الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 44الرجوع إلى "الثقافة"

تواضع ...

Share

لا أريد به هذا الخلق الكريم الذي يرفع الله أصحابه ، وإنما أريد به هذه الخصلة التي أراد إليها الشاعر القديم حين فَضَّل جريرًا على الفرزدق بشعره وأَخَّر جريرًا عن الفرزدق بقومه ، وذلك حيث يقول :

فيا شاعرًا لا شاعر اليوم مثله

جرير ولكن في كليب تواضع

أريد به هذا التضاؤل الذي يصيب بعض الأفراد وهم خليقون أن يعظموا ، وهذا التصاغر الذي يصيب بعض الشعوب وهي خليقة أن تكبر ، وهذا الانضاع الذي يصيب بعض الأجيال وهي خليفة أن ترتفع .

ويحملني على التفكير في هذا التواضع البغيض الذي لا يدل إلا على صغر النفوس ، وقصور الهمم ، وفتور العزائم ، ما أضطر إليه من التفكير في مصر بعيدًا عنها ، وقريبًا منها ، وغائبًا عن أهلها وشاهدًا فيهم . فإن هذا التفكير يترك في نفسي أثرين متناقضين : هما الرضى الذي يعظم حتى يوشك أن يكون غرورًا ، والسخط الذي يعظم حتى يوشك أن يكون ثورة . وما لذلك مصدر إلا هذا الإحساس القوي الذي أجده حين أفكر في مصر من بعيد ، وحين أسمع غير المصريين يتحدثون عن مصر التي يعرفونها من الكتب ومن أحاديث الناس . هنالك أرى مصر كما هي ، وكما يجب أن تكون ، بلدًا عظيمًا لا يرضى إلا بعظائم الأمور ، ولا يطمئن إلى صغائرها ؛ وإنما يثور ويضطرب إن أُكره على الصغائر أو دفع إليها ، وما يزال في ثورته واضطرابه حتى يرد إلى ما يحب

وتَألف طبيعته من عظائم الأمور وجلائل الأعمال . وهنالك أُفكر في مصدر هذه العظمة المصرية فلا أراه بعيدًا ولا غريبًا ، وإنما أراه قريبًا سهلا ، يتصل بطبيعتها المادية ، ويتصل بتاريخها ، ويتصل بموقعها الجغرافي كما يقال .

يتصل بطبيعتها المادية ، فإن العظمة تكتنفها من جميع جوانبها : عظمة الصحراء ، وعظمة البحر ، وعظمة هذا الجو المشرق دائمًا ، الصفو دائمًا ، وعظمة هذا الإقليم المعتدل ، وعظمة هذا النهر الذي يهبط واديها في اناة قوامها الجلال ، أو في سرع قوامه الرهبة والخوف ، وهو على كل حال يحمل الخصب واليسر ، ويشيع الحياة والنعيم .

ويتصل بتاريخها الذي يعرفه الأجانب أكثر مما نعرفه ، ويقدرونه أكثر مما نقدره ، والذي كثر القول في مكانته الرفيعة بين تواريخ الأمم والأجيال ، حتى أصبح الحديث عنه لغوًا ولهوًا ، وإعادة لما لا طائل في إعادته . فمصر مهد الحضارة ، ما يشك في ذلك أحد ، ومصر قد حَضَّرَت الشرق القريب ، وحضرت اليونان أيضًا ، ما ينكر ذلك أحد . ومصر قد بسطت سلطانها السياسي على كثير من أقطار الأرض في كثير من العصور ، ما ينازع في ذلك أحد . ومصر قد قاومت الطامعين فيها والمغيرين عليها ، حتى ردتهم عنها ، أو أفنتهم في نفسها ، وحتى خرجت من المحن كما دخلت فيها ، عزيزة قوية ، وكريمة موفورة ، ما يجادل في ذلك أحد . ومصر قد أقامت على أرضها من الآثار في جميع عصورها

المختلفة ما يثير في النفس الشعور بالعظمة والقوة والطول ؛ وقلما تجد من آثار مصر ما يثير في النفس شيئًا يناقض هذا الشعور ، عماراتها في العصور الفرعونية ، وعماراتها في العصر اليوناني الروماني ، وعماراتها في العصر الإسلامي ، وعماراتها في هذا العصر الحديث نفسه ، لا تصور تضاؤلا ولا تصاغرًا ولا تواضعًا ، وإنما تصور عظمة وطموحًا إلى العظمة ، وتصور قوة وتوئيًا إلى القوة ، وتصور سمواً واندفاعًا إلى السمو .

حتى حين تعنى مصر بالفنون اليسيرة التي ليس من طبعها أن تصور القوة والعظمة والطموح ، وإنما من طبعها أن تصور الاناة والدقة والتأنق ، حتى حين تعنى مصر بهذه الفنون لا تستطيع أن تبرأ من هذا الطموح إلى العظمة ؛ يظهر ذلك في تأنيها وصبرها ، وحرصها على الاتقان والتجويد ، وازدرائها للسرعة ، واحتقارها للزمن ، وإعراضها عن الربح السريع والفوز اليسير ، وإيثارها للكَيْف وانصرافها عن الكَمِّ . كل ذلك على ثقة بالنفس ، وثبات على الرأي ، وإيثار للمثل الأعلى ، وانصراف عما دونه من أعراض الحياة ، تلك التي ترضى بها الأجيال ذات النفوس الصغار .

ويتصل بموقعها الجغرافي بين الشرق والغرب ، وأخذها من الشرق والغرب خلاصة ما عندهما ، وردها على الشرق والغرب ما لا يلائم طبعها ولا يوافق مزاجها ، وقيامها من الشرق والغرب مقام الحكم العدل الذي يحمي حضارة اليونان من طغيان الرومان ، ويحمي حضارة الإسلام من طغيان التتر ، وينهض في هذه الأيام للتوفيق والإصلاح بين مطامع أوربا الجامحة وطموح الشرق المستيقظ إلى الحرية والاستقلال ، كل هذه مصادر واضحة قريبة لهذا الشعور القوي الذي يملأ نفوس الأوربيين إعجابًا بمصر وإكبارًا لها ، والذي يملأ نفسي حين أكون

بين الأوربيين ، فأسمع لأحاديثهم ، وأقرأ كتبهم ، رضى عن مصر ، وافتخارًا بالانتساب إليها ، وطموحًا إلى أن تكون خليقة برأي الناس فيها .

فإذا عدت إلى مصر واتصلت بأهلها ، فسمعت منهم وتحدثت إليهم ، وقرأت أخبارهم وآثارهم في الصحف ، فهذا مصدر آخر لشعور آخر ليس له حظ من العظمة ، وليس له نصيب من الرضى ؛ وإنما هو التضاؤل والتصاغر ، وهو السخط والضيق ، وهو الشعور المؤلم الذي يجده من كان على القمة ثم هوى فجأة إلى القاع ، والذي يجده من كان في حلم رائع لذيذ ، ثم استيقظ على حياة مظلمة مؤلمة ، والذي يجده من كان مطلقًا حرًا ، ثم أثقلته الأغلال والقيود ، ودفع إلى أعماق سجن بغيض .

ذلك أني لا أكاد أستقر في مصر ، حتى أجد مس الحياة الحاضرة الواقعة ، وإذا هو مس خشن لا لين فيه ، وإذا هذه الحياة ضيقة شديدة الضيق ، لا حظ لها من سعة ولا رحب ، ولا يجد الذين يحبونها فرجًا من حرج ، ولا متنفسًا يبلغون بها رئاتهم حاجتها من الهواء ، إنما هو الضيق إذا تحركوا ، والضيق إذا نظروا ، والضيق إذا فكروا ، والضيق إذا تحدثوا ، والضيق في كل شئ ، حتى تصبح الحياة عبثًا ثقيلا ، وحتى يشيع في النفس أسفٌ حزين لاذع على تلك الأيام الحلوة التي أنفقت هناك ، حيث الهواء الطلق الذي تتنفس منه ملء رئتيك ، وحيث الجو الواسع العريض الذي تستطيع أن تطلق فيه نفسك كما أحببت وحيث أحببت ، تطلقها فيما مضي فترى عظمة تملأ النفس كبرًا ، وترى محنًا تملأ النفس قوة وإباءً ، وتطلقها في المستقبل فتسبح في رجاء واسع باسم ، وآمال مشرقة عراض ، وتطلقها في الحاضر نفسه فترى نشاطًا يدفع إلى الأمل ، وترى إنتاجًا يحمل على الثقة ، وترى أعمالًا تعصم من القنوط .

نعم ، لا أكاد أستقر في مصر حتى أشعر بهذا الضيق وحتى أجد هذا السخط ، وحتى أكاد أرى أن حب مصر مشروط بالبعد عنها ، وأن الأمل في مصر رهين بأن ننظر إليها وبيننا وبينها مسافة غير قريبة . لماذا هذا الشعور ؟ ولماذا هذا التنقل بين موقفين أقل ما يوصفان به أنهما متناقضان أشد التناقض ، متباينان أشد التباين ؟ لسبب وحيد يسير فيما أعتقد ، هو أن مصر أعظم من أهلها ، فهي عظيمة متسامية ، وشعبها صغير متضائل ، عظيمة رقعتها من الأرض ، وشعبها يجهل هذه الرقعة ؛ فما أقل المصريين الذين يعرفون بلادهم معرفة جغرافية مقاربة ، بل ما أقل المصريين الذين يعرفون أقاليمهم معرفة صحيحة . تحدث إلى من شئت من المصريين عن هذه الصحراء التي تأخذها شرقًا وغربًا ، ثم انتظر رجع حديثك ، فلن تجد لحديثك رجعًا ولا صدى ، لأن أكثر هؤلاء المصريين لا يكادون يعرفون من أمر هذه الصحراء شيئًا . تحدث إليهم عن النيل ، تحدث إليهم عن البحر الأبيض أو عن البحر الأحمر ، فلن تجد لحديثك رجعًا ولا صدى .

عظيمة التاريخ ، ولكن أهلها يجهلون هذا التاريخ جهلًا مخزيًا . وحسبك أن التعليم الحديث قد بعد عهده بمصر ، وأن اللغة العربية التي هي لغة المصريين لا تعرف كتابًا مقنعًا في تاريخ مصر يطمئن إليه أوساط الناس ، وإنما هم مضطرون إلى الجهل أو إلى التماس تاريخهم عند الإنجليز أو الفرنسيين أو الألمان .

عظيمة الحظ من النشاط في حياتها الحديثة نفسها ، ولكن أهلها يجهلون هذا النشاط ، فسل أوساطهم عن قناة السويس أو عن القناطر الخيرية أو عن خزان أسوان ، وسل أوساطها عما بذلت من جهد في التجارة أو في الزراعة أو في العلم أو في السياسة التي لا يتحدث المصريون إلا بها ، ولا يعيشون إلا لها في هذه الأيام ، فسترى جهلهم بهذا مخزيًا مؤذيًا .

ومن هنا نستطيع أن نعكس ما أراد إليه المتنبي في هجائه لكافور حين قال :

ومن جهلت نفسه قدرها

رأى غيره فيه ما لا يرى

أراد المتنبي أن يصف كافورًا بالغرور ، ولا أدري أصدق أم كذب ، ولكنه صادق من غير شك إن قال هذا البيت في المصريين المعاصرين ليصفهم بالتواضع والتضاؤل لا بالعظمة والكبرياء . فالمصريون يجهلون من أمر مصر أكثر مما يعلمون ؛ فيرونها صغيرة ، ويرون أنفسهم معها صغارًا ، وهي كبيرة ومن حقهم أن يكونوا معها كبارًا ؛ والأجانب يعلمون من أمر مصر ومن أمر المصريين أكثر مما نعلم نحن ، فلهم فينا وفي بلادنا رأي أحسن من آرائنا ، ولهم إلينا وإلى بلادنا نظر أصدق من نظرنا ، وآية ذلك أنهم يعجبون بنا ، ومنهم من يطمع فينا . وإنا نحقر أنفسنا ولا نكاد نردُّ عنها وعن وطنها طمع الطامعين .

وينشأ عن جهل المصريين بشؤون بلادهم في قديمها وحديثها أن تكون آمالهم في مستقبلها ملائمة لما يعلمون من أمرها ، أي أن تكون هذه الآمال صغارًا جدًا قصارًا جدًا ، خير منها اليأس لأنه يريح . لو عرف المصريون تاريخهم لكرهوا أن تكون سيرتهم أقل خطرًا وأيسر شأنًا من سيرة أسلافهم . ولو عرفوا هؤلاء الأسلاف حق المعرفة لكرهوا أن تكون آثارهم أهون من آثار أولئك الأسلاف ، ولكنهم لا يفكرون إلا في أنفسهم ، ولا ينظرون إلا إلى حياتهم هذه البوهيمية الصغيرة الضيقة ذات الآفاق القريبة المحدودة ، فيصغر تفكيرهم كما صغرت حياتهم ، وتصغر آمالهم كما صغر تفكيرهم ، وتصغر أعمالهم كما صغرت آمالهم . وإذا مصر التى يحيون فيها قد صغرت وتضاءلت لأنهم صغروا وتضاءلوا ، وهانت على الناس لأنهم هانوا على أنفسهم . وما أحب أن تظن بي التشاؤم ، أو أن تتهمني

بالإسراف في السخط ، ولكن خذ أي ناحية من نواحي حياتنا وانظر فيها ، فسترى التفكير الصغير والنظر القصير والتواضع الذي لا يرفع الله أصحابه . هذه الحرب قد شبت نارها ، وارتفع أوارها ، واضطربت لها نفوس الذين يصطلون حرها والذين هم بمأمن منها أشد الاضطراب ، فحدثني فيم نفكر ؟ وبماذا نشغل ؟ ولماذا نضطرب ؟ فريق منا لا يفكرون ولا يشغلون ولا يضطربون ، لأن الله قد منحهم لذة النوم المريح ؛ وفريق آخر يفكرون في القطن ، ويضطربون للقطن ، ويشغلون بالقطن ؛ لأن القطن مصدر المال ، ولأن المال مصدر الحياة . وأي حياة هذه التي تعصمك من الجوع ، وتبيح لك أنواع الاستمتاع بألوان الترف والنعيم ؟

وفريق آخر قد يفكرون فيما يفكر فيه الناس من أمر الحضارة ومستقبلها ، ومن أمر الإنسانية ومصيرها ، ومن أمر مصر وموقفها من هذه الكوارث التي تلم بالإنسانية ، أو تنذرها بأن تلم بها غدًا أو بعد غد . ولكن هؤلاء أقل من القليل يكتمون أحاديثهم بينهم ، ويستحون أن يجهروا بها ، مخافة أن يضحك منهم الضاحكون ، أو يعرض عنهم المعرضون . وهم من أجل ذلك يضيقون بالحياة وبالأحياء ، فيفكر الأستاذ أحمد أمين في أن ينشئ لهم فن السرور .

دع هذه الناحية وخذ ناحية أخرى هي ناحية التعليم ، فسترى التفكير فيه صغيرًا ، والنظر إليه قصيرًا ، والعناية به على قد المصريين لا على قد مصر . فمصر في حاجة إلى أن تصلح عقول الملايين من أبنائها بالتعليم ، كما تصلح الملايين من فدادينها بالري ؛ ولكنا نضيق التعليم ما وجدنا إلى تضييقه سبيلا ، لأن التعليم عندنا ما زال ترفًا لا ينبغي أن يباح للمصري من حيث هو مصري ، وإنما ينبغي أن يباح لطبقة أو طبقات من الناس ، ولأن الترف شيء

يمكن العدول عنه إذا اشتدت الأزمات وقل المال ، أو احتيج إلى إنفاقه في مصادر أخرى . فجامعة الإسكندرية ترف يمكن إرجاؤه ، والسنة الثانية في كلية الآداب بالإسكندرية ترف يمكن إرجاؤه ، وخير للدولة أن تقتصد آلافًا من الجنيهات من أن تمضي في إنشاء جامعة ، لأن المال ضرورة والعلم ترف : المال ضرورة يحتاج إليه في أوقات الحرب ، والعلم ترف يمكن الاستغناء عنه في أوقات الحرب ؛ ولا تقل إن العلم ضرورة من ضرورات الدفاع الوطني ؛ ولعله أن يكون ألزم للدفاع الوطني من السيف والرمح والمدفع والطائرة ؛ ولا تقل إن العلم ضرورة من ضرورات الحياة الوطنية ، لأنه يمكن من إنتاج الثروة واستثمار الأرض ، لا تقل هذا ، فإنا لم نبلغ بعدُ أن ننظر إلى الأمور هذه النظرة وأن نفكر فيها هذا التفكير ، وإنما نحن ننظر ونفكر على قد أنفسنا المتواضعة ، لا على قد وطننا العظيم .

التعليم ترف ، فليس من الضروري ، بل قد يكون من الشر ، أن تفتح أبوابه على مصاريعها للفقراء والعاجزين عن أداء نفقاته . إنك تزجر الفقير إذا رأيته يطمع فيما لا يستطيع أن يبلغه من طيبات الطعام والشراب ؛ فطيبات الطعام والشراب لم تخلق للفقراء والبائسين ، وإنما خلقت للأغنياء والمترفين . وأكبر الظن أن بطون الفقراء لا تستطيع أن تهضم طيبات الطعام والشراب ؛ وأكبر الظن أن حلوق الفقراء لا تستطيع أن تسيغ طيبات الطعام والشراب . فيجب أن تزجر الفقراء والبائسين عن التعليم إن عجزوا عن أداء نفقاته ، كما تزجرهم عن ألوان الطعام إن عجزوا عن شرائها ؛ فعقول الفقراء كبطونهم قد خلقت للجهل والعلم اليسير ، كما خلقت بطونهم للجوع والطعام الغليظ ؛ ولا تقل إن عقول الفقراء والأغنياء سواء في الاستعداد للفهم والمعرفة ، ولا تقل إن للفقراء في أموال                      (البقية على صفحة ٤٢)

اشترك في نشرتنا البريدية