم : إذا كان هناك فرد من ا فهذا الفرد هو ب ، وعندهم أن صدق هذه العبارة لا يتوقف على وجود فرد من ا فعلا . أما العبارة الجزئية " بعض أ هو ب  "فمعناها عندهم : هنالك فرد واحد على الأقل من فئة أ هو ب . وعندهم أن صدق هذه الأخيرة يتوقف على وجود ذلك الفرد فعلا ؛ فالأولى عبارة شرطية ، والثانية وجودية ؛ ولذلك فإن " من عدم الوجود لا يجوز أن نستدل على الوجود " .

وهكذا يعتقدون أنهم أثبتوا خطأ المنطق التقليدي في استنتاجه دائما صدق الجزئية من صدق الكلية . ولكنا نلفت النظر إلي مبدأ الذاتية الذي يشترطه أرسطو في " ا " إذا استعملت مرتين في أي استدلال ، فإن كانت فارغة في الكلية فتكون هي هي في الجزئية ، وإن كان لها فرد واحد على الأقل في الجزئية فتكون هي هي في الكلية ؛ وعلى هذا ففي حكمنا بالصدق أو الكذب على هاتين القضيتين المتقابلتين يجب أن نعتبر إما الناحية المادية وحدها في كلتهما أو الناحية الصورية وحدها في كلتهما ، فإذا اعتبرنا الناحية المادية وكانت ا فئة فارغة فيتعين الحكم بالكذب على القضيتين إذا نسبنا إلي ا ما يفيد الوجود أو يتوقف عليه مثل " كل ملوك فرنسا في النصف الأول من القرن العشرين عمروا أكثر من مائة عام " وكذلك " بعض ملوك فرنسا . . الخ " ويتعين الحكم بالصدق على الكلية إذا حكمت على الفئة الفارغة بعدم الوجود مثل " كل ملوك فرنسا في النصف الأول من القرن العشرين أشخاص خرافية لا وجود لها في الواقع " وبالتالي تصدق الجزئية " بعض ملوك فرنسا في النصف الأولى من القرن العشرين أشخاص خرافية لا وجود لها في الواقع " .

وهي صادقة لأنها لم تنسب إلى البعض الآخر الوجود كما لم تنسبه إلى أي فرد من البعض الأول . ومن هذا المثال الأخير يتبين لك التحكم في تفسير الوضعيين لمعني الجزئية بأنها تفيد الوجود لفرد واحد علي الأقل ؟ وإذا يكون معنى القضية الأخير على حسب مذهبهم التهافت " يوجد فرد واحد على الأقل من ملوك فرنسا في النصف الأول من

القرن العشرين لا وجود له " . وأما إذا اعتبرنا الناحية الصورية وحدها في كلتا القضيتين ، أى دون نظر إلى وجود الأفراد فعلا ، ثم فرضنا بسبب ذلك صدق الكلية برغم حديثها عن فئة فارغة ، فإنه يتعين صدق الجزئية أيضا برغم حديثها عن فئة فارغة ، فينحصر خطأ الوضعين في أنهم ينظرون إلى الكلية الفارغة الموضوع من وجهة النظر الصورية فيجيزون صدقها ، وينظرون إلى الجزئية الفارغة الموضوع من وجهة النظر المادية فلا يجيزون صدقها ، ويرتبون على ذلك أن صدق الكلية لا ينتبع دائما صدق الجزئية .

ومن جهة أخرى نقول لهم إذا فهمنا القضية الكلية متضمنة معني الشرط لا التقرير فيحب فهم الجزئية من نفس وجهة النظر أي متضمنة معني الشرط لا التقرير ، فعندما تكون " كل ا هي ب " معناها " إذا وجد فرد من ا كان دائما فردا من ب " فإن " بعض ا هي ب " يكون معناها " إذا وجد فرد من ا كان أحيانا فردا من ب " ، فكان الجزئية تفيد فقط أن من الخطأ الظن بأنه "إذا وجد فرد من ا لم يكن أبدا فردا من ب " وعن نستخدم في إثبات هذا المعنى أقوال الوضعيين أنفسهم . فقد أورد المؤلف في صحيفتى ١٨٠،١٧٩ تحليل برتراند رسل لمعنى القضية الكلية والقضية الجزئية جاء فيه :

١ - كل س هي ك معناها : إن قولنا ( س هي ا ) يلزم عنها ( س هي ب ) هو قول صادق دائما .

٢ - بعض س هي ك معناها : إن قولنا ( س هي ا ) يصاحبها ( س هي ب ) هو قول صادق احيانا

وإذا كان الأمر كذلك فكيف لا نستنتج ٢ من ١ ) ! كيف لايحق لنا أن نستنتج صدق المصاحبة أحيانا من صدق الملازمة دائما ؟ وكيف ، بعبارة أخرى ، لا نستنتج صدق الجزئية من صدق الكلية التي تقابلها ؟ إني لأشفق على الوضعين من ابتسامة أرسطو لودري أنهم محاولون أن يوهنوا صخرته بهذه الأقوال التي تتردد في جامعات أوربا في القرن العشرين .

وإني لأكتفي بهذا القدر بلا تقديس للمنطق التقليدي ولا إنكار لقصوره وعجزه وضرورة ترميمة وتوسيع آفاقه ،

ولا جحود لفضل الوضعيين في نشاطهم في التفتيش في المنطق لإحيائه وفي الميتافيزيقا لتحرير الإنسانية من أوهام قد تتغذي جذورها من تربة ذلك العلم ، بيد أنه قد يسمو الغرض " وتخطئ الوسيلة . ولا جدال في أن المنطق الحديث سينتعش وينمو بإصابات الوضعيين وبأخطائهم على السواء . وكذلك لاجدال في أن كتاب " المنطق الوضعى " وغيره مما وعد به الدكتور زكي نجيب محمود سيكون حافزا للمفكرين المصريين والعرب إلى زيادة الاهتمام بالفكر الحديث والإدلاء بدلوهم في ميادين الفلسفة المعاصرة .

(الزقازيق)

اشترك في نشرتنا البريدية